سورة الحجر (15): مكتوبة كاملة مع التفسير التحميل

تحتوي هذه الصفحة على جميع آيات سورة الحجر بالإضافة إلى تفسير جميع الآيات من قبل تنوير المقباس من تفسير ابن عباس (عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي). في الجزء الأول يمكنك قراءة سورة الحجر مرتبة في صفحات تماما كما هو موجود في القرآن. لقراءة تفسير لآية ما انقر على رقمها.

معلومات عن سورة الحجر

سُورَةُ الحِجۡرِ
الصفحة 262 (آيات من 1 إلى 15)

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ وَقُرْءَانٍ مُّبِينٍ رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ كَانُوا۟ مُسْلِمِينَ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا۟ وَيَتَمَتَّعُوا۟ وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ وَقَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَمَا كَانُوٓا۟ إِذًا مُّنظَرِينَ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ ٱلْأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُۥ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّوا۟ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ
262

الاستماع إلى سورة الحجر

تفسير سورة الحجر (تنوير المقباس من تفسير ابن عباس: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي)

الترجمة الإنجليزية

Aliflamra tilka ayatu alkitabi waquranin mubeenin

تقدم الكلام على نظير فاتحة هذه السورة في أول سورة يونس .وتقدم في أول سورة البقرة ما في مثل هذه الفواتح من إعلان التحديد بإعجاز القرآن .الإشارة إلى ما هو معروف قبل هذه السورة من مقدار ما نزل بالقرآن ، أي الآيات المعروفة عندكم المتميزة لديكم تميزاً كتميز الشيء الذي تمكن الإشارة إليه هي آيات الكتاب . وهذه الإشارة لتنزيل آيات القرآن منزلة الحاضر المشاهد .و { الكتاب } علم بالغلبة على القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للهدى والإرشاد إلى الشريعة . وسمي كتاباً لأنهم مأمورون بكتابة ما ينزل منه لحفظه ومُراجعته؛ فقد سمي القرآن كتاباً قبل أن يُكتب ويجمع لأنه بحيث يكون كتاباً .ووقعت هذه الآية في مفتتح تهديد المكذبين بالقرآن لقصد الإعذار إليهم باستدعائهم للنظر في دلائل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وحقية دينه .ولمّا كان أصل التعريف باللام في الاسم المجعول علماً بالغلبة جائياً من التوسل بحرف التعريف إلى الدلالة على معنى كماللِ الجنس في المعرف به لم ينقطع عن العلَم بالغلَبة أنه فائق في جنسه بمعونة المقام ، فاقتضى أن تلك الآيات هي آيات كتاب بالغ منتهى كمال جنسه ، أي من كتب الشرائع .وعطف { وقرآن } على { الكتاب } لأن اسم القرآن جعل علماً على ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز والتشريع ، فهو الاسم العلَم لكتاب الإسلام مثل اسم التوراة والإنجيل والزبور للكتب المشتهرة بتلك الأسماء .فاسم القرآن أرسخ في التعريف به من الكتاب لأن العلَم الأصلي أدخل في تعريف المسمى من العلَم بالغلبة ، فسواء نكّر لفظ القرآن أو عرف باللام فهو علم على كتاب الإسلام . فإن نكّر فتنكيره على أصل الأعلام ، وإن عُرّف فتعريفه لِلَمْح الأصل قبل العلمية كتعريف الأعلام المنقولة من أسماء الفاعلين لأن «القرآن» منقول من المصدر الدال على القراءة ، أي المقروء الذي إذا قرىء فهو منتهى القراءة .وفي التسمية بالمصدر من معنى قوة الاتصاف بمادة المصدر ما هو معلوم .وللإشارة إلى ما في كل من العلمين من معنى ليس في العلم الآخر حسن الجمع بينهما بطريق العطف ، وهو من عطف ما يعبر عنه بعطف التفسير لأن «قرآن» بمنزلة عطف البيان من «كتاب» وهو شبيه بعطف الصفة على الموصوف ومَا هو منه ، ولكنه أشبهه لأن المعطوف متبوع بوصف وهو { مبين }. وهذا كله اعتبار بالمعنى .وابتُدىء بالمعرّف باللام لما في التعريف من إيذان بالشهرة والوضوح وما فيه من الدلالة على معنى الكمال ، ولأن المعرّف هو أصل الإخبار والأوصاف . ثم جيء بالمنكر لأنه أريد وصفه بالمبين ، والمنكّر أنسب بإجراء الأوصاف عليه ، ولأن التنكير يدل على التفخيم والتعظيم ، فوزعت الدلالتان على نكتة التعريف ونكتة التنكير .فأما تقديم الكتاب على القرآن في الذكر فلأن سياق الكلام توبيخ الكافرين وتهديدهم بأنهم سيجيء وقت يتمنون فيه أن لو كانوا مؤمنين . فلما كان الكلام موجهاً إلى المنكرين ناسب أن يستحضر المنزّل على محمد صلى الله عليه وسلم بعنوانه الأعم وهو كونه كتاباً ، لأنهم حين جادلوا ما جالوا إلا في كتاب فقالوا : { لَوْ أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم } [ الأنعام : 157 ] ولأنهم يعرفون ما عند الأمم الآخرين بعنوان كتاب ، ويعرفونهم بعنوان أهل الكتاب .فأما عنوان القرآن فهو مناسب لكون الكتاب مقروءاً مدروساً وإنما يقرأه ويدرسه المؤمنون به . ولذلك قدم عنوان القرآن في سورة النمل كما سيأتي .والمبين : اسم فاعل من أبان القاصر الذي هