سورة البقرة (2): مكتوبة كاملة مع التفسير التحميل

تحتوي هذه الصفحة على جميع آيات سورة البقرة بالإضافة إلى تفسير جميع الآيات من قبل تفسير الوسيط لطنطاوي (محمد سيد طنطاوي). في الجزء الأول يمكنك قراءة سورة البقرة مرتبة في صفحات تماما كما هو موجود في القرآن. لقراءة تفسير لآية ما انقر على رقمها.

معلومات عن سورة البقرة

سورة البقرة في القرآن الكريم

سورة البقرة هي ثاني سورة من سور القرآن الكريم، وتتألف من 286 آية. تعتبر سورة البقرة من أطول السور في القرآن الكريم، وتحتوي على مواضيع متنوعة تتعلق بالعقيدة والشريعة والأخلاق والتشريعات الاجتماعية.

تتضمن سورة البقرة العديد من الحكم والأوامر الإلهية التي تهدف إلى توجيه الإنسان في حياته وتربيته على القيم الإسلامية. كما تحتوي على قصص وأمثال تعبر عن الحكمة والعبرة للمؤمنين.

من بين المواضيع الرئيسية التي تتناولها سورة البقرة هي الإيمان والتوحيد، والشريعة والأحكام الشرعية، والأخلاق والتربية، والتاريخ الإسلامي والقصص القرآنية.

يعتبر قراءة سورة البقرة والتفكير في مضمونها من الأمور المهمة في الحياة اليومية للمسلم، حيث تحتوي على توجيهات ونصائح تساعد على تحسين الحياة الروحية والاجتماعية.

بالإضافة إلى ذلك، يعتقد الكثيرون أن قراءة سورة البقرة تحمي المنزل وأهله من الشرور والأذى، وتجلب البركة والرزق.

سُورَةُ البَقَرَةِ
الصفحة 23 (آيات من 146 إلى 153)

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا۟ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُۥ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ
23

الاستماع إلى سورة البقرة

تفسير سورة البقرة (تفسير الوسيط لطنطاوي: محمد سيد طنطاوي)

الترجمة الإنجليزية

Allatheena ataynahumu alkitaba yaAArifoonahu kama yaAArifoona abnaahum wainna fareeqan minhum layaktumoona alhaqqa wahum yaAAlamoona

- ثم بين القرآن الكريم أن أهل الكتاب يعرفون صدق الرسول صلّى الله عليه وسلّم معرفة لا يخالطها شك فقال تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ.أى: أن أحبار اليهود وعلماء النصارى يعرفون صدق رسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم ويعرفون أن توجهه إلى البيت الحرام حق، كما يعرفون أبناءهم فهو تشبيه للمعرفة العقلية الحاصلة من مطالعة الكتب السماوية، بالمعرفة الحسية في أن كلا متهما يقين لا اشتباه فيه.قال الإمام ابن كثير: «يخبر الله أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا كما جاء في الحديث أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لرجل معه صبي صغير «ابنك هذا» ؟ قال نعم يا رسول الله أشهد به، قال: «أما إنه لا يخفى عليك ولا تخفى عليه» ويروى عن عمر أنه قال «لعبد الله بن سلام» أتعرف محمدا صلّى الله عليه وسلّم كما تعرف ولدك. قال نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته، وإنى لا أدرى ما كان من أم ولدي، فقبل عمر- رضي الله عنه- رأسه» .أى: وإن طائفة من أهل الكتاب مع ذلك التحقيق والإيقان العلمي من أنك على حق في كل شئونك ليتمادون في إخفائه وجحوده، وهم يعلمون ما يترتب على ذلك الكتمان من سوء المصير لهم في الدنيا والآخرة- ثم ثبت الله تعالى نبيه صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين، فأخبرهم بأن ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم هو الحق الذي لا شك فيه.أى: اعلم- يا محمد- أن ما أوحى إليك وأمرت به من التوجه إلى المسجد الحرام. هو الحق الذي جاءك من ربك، وأن ما يقوله اليهود وغيرهم من المشركين هو الباطل الذي لا شك فيه، فلا تكونن من الشاكين في كتمانهم الحق مع علمهم به، أو في الحق الذي جاءك من ربك وهو ما أنت عليه في جميع أحوالك ومن بينها التوجه إلى المسجد الحرام.والشك غير متوقع من الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولذلك قال المفسرون إن النهى موجه إلى الأمة في شخص نبيّها صلّى الله عليه وسلّم إذ كان فيها حديثو عهد بكفر يخشى عليهم أن يفتنوا بزخرف من القول يروج به أهل الكتاب شبها تعلق بأذهان من لم يرسخ الإيمان في قلوبهم.

الترجمة الإنجليزية

Alhaqqu min rabbika fala takoonanna mina almumtareena

فإن قال لنا قائل : " أو كان النبي صلى الله عليه وسلم شاكاص في أن الحق من ربه أو في أن القبلة التي وجهه الله إليها حق من الله - تعالى - حتى نهى عن شك في ذلك فقيل له : ( فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين ) .كما قال جل ثناؤه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ ثم قال وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً فخرج الكلام مخرج الأمر للنبي صلّى الله عليه وسلّم والنهى له. والمراد به أصحابه المؤمنون به .

الترجمة الإنجليزية

Walikullin wijhatun huwa muwalleeha faistabiqoo alkhayrati ayna ma takoonoo yati bikumu Allahu jameeAAan inna Allaha AAala kulli shayin qadeerun

ثم قال تعالى: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ.أى: ولكل أهل ملة فبلة يتجهون إليها في عباداتهم، فسارعوا أنتم جهدكم إلى ما اختاره الله لكم من الأعمال التي تكسبكم سعادة الدارين، والتي من جملتها التوجه إلى البيت الحرام.ثم ساق الله- تعالى- وعدا لمن يطيع أمره، ووعيدا لمن ينصرف عن الخير. فقال- تعالى-: يْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً.أى: في أى بقعة يدرككم الأجل، وتموتون فيها، يجمعكم الله- تعالى- يوم القيامة.لتقفوا بين يديه للحساب، لأنه- سبحانه- قادر على جمعكم بعد مماتكم من قبوركم حيث كنتم، وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم، كما أنه- سبحانه- قدير على كل شيء، ومادام الأمر كذلك، فبادروا بالأعمال الصالحة شكرا لربكم، وحافظوا على قبلتكم، حتى لا تضلوا كما ضل اليهود ومن على طريقتهم في الكفر والعناد.

الترجمة الإنجليزية

Wamin haythu kharajta fawalli wajhaka shatra almasjidi alharami wainnahu lalhaqqu min rabbika wama Allahu bighafilin AAamma taAAmaloona

ثم أكد- سبحانه- حكم التحويل، وبين عدم تفاوت الأمر باستقبال المسجد الحرام في حالتي السفر أو الحضر. فقال- تعالى-: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ...أى: ومن أى موضع خرجت وإلى أى مكان آخر سرت، فول- يا محمد- وجهك عند صلاتك إلى المسجد الحرام، وإن هذا التوجه شطره لهو الحق الذي لا شك فيه عند ربك، فحافظوا على ذلك أيها المؤمنون وأطيعوا الله- تعالى- في كل ما يأمركم به، ويتهاكم عنه، لأنه- سبحانه- ليس بساه عن أعمالكم، ولا بغافل عنها، ولكنه محصيها عليكم، وسيجازيكم الجزاء الذي تستحقونه عليها يوم القيامة.

الترجمة الإنجليزية

Wamin haythu kharajta fawalli wajhaka shatra almasjidi alharami wahaythu ma kuntum fawalloo wujoohakum shatrahu lialla yakoona lilnnasi AAalaykum hujjatun illa allatheena thalamoo minhum fala takhshawhum waikhshawnee waliotimma niAAmatee AAalaykum walaAAallakum tahtadoona

ثم كرر- سبحانه- الأمر للمؤمنين بأن يتجهوا في صلاتهم إلى المسجد الحرام فقال: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ.أى: ومن أى مكان خرجت- يا محمد- فول وجهك تلقاء المسجد الحرام، وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرض الله، فولوا وجوهكم في صلاتكم تجاهه ونحوه.وتلك هي المرة الثالثة التي تكرر فيها الأمر للمؤمنين بالتوجه إلى المسجد الحرام في صلاتهم، وهذا التكرير لتأكيد أمر القبلة وتشديده لأن تحول القبلة كان أول نسخ في الإسلام- كما قال كثير من العلماء- فاقتضى الأمر تأكيده في نفوس المؤمنين حتى يستقر في مشاعرهم، ويذهب ما يثار حولها من شبهات أدراج الرياح، ولأن الله- تعالى- أناط بكل واحد من هذه الأوامر الثلاثة بالتحول ما لم ينط بالآخر من أحكام فاختلفت فوائدها، فكأنه- سبحانه- يقول لنبيه- صلّى الله عليه وسلّم وللمؤمنين.الزموا هذه القبلة لأنها هي القبلة التي ترضونها وترغبون فيها وطالما تمنيتموها، والزموها- أيضا- لأنها هي القبلة التي لن تنسخ بعد ذلك.والزموها- كذلك- لأن لزومكم إياها يقطع حجة اليهود الجاحدين، وغيرهم من المعاندين والخاسرين.وقد اقترن هذا الأمر الثالث بالتوجه إلى المسجد الحرام في هذه الآية الكريمة بحكم ثلاث.أولها: قوله تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي والمراد من الناس اليهود ومن لف لفهم من المناوئين للدعوة الإسلامية.والمعنى عليك- أيها النبي- ومن معك من المؤمنين أن تتجهوا في صلاتكم إلى الكعبة المشرفة، لكي تقطعوا دابر فتنة اليهود وحجتهم فقد قالوا لكم وقت اتجاهكم إلى بيت المقدس.إذا كان لكم أيها المسلمون دين يخالف ديننا فلماذا تتجهون إلى قبلتنا، إلى غير ذلك من أقوالهم الفاسدة فاتجاهكم إلى المسجد الحرام من شأنه أن يزيل هذه الحجة التي قد تبدو مقبولة في نظر ضعاف العقول.وقوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا استثناء من الناس، والمعنى:لئلا يكون لأحد من اليهود حجة عليكم، إلا المعاندين منهم القائلين: ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا حبا لدين قومه، واشتياقا لمكة، وهؤلاء لا تخافون مطاعنهم بل اجعلوا خوفكم منى وحدي ولا تقيموا لما يشاغبون به في أمر القبلة وغيره وزنا، فإنى كفيل أن أرد عنكم كيدهم وأحبط سعيهم، فأنتم، أيها المؤمنون- ما توجهتم إلى بيت المقدس ثم إلى المسجد الحرام إلا بإذن ربكم وأمره، ففي الحالتين أنتم مطيعون لخالقكم- عز وجل-.وقد أحسن صاحب الكشاف في شرحه للجملة الكريمة، وصرح بأنه يجوز أن يراد بالناس وبالذين ظلموا مشركو العرب فقال:إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا استثناء من الناس، ومعناه: لئلا يكون حجة لأحد من اليهود إلا للمعاندين منهم، القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه وحبا لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء قبله، فإن قلت: أى حجة كانت تكون للمنصفين منهم لو لم يحول حتى احترز من تلك الحجة، ولم يبال بحجة المعاندين؟.قلت: كانوا يقولون ما له لا يحول إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو مذكور في نعته في التوراة؟فإن قلت: كيف أطلق اسم الحجة على قول المعاندين؟قلت: لأنهم يسوقونه سياق الحجة، ويجوز أن يكون المعنى: لئلا يكون للعرب عليكم حجة واعتراض في ترككم التوجه إلى الكعبة التي هي قبلة إبراهيم وإسماعيل أبى العرب إلا الذين ظلموا منهم وهم أهل مكة، حين يقولون بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم» .وثانيها: قوله تعالى: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ أى: ولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ولتكون قبلتكم مستقلة عن قبلة اليهود وغيرهم، فالجملة الكريمة معطوفة على قوله- تعالى-: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ.وثالثها: قوله- تعالى-: وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أى: ولكي ترشدوا للصواب في كل أموركم فما ضلت عنه الأمم من الحق هديناكم إليه، وخصصناكم به ولهذا كانت أمتكم خير أمة أخرجت للناس.والجملة الكريمة معطوفة على الجملة السابقة وهي قوله تعالى: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ.وبذلك تكون الآيات الكريمة التي نزلت في شأن تحويل القبلة إلى المسجد الحرام قد ثبتت المؤمنين، ودحضت كل شبهة أوردها اليهود وغيرهم في هذه المسألة.خامسا: هذا، وفي ختام هذا المبحث نحب أن نجيب على السؤال الخامس، وهو:لماذا فصل القرآن الكريم الحديث عن تحويل القبلة فنقول:لقد شرع الله- تعالى- تحويل القبلة إلى الكعبة بعد أن صلّى المسلمون إلى بيت المقدس فترة من الزمان، وكرر الأمر بتولية الوجوه إلى المسجد الحرام عند الصلاة، وأقام الأدلة الساطعة على أن ذلك التحويل هو الحق، وأتى بألوان من الوعيد لمن لم يتبع أوامره، وساق وجوها من التأكيدات تدل على عناية بالغة بشأنها.والمقتضى لهذه العناية وذلك التفصيل- مع أن التوجه إليها فرع من فروع الدين- هو أن التحويل من بيت المقدس إلى المسجد الحرام. كان أول نسخ في الإسلام- كما قال بذلك كثير من العلماء- والنسخ من مظان الفتنة والشبهة وتسويل الشيطان، فاقتضى الأمر بسط الحديث في مسألة القبلة ليزدادوا إيمانا على إيمانهم.ولأن هذا التحويل- أيضا- جاء على خلاف رغبة اليهود، فإنهم كانوا يحرصون على استمرار المسلمين في التوجه إلى بيت المقدس، لأنه قبلتهم، فلما حصل التحويل إلى المسجد الحرام، اتخذوا منه مادة للطعن في صحة النبوة ليفتنوا ضعفاء العقيدة، وسلكوا لبلبلة أفكار المسلمين كل وسيلة.فزعموا أن نسخ الحكم بعد شرعه مناف للحكمة، ومباين للعقول، فلا يقع في الشرائع الإلهية، وساقوا من الشبهات والمفتريات ما بينا بعضه عند تفسيرنا للآيات الكريمة.ويبدو أن شغبهم هذا، كان له آثاره عند ذوى النفوس المريضة وضعاف الإيمان فلهذا كله أخذت مسألة القبلة شأنا غير شأن بقية الأحكام الفرعية، فكان مقتضى الحال أن يكون الحديث عنها مستفيضا، ومدعما بالأدلة والبراهين، وهذا ما راعاه القرآن الكريم عند حديثه عن مسألة القبلة، فلقد قرر وكرر، ووعد وتوعد، ووضح وبين، ليدفع كل شبهة، وليجتث كل حجة، ويزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم، وينهض بضعفاء الإيمان إلى منزلة الراسخين في العلم، ويهوى باليهود ومن حذا حذوهم في مكان سحيق، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.وبعد أن أنهى القرآن حديثه عن نعمة تحويل القبلة أتبعه بالحديث عن نعمة جليلة أخرى وهي نعمة إرسال الرسول فيهم لهدايتهم فقال- تعالى-:

الترجمة الإنجليزية

Kama arsalna feekum rasoolan minkum yatloo AAalaykum ayatina wayuzakkeekum wayuAAallimukumu alkitaba waalhikmata wayuAAallimukum ma lam takoonoo taAAlamoona

وقوله- تعالى-: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ.. إلخ متصل بما قبله، والكاف للتشبيه وهي في موضع نصب على أنها نعت لمصدر محذوف وما مصدرية، والتقدير: لقد حولت القبلة إلى شطر المسجد الحرام لأتم نعمتي عليكم إتماما مثل إتمام نعمتي عليكم بإرسال الرسول صلّى الله عليه وسلّم فيكم، إجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل إذ قالا رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ....وقيل إن قوله- تعالى-: كَما أَرْسَلْنا.. إلخ متصل بما بعده، فتكون الكاف للمقابلة، أى: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يعلمكم الدين القويم، والخلق المستقيم ومنحتكم هذه النعمة فضلا منى وكرما، فاذكروني بالشكر عليها أذكركم برحمتي وثوابي. وقوله: فِيكُمْ متعلق «بأرسلنا» وقدم على المفعول تعجيلا بإدخال السرور: وقوله: مِنْكُمْ في موضع نصب، لأنه صفة لقوله: رَسُولًا والمخاطبون بهذه الآية الكريمة هم العرب.وفي إرساله الرسول صلّى الله عليه وسلّم فيهم وهو منهم نعمة تستوجب المزيد من الشكر، لأن إرساله منهم يسبقه معرفتهم لنشأته الطيبة وسيرته العطرة، ومن شأن هذه المعرفة أن تحملهم على المسارعة إلى تصديقه والإيمان به، ولأن في إرساله فيهم وهو منهم شرف عظيم لهم، ومجد لا يعد له مجد، حيث جعل- سبحانه- خاتم رسله من هذه الأمة، ولأن المشهور من حالهم الأنفة الشديدة من الانقياد، فكون الرسول منهم ادعى إلى إيمانهم به وقبولهم لدعوته. وقوله: يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا صفة ثانية للرسول صلّى الله عليه وسلّم.والتلاوة: ذكر الكلمة بعد الكلمة على نظام متسق، وأصله من الإتباع ومنه تلاه، أى:تبعه. والمراد من الآيات: آيات القرآن الكريم، وتلاوتها قراءتها، فإن البصير بأساليب البيان العربي يدرك من مجرد تلاوة آيات القرآن كيف ارتفع إلى الذروة التي كان بها معجزة ساطعة.وفي هذه الجملة- كما قال الآلوسى- «إشارة إلى طريق إثبات نبوته- عليه الصلاة والسلام- لأن تلاوة الأمى للآيات الخارجة عن طوق البشر باعتبار بلاغتها واشتمالها على الإخبار بالمغيبات والمصالح التي ينتظم بها أمر المعاد والمعاش أقوى دليل على نبوته» :وعبر بقوله: يَتْلُوا، لأن نزول القرآن مستمر، وقراءة النبي صلّى الله عليه وسلّم له متوالية، وفي كل قراءة يحصل علم المعجزات للسامعين.ويجوز أن يراد بالآيات: دلائل التوحيد والنبوة والبعث، وبتلاوتها التذكير بها حتى يزداد المؤمنون إيمانا بصدقها.وقوله: وَيُزَكِّيكُمْ صفة ثالثة للرسول صلّى الله عليه وسلّم، أى: ويطهركم من الشرك، ومن الأخلاق الذميمة. وإذا أشرقت النفوس بنور الحق، وتحلت بالأخلاق الحميدة، قويت على تلقى ما يرد عليها من الحقائق السامية.وقوله: وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ صفة رابعة للرسول صلّى الله عليه وسلّم.والمراد بالكتاب: القرآن، وتعليمه بيان ما يخفى من معانيه، فهو غير التلاوة، فلا تكرار بين قوله يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وبين قوله وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ.والحكمة: ما يصدر عنه صلّى الله عليه وسلّم من الأقوال والأفعال التي جعل الله للناس فيها أسوة حسنة.قال بعضهم: وقدمت جملة وَيُزَكِّيكُمْ هنا على جملة وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ عكس ما جاء في الآية السابقة في حكاية قول إبراهيم رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ لأن المقام هنا للامتنان على المسلمين، فقدم ما يفيد معنى المنفعة الحاصلة من تلاوة الآيات عليهم وهي منفعة تزكية نفوسهم اهتماما بها، وبعثا لها بالحرص على تحصيل وسائلها وتعجيلا للبشارة بها. أما في دعوة إبراهيم فقد رتبت الجمل على حسب ترتيب حصول ما تضمنته في الخارج، مع ما في ذلك التخالف من التفنن».وقوله- تعالى-: وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ صفة خامسة له صلّى الله عليه وسلّم.أى: «ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمونه مما لا طريق إلى معرفته سوى الوحى. ومما لم يكونوا يعلمونه وعلمهم إياه صلّى الله عليه وسلّم وجوه استنباط الأحكام من النصوص أو الأصول المستمدة منها، وأخبار الأمم الماضية، وقصص الأنبياء، وغير ذلك مما لم تستقل بعلمه عقولهم. وبهذا النوع من التعليم صار الدين كاملا قبل انتهاء عهد النبوة.ولقد كان العرب قبل الإسلام في حالة شديدة من ظلام العقول وفساد العقائد ...فلما أكرمهم الله- تعالى- برسالة رسوله صلّى الله عليه وسلّم وتلا عليهم الآيات، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، خرج منهم رجال صاروا أمثالا عالية في العقيدة السليمة، والأخلاق القويمة والأحكام العادلة، والسياسة الرشيدة لمختلف البيئات والنزعات.قال الآلوسى: وكان الظاهر أن يقول: «ويعلمكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون» بحذف الفعل «يعلمكم» من الجملة الأخيرة، ليكون الكلام من عطف المفرد على المفرد، إلا أنه- تعالى- كرر الفعل للدلالة على أنه جنس آخر غير مشارك لما قبله أصلا، فهو تخصيص بعد التعميم مبين لكون إرساله صلّى الله عليه وسلّم نعمة عظيمة، ولولاه لكان الخلق متحيرين في أمر دينهم لا يدرون ماذا يصنعون» .

