سورة يونس (10): مكتوبة كاملة مع التفسير التحميل

تحتوي هذه الصفحة على جميع آيات سورة يونس بالإضافة إلى تفسير جميع الآيات من قبل تفسير الوسيط لطنطاوي (محمد سيد طنطاوي). في الجزء الأول يمكنك قراءة سورة يونس مرتبة في صفحات تماما كما هو موجود في القرآن. لقراءة تفسير لآية ما انقر على رقمها.

معلومات عن سورة يونس

سُورَةُ يُونُسَ
الصفحة 209 (آيات من 7 إلى 14)

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ أُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمْ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ فِى جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَٰمٌ ۚ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۞ وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ ۙ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ثُمَّ جَعَلْنَٰكُمْ خَلَٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
209

الاستماع إلى سورة يونس

تفسير سورة يونس (تفسير الوسيط لطنطاوي: محمد سيد طنطاوي)

الترجمة الإنجليزية

Inna allatheena la yarjoona liqaana waradoo bialhayati alddunya waitmaannoo biha waallatheena hum AAan ayatina ghafiloona

قال الإمام الرازي: «اعلم أنه- تعالى- لما أقام الدلائل على صحة القول بإثبات الإله القادر الرحيم الحكيم، وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر، شرع بعده في شرح أحوال من يكفر بها وفي شرح أحوال من يؤمن بها».والمراد بلقائه- سبحانه- الرجوع إليه يوم القيامة للحساب والجزاء. والمعنى: إن الذين لا يرجون ولا يتوقعون لقاءنا يوم القيامة لحسابهم على أعمالهم في الدنيا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا رضاء جعلهم لا يفكرون إلا في التشبع من زينتها ومتعها، واطمأنوا بها، اطمئنانا صيرهم يفرحون بها ويسكنون إليها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا التنزيلية والكونية الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا غافِلُونَ بحيث لا يخطر على بالهم شيء مما يدل عليه هذه الآيات من عبر وعظات.فأنت ترى أن الله- تعالى- قد وصف هؤلاء الأشقياء بأربع صفات ذميمة.وصفهم- أولا- بعدم الرجاء في لقاء الله- تعالى- بأن صاروا لا يطمعون في ثواب، ولا يخافون من عقاب، لإنكار الدار الآخرة.ووصفهم- ثانيا- بأنهم رضوا بالحياة الدنيا، بأن أصبح همهم محصورا فيها، وفي لذائذها وشهواتها.قال الإمام الرازي: واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن اللذات الروحانية، وفراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية، وأما هذه الصفة الثانية فهي إشارة إلى من استغرقه الله في طلب اللذات الجسمانية واكتفائه بها، واستغراقه في طلبها».ووصفهم- ثالثا- بأنهم اطمأنوا بهذه الحياة، اطمئنان الشخص إلى الشيء الذي لا ملاذ له سواه، فإذا كان السعداء يطمئنون إلى ذكر الله، فإن هؤلاء الأشقياء ماتت قلوبهم عن كل خير، وصارت لا تطمئن إلا إلى زينة الحياة الدنيا.ووصفهم- رابعا- بالغفلة عن آيات الله التي توقظ القلب، وتهدى العقل، ونحفز النفس إلى التفكير والتدبير.وبالجملة فهذه الصفات الأربع تدل دلالة واضحة على أن هؤلاء الأشقياء قد آثروا دنياهم على أخراهم، واستحبوا الضلالة على الهدى، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.فماذا كان مصيرهم كما بينه- سبحانه- في قوله: أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.

الترجمة الإنجليزية

Olaika mawahumu alnnaru bima kanoo yaksiboona

أى: أولئك المتصفون بتلك الصفات الخسيسة، مقرهم وملجؤهم الذي يلجئون إليه النار وبئس القرار، بسبب ما اجترحوه من سيئات وما اقترفوه من منكرات.هذه هي صفات هؤلاء الأشقياء، وذلك هو جزاؤهم العادل، أما السعداء فقد بين الله- تعالى- بعد ذلك صفاتهم وثوابهم فقال- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ.

الترجمة الإنجليزية

Inna allatheena amanoo waAAamiloo alssalihati yahdeehim rabbuhum bieemanihim tajree min tahtihimu alanharu fee jannati alnnaAAeemi

أى: آمنوا بما يجب الإيمان به، وعملوا في دنياهم الأعمال الصالحة التي ترفع درجاتهم عند ربهم.يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ أى يرشدهم ربهم ويوصلهم بسبب إيمانهم وعملهم الصالح إلى غايتهم وهي الجنة.وإنما لم تذكر تعويلا على ظهورها وانسياق النفس إليها، بعد أن عرف أن مأوى الكافرين النار وبئس القرار..قال الإمام ابن كثير: يحتمل أن تكون الباء في قوله بِإِيمانِهِمْ للسببية، فيكون التقدير بسبب إيمانهم في الدنيا يهديهم الله يوم القيامة إلى الصراط المستقيم حتى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنة، ويحتمل أن تكون للاستعانة كما قال مجاهد: يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ:أى: يكون إيمانهم لهم نورا يمشون به وقال ابن جريج في الآية: يمثل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة إذا قام من قبره يعارض صاحبه ويبشره بكل خير فيقول له من أنت؟ فيقول أنا عملك، فيجعل له نوره من بين يديه حتى يدخله الجنة، فذلك قوله- تعالى- يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ. والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة. وريح منتنة فيلزم صاحبه حتى يقذفه في النار..».وقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ أى: تجرى من تحت منازلهم أو مقاعدهم الأنهار، وهم آمنون مطمئنون في الجنات، يتنعمون فيها بما لا عين رأت ولا أذن سمعت. ولا خطر على قلب بشر.

الترجمة الإنجليزية

DaAAwahum feeha subhanaka allahumma watahiyyatuhum feeha salamun waakhiru daAAwahum ani alhamdu lillahi rabbi alAAalameena

وقوله: دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ أى: دعاؤهم في هذه الجنات يكون بقولهم:سبحانك اللهم. فالدعوى هاهنا بمعنى الدعاء. يقال: دعا يدعو دعاء ودعوى. كما يقال:شكا يشكو شكاية وشكوى.ولفظ سبحان: اسم مصدر بمعنى التسبيح وهو منصوب بفعل مضمر لا يكاد يذكر معه.ولفظ اللهم أصله يا الله، فلما استعمل دون حرف النداء الذي هو «يا» جعلت هذه الميم المشددة في آخره عوضا عن حرف النداء.قال الإمام الرازي: «ومما يقوى أن المراد من الدعوى هنا الدعاء، أنهم قالوا: اللهم.وهذا نداء الله- تعالى- ومعنى قولهم: سبحانك اللهم. إنا نسبحك. كقول القانت في دعاء القنوت «اللهم إياك نعبد» .ثم قال: ويجوز أن يراد بالدعاء العبادة، ونظيره قوله- تعالى-: وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أى: وما تعبدون، فيكون معنى الآية: أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف، بل على سبيل الابتهاج بذكر الله- تعالى-».وقوله وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ معطوف على ما قبله. والتحية: التكرمة بالحال الجليلة، وأصلها أحياك الله حياة طيبة. والسلام: بمعنى السلامة من كل مكروه.أى: دعاؤهم في الجنة أن يقولوا سبحانك اللهم. وتحيتهم التي يحيون بها هي السلامة من كل مكروه.وهذه التحية تكون من الله- تعالى- لهم كما في قوله- سبحانه- تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ.وتكون من الملائكة كما في قوله- تعالى-: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ.وتكون منهم فيما بينهم كما يتبادر من قوله- تعالى- لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً...وقوله: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أى: وختام دعائهم يكون بقولهم:الحمد لله رب العالمين.قال الإمام القرطبي ما ملخصه: «ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن التهليل والتسبيح والحمد قد يسمى دعاء» .روى الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض، ورب العرش الكريم» . قال الطبري: كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء الكرب.والذي يقطع النزاع ويثبت أن هذا يسمى دعاء، وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء شيء، وإنما هو تعظيم لله- تعالى- وثناء عليه، ما رواه النسائي عن سعد بن أبى وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوة ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجيب له» .ويستحب للداعي أن يقول في آخر دعائه كما قال الله- تعالى- حكاية عن أهل الجنة:وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.ثم بين- سبحانه- بعض مظاهر لطفه ورحمته بالناس، وما جبلوا عليه من صفات وطبائع فقال- تعالى-:

الترجمة الإنجليزية

Walaw yuAAajjilu Allahu lilnnasi alshsharra istiAAjalahum bialkhayri laqudiya ilayhim ajaluhum fanatharu allatheena la yarjoona liqaana fee tughyanihim yaAAmahoona

قال صاحب المنار: «هاتان الآيتان في بيان شأن من شئون البشر وغرائزهم فيما يعرض لهم في حياتهم الدنيا من خير وشر، ونفع وضر، وشعورهم بالحاجة إلى الله- تعالى- واللجوء إلى دعائه لأنفسهم وعليها، واستعجالهم الأمور قبل أوانها وهو تعريض بالمشركين، وحجة على ما يأتون من شرك وما ينكرون من أمر البعث، متمم لما قبله، ولذلك عطف عليه .وقوله: يُعَجِّلُ من التعجيل بمعنى طلب الشيء قبل وقته المحدد له والاستعجال:طلب التعجيل بالشيء.والأجل: الوقت المحدد لانقضاء المدة. وأجل الإنسان هو الوقت المضروب لانتهاء عمره.والمراد بالناس هنا- عند عدد من المفسرين-: المشركون الذي وصفهم الله- تعالى- قبل ذلك بأنهم لا يرجون لقاءه ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها.ولقد حكى القرآن في كثير من آياته، أن المشركين قد استعجلوا الرسول صلى الله عليه وسلم في نزول العذاب، ومن ذلك قوله- تعالى- وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ، وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ، وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ، وقوله- تعالى-: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ .والمعنى: ولو يعجل الله- تعالى- لهؤلاء المشركين العقوبة التي طلبوها، تعجيلا مثل استعجالهم الحصول على الخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ أى: لأميتوا وأهلكوا جميعا، ولكن الله- تعالى- الرحيم بخلقه، الحكيم في أفعاله، لا يعجل لهم العقوبة التي طلبوها كما يعجل لهم طلب الخير لحكمة هو يعلمها فقد يكون من بين هؤلاء المتعجلين للعقوبة من يدخل في الإسلام، ويتبع الرسول صلى الله عليه وسلم.قال الإمام الرازي: «فقد بين- سبحانه- في هذه الآية: أنهم لا مصلحة لهم في تعجيل إيصال الشر إليهم، لأنه- تعالى- لو أوصل ذلك العقاب إليهم لماتوا وهلكوا، ولا صلاح في إماتتهم، فربما آمنوا بعد ذلك، وربما خرج من أصلابهم من كان مؤمنا، وذلك يقتضى أن لا يعاجلهم بإيصال ذلك الشر» .ومن العلماء من يرى أن المراد بالناس هنا ما يشمل المشركين وغيرهم، وأن الآية الكريمة تحكى لونا من ألوان لطف الله بعباده ورحمته بهم.ومن المفسرين الذين اقتصروا على هذا الاتجاه في تفسيرهم الإمام ابن كثير، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: يخبر- تعالى- عن حلمه ولطفه بعباده أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم، أو أموالهم أو أولادهم بالشر في حال ضجرهم وغضبهم، وأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك، فلهذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفا ورحمة، كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم أو لأولادهم بالخير والبركة والسخاء، ولهذا قال: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ.. أى لو استجاب لهم جميع ما دعوه به في ذلك لأهلكهم.ثم قال: ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك، كما جاء في الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده عن جابر قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم» .وقال مجاهد في تفسير هذه الآية: هو قول الإنسان لولده أو ماله إذا غضب عليه: اللهم لا تبارك فيه والعنه، فلو يعجل لهم الاستجابة في ذلك كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم .أما الإمام الآلوسى فقد حكى هذين الوجهين، ورجح الأول منهما فقال: «قوله: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ ... وهم الذين لا يرجون لقاء الله- تعالى- المذكورون في قوله:إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ... والمراد لو يعجل الله لهم الشر الذي كانوا يستعجلون به تكذيبا واستهزاء ... » ، وأخرج ابن جرير عن قتادة: أنه قال: «هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له، وفيه حمل الناس على العموم، والمختار الأول، ويؤيده ما قيل: من أن الآية نزلت في النضر بن الحارث حين قال: «اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم» «2» .والذي يبدو لنا أن كون لفظ الناس للجنس أولى، ويدخل فيه المشركون دخولا أوليا، لأنه لا توجد قرينة تمنع من إرادة ذلك، وحتى لو صح ما قيل من أن الآية نزلت في النضر بن الحارث، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.وقوله اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ منصوب على المصدرية، والأصل: ولو يعجل الله للناس الشر تعجيلا مثل استعجالهم بالخير، فحذف تعجيلا وصفته المضافة، وأقيم المضاف إليه مقامها.ثم بين- سبحانه- ما يشير إلى الحكمة في عدم تعجيل العقوبة فقال: فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.والطغيان: مجاوزة الحد في كل شيء، ومنه طغى الماء إذا ارتفع وتجاوز حده.ويعمهون: من العمه، يقال: عمه- كفرح ومنع- عمها، إذا تحير وتردد فهو عمه وعامه.أى: لا نعجل للناس ما طلبوه من عقوبات، وإنما نترك الذين لا يرجون لقاءنا إلى يوم القيامة، على سبيل الإمهال والاستدراج في الدنيا في طغيانهم يتحيرون ويترددون، بحيث تلتبس عليهم الأمور فلا يعرفون الخير من الشر.

الترجمة الإنجليزية

Waitha massa alinsana alddurru daAAana lijanbihi aw qaAAidan aw qaiman falamma kashafna AAanhu durrahu marra kaan lam yadAAuna ila durrin massahu kathalika zuyyina lilmusrifeena ma kanoo yaAAmaloona

ثم صور- سبحانه- طبيعة الإنسان في حالتي العسر واليسر فقال: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً، فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ ...والمس: اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإحساس والإصابة.والضر: ما يصيب الإنسان من سوء الحال في نفسه أو بدنه أو غيرهما مما يحبه ويشتهيه.والمعنى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ عن طريق المرض أو الفقر أو غيرهما دَعانا بإلحاح وتضرع لكي نكشفه عنه، فهو تارة يدعونا وهو مضطجع على جنبه، وتارة يدعونا وهو قاعد، وتارة يدعونا وهو قائم على قدميه.فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ وما أصابه من سوء مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ أى:مضى واستمر في غفلته الأولى حتى لكأنه لم تنزل به كروب، ولم يسبق له أن دعانا بإلحاح لكشفها.وخص- سبحانه- هذه الأحوال بالذكر، لعدم خلو الإنسان عنها في العادة.وقيل: يصح أن يراد بهذه الأحوال تعميم أصناف المضار، لأنها قد تكون خفيفة فيدعو الله وهو قائم، وقد تكون متوسطة فيدعوه وهو قاعد، وقد تكون ثقيلة فيدعوه وهو نائم.ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: «فإن قلت: فما فائدة ذكر هذه الأحوال؟قلت: معناه أن المضرور لا يزال داعيا لا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه الضر، فهو يدعونا في حالاته كلها، سواء أكان منبطحا عاجزا عن النهوض، أم كان قاعدا لا يقدر على القيام، أم كان قائما لا يطيق المشي.ويجوز أن يراد أن من المضرورين من هو أشد حالا وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخف، وهو القادر على القعود، ومنهم المستطيع للقيام، وكلهم لا يستغنون عن الدعاء واستدفاع البلاء، لأن الإنسان للجنس..» .وفي التعبير بالمس إشارة إلى أن ما أصابه من ضر حتى ولو كان يسيرا فإنه لا يترك الدعاء والابتهال إلى الله بأن يكشفه عنه.وقوله لِجَنْبِهِ في موضع الحال من فاعل دَعانا وأَوْ لتنويع الأحوال، أو لأصناف المضار.والتعبير بقوله- سبحانه- مَرَّ يمثل أدق تصوير لطبيعة الإنسان الذي يدعو الله عند البلاء، وينساه عند الرخاء، فهو في حالة البلاء يدعو الله في كل الأحوال، فإذا ما انكشف عنه البلاء مر واندفع في تيار الحياة. بدون كابح، ولا زاجر، ولا مبالاة، وبدون توقف ليتدبر أو ليعتبر ...ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أى: كما زين لهذا الإنسان الدعاء عند البلاء والإعراض عند الرخاء، زين لهؤلاء المسرفين المتجاوزين لحدود الله، ما كانوا يعملونه من إعراض عن ذكره، ومن غفلة عن حكمته وعن سننه في كونه.قال الآلوسى: «وفي الآية ذم لمن يترك الدعاء في الرخاء، ويهرع إليه في الشدة، واللائق بحال العاقل التضرع إلى مولاه في السراء والضراء، فإن ذلك أرجى للإجابة. ففي الحديث الشريف: «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» .وأخرج أبو الشيخ عن أبى الدرداء قال: ادع الله يوم سرائك يستجب لك يوم ضرائك.وفي حديث للترمذي عن أبى هريرة ورواه الحاكم عن سلمان وقال صحيح الإسناد «من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكروب، فليكثر من الدعاء عند الرخاء» .وقال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: «وقد ذم الله- تعالى- من هذه طريقته وصفته في الدعاء. أما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد فإنه مستثنى من ذلك، - لأنه يدعو الله في الشدة والرخاء-، وفي الحديث الشريف: «عجبا لأمر المؤمن لا يقضى الله له قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له، وإن أصابته سراء فشكر كان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» .وبعد أن بين- سبحانه- جانبا من شأنه مع الناس ومن شأنهم معه. أتبع ذلك ببيان مصير الأمم الظالمة ليكون في ذلك عبرة وعظة فقال- تعالى-:

الترجمة الإنجليزية

Walaqad ahlakna alquroona min qablikum lamma thalamoo wajaathum rusuluhum bialbayyinati wama kanoo liyuminoo kathalika najzee alqawma almujrimeena

والخطاب في قوله: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا.. لأهل مكة الذين كانوا معاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم ومناوئين لدعوته، ويدخل فيه غيرهم ممن يصلح للخطاب على سبيل التبع.والقرون جمع قرن. والقرن- كما يقول القرطبي- الأمة من الناس، قال الشاعر:إذا ذهب القرن الذي كنت فيهم ... وخلفت في قرن فأنت غريبفالقرن كل عالم في عصره، مأخوذ من الاقتران، أى: عالم مقترن بعضهم إلى بعض.وفي الحديث الشريف: «خير القرون قرني- يعنى أصحابى- ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» .فالقرن على هذا مدة من الزمان. قيل: ستون عاما، وقيل سبعون، وقيل ثمانون، وقيل: مائة سنة، وعليه أكثر أصحاب الحديث، أن القرن مائة سنة، واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بسر: «تعيش قرنا» فعاش مائة سنة .ولَمَّا ظرف بمعنى حين، وهو متعلق بقوله أَهْلَكْنَا.والمعنى: ولقد أهلكنا أهل القرون السابقة عليكم يا أهل مكة. حين استمروا في ظلمهم وعنادهم، وحين أصروا على كفرهم بعد أن جاءتهم رسلهم بالدلائل الدالة على وحدانية الله، وعلى صدقهم فيها يبلغونه عن ربهم، فعليكم- أيها الغافلون- أن تثوبوا إلى رشدكم، وأن تتبعوا الحق الذي جاءكم به نبيكم كي لا يصيبكم ما أصاب الظالمين من قبلكم.وقوله: وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يدل على إفراط أولئك المهلكين في الظلم، وبلوغهم فيه أقصى الغايات، لأنهم مع وضوح الشواهد على صدق الرسل، استمروا في جحودهم وظلمهم.وقوله: وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا معطوف على ظَلَمُوا. أى: أهلكنا أهل القرون السابقين عليكم حين استمروا على ظلمهم، وحين علم الله- تعالى- منهم الإصرار على الكفر، فإهلاكهم كان بسبب مجموع هذين الأمرين.وقوله: كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ تذييل قصد به التهديد والوعيد.أى: مثل ذلك الجزاء الأليم وهو إهلاك الظالمين، نجزى القوم المجرمين في كل زمان ومكان.

الترجمة الإنجليزية

Thumma jaAAalnakum khalaifa fee alardi min baAAdihim linanthura kayfa taAAmaloona

وقوله- سبحانه-: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ معطوف على قوله أَهْلَكْنَا.والخلائف جمع خليفة. وهو كل من يخلف غيره ويأتى من بعده.أى: ثم جعلناكم أيها المكلفون باتباع النبي صلى الله عليه وسلم خلفاء في الأرض من بعد أولئك الأقوام المهلكين لنرى ونشاهد ونعلم أى عمل تعملون في خلافتكم فنجازيكم على ذلك بالجزاء المناسب الذي تقتضيه حكمتنا وإرادتنا، وكَيْفَ مفعول مطلق ل تَعْمَلُونَ لا لِنَنْظُرَ لأن الاستفهام له الصدارة، فلا يعمل فيه ما قبله.قال الآلوسى: واستعمال النظر بمعنى العلم مجاز، حيث شبه بنظر الناظر. وعيان المعاين في تحققه. والمراد نعاملكم معاملة من يطلب العلم بأعمالكم ليجازيكم بحسبها، كقوله- تعالى- لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا .قال قتادة: صدق الله ربنا، ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا، فأروا الله من أعمالكم خيرا، بالليل والنهار.ثم حكى- سبحانه- بعض المقترحات الفاسدة التي اقترحها المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم ورد عليها بما يبطلها فقال- تعالى-:
209