الترجمة الإنجليزية

Faothkuroonee athkurkum waoshkuroo lee wala takfurooni

ثم أمر الله عباده بأن يكثروا من ذكره وشكره على ما أسبغ عليهم من نعم فقال:فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ...ذكر الشيء: التلفظ باسمه، ويطلق بمعنى استحضاره في الذهن، وهو ضد النسيان وذكر العباد لخالقهم قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب وقد يكون بالجوارح. فذكرهم إياه بألسنتهم معناه: أن يحمدوه ويسبحوه ويمجدوه، ويقرءوا كتابه، مع استحضارهم لعظمته وجلاله.وذكرهم إياه بقلوبهم معناه أن يتفكروا في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته وفي تكاليفه وأحكامه، وأوامره ونواهيه، وأسرار مخلوقاته، لأن هذا التفكر يقوى إيمانهم، ويصفى نفوسهم.وذكرهم إياه بجوارحهم معناه: أن تكون جوارحهم وحواسهم مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها، منصرفة عن الأفعال التي نهوا عنها، ولكون الصلاة مشتملة على هذه الثلاثة سماها الله- تعالى- ذكرا في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ....وقوله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ أمر وجوابه، وفيه معنى المجازاة فلذلك جزم.والمعنى: اذكروني بالطاعة والاستجابة لما أمرتكم به والبعد عما نهيتكم عنه أذكركم بالرعاية، والنصرة، وصلاح الأحوال في الدنيا، وبالرحمة وجزيل الثواب في الآخرة. فالذكر في قوله «أذكركم» مستعمل فيما يترتب على الذكر من المجازاة بما هو أوفى وأبقى، كما أن قوله «فاذكروني» المراد به: اذكروا عظمتي وجلالي ونعمى عليكم، لأن هذا التذكر هو الذي يبعث على استفراغ الوسع في الأقوال والأعمال التي ترضى الله.قال صاحب المنار: وقال الأستاذ الإمام: هذه الكلمة- وهي قوله- تعالى- فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ- من الله- تعالى- كبيرة جدا، كأنه يقول: إننى أعاملكم بما تعاملوننى به وهو الرب ونحن العبيد، وهو الغنى عنا ونحن الفقراء إليه. وهذه أفضل تربية من الله لعباده: إذا ذكروه ذكرهم بإدامة النعمة والفضل، وإذا نسوه نسيهم وعاقبهم بمقتضى العدل » .هذا، وقد وردت أحاديث متعددة في فضل الذكر والذاكرين، ومن ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول الله- تعالى-: أنا عند ظن عبدى بي وأنا معه حين يذكرني. فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي. وإن ذكرنى في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم. وإن تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا. وإن تقرب إلى ذراعا تقربت إلى باعا. وإن أتانى يمشى أتيته هرولة» .وروى مسلّم عن أبى سعيد الخدري وأبى هريرة: أنهما شهدا على النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال:لا يقعد قوم يذكرون الله- تعالى- إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده» .قال الإمام النووي: واعلم أن فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحو ذلك، بل كل عامل لله- تعالى- بطاعة فهو ذاكر لله- تعالى-.وقوله- تعالى-: وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ معطوف على ما قبله.والشكر في اللغة- كما يقول القرطبي- الظهور، ومنه قولهم: دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف.وحقيقته: عرفان الإحسان وإظهاره بالثناء على المحسن، يقال شكره وشكر له كما يقال نصحه ونصح له.وأصل الكفر في كلام العرب الستر والتغطية والجحود، ويستعمل بمعنى عدم الإيمان فيتعدى بالباء فيقال: كفر بالله، ويستعمل بمعنى عدم الشكر- وهو المراد هنا- فيتعدى بنفسه، فيقال: كفر النعمة أى جحدها وكفر المنعم أى جحد نعمته ولم يقابلها بالشكر.والمعنى: اشكروا لي ما أنعمت به عليكم من ضروب النعم، بأن تستعملوا النعم فيما خلقت له، وبأن تطيعوني في السر والعلن، وحذار من أن تجحدوا إحسانى إليكم، ونعمى عليكم فاسلبكم إياها.قال- تعالى-: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ .وقدم- سبحانه- الأمر بالذكر على الأمر بالشكر، لأن في الذكر اشتغالا بذاته- تعالى-، وفي الشكر اشتغالا بنعمته، والاشتغال بذاته أولى بالتقديم من الاشتغال بنعمته. وقوله وَلا تَكْفُرُونِ تأكيد لقوله وَاشْكُرُوا لِي.وهذا تحذير لهذه الأمة حتى لا تقع فيما وقع فيه بعض الأمم السابقة التي فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ.وبعد أن أمر- سبحانه- عباده بذكره وشكره، وجه نداء إليهم بين لهم فيه ما يعينهم على ذلك، كما بين لهم منزلة الشهداء، وعاقبة الصابرين على البلاء فقال- تعالى-:

الترجمة الإنجليزية

Ya ayyuha allatheena amanoo istaAAeenoo bialssabri waalssalati inna Allaha maAAa alssabireena

الصبر: حبس النفس على احتمال المكاره، وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع.والمعنى: يا من آمنتم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، استعينوا على إقامة دينكم والدفاع عنه، وعلى فعل الطاعات وترك المعاصي، وعلى احتمال المكاره التي تجرى بها الأقدار، استعينوا على كل ذلك بالصبر الجميل وبالصلاة المصحوبة بالخشوع والإخلاص والتذلل للخالق- عز وجل- فإن الإيمان الذي خالط قلوبكم يستدعى منكم القيام بالمصاعب، واحتمال المكاره، ولقاء الأذى من عدو أو سفيه، ولن تستطيعوا أن تتغلبوا على كل ذلك إلا بالصبر والصلاة.ولقد استجاب النبي صلّى الله عليه وسلّم لهذا التوجيه الرباني، وتأسى به أصحابه في ذلك، فقد أخرج الإمام أحمد- بسنده- عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «كان إذا حزبه أمر صلّى» «1» أى: إذا شق عليه أمر لجأ إلى الصلاة لله رب العالمين.وافتتحت الآية الكريمة بالنداء، لأن فيه إشعارا بخبر مهم عظيم، فإن من شأن الأخبار العظيمة التي تهول المخاطب أن يقدم قبلها ما يهيئ النفس لقبولها لتستأنس بها قبل أن تفجأها.ولعل مما يشهد بأفضلية هذه الأمة على غيرها من الأمم، أن الله- تعالى- قد أمر بنى إسرائيل في السورة نفسها بالاستعانة بالصبر والصلاة فقال: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إلا أنه- سبحانه- قال لهم: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ليشعرهم بضعف عزائمهم عن عظائم الأعمال، ولم يقل- سبحانه- للمؤمنين ذلك في الآية التي معنا، للإيماء إلى أنهم قد يسر لهم ما يصعب على غيرهم، وأنهم هم الخاشعون الذين استثناهم الله هنالك.وقوله- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ بيان لحكمة الاستعانة بالصبر وهو الفوز والنصر. أى: إن الله مع الصابرين بمعونته ونصره، وتوفيقه وتسديده فهي معية خاصة، وإلا فهو- سبحانه- مع جميع خلقه بعلمه وقدرته.وقال- سبحانه-: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ولم يقل «مع المصلين» لأن الصلاة المستوفية لأركانها وسننها وخشوعها لا تتم إلا بالصبر، فالمصلون بحق داخلون في قوله- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.ولم يقل «معكم» ليفيد أن معونته إنما تمدهم إذا صار الصبر وصفا لازما لهم.قال الأستاذ الإمام: إن من سنة الله: - تعالى- أن الأعمال العظيمة لا تتم ولا ينجح صاحبها إلا بالثبات والاستمرار، وهذا إنما يكون بالصبر، فمن صبر فهو على سنة الله والله معه، لأنه- سبحانه- جعل هذا الصبر سببا للظفر، إذ هو يولد الثبات والاستمرار الذي هو شرط النجاح، ومن لم يصبر فليس الله معه، لأنه تنكب سنته، ولن يثبت فيبلغ غايته «1» .
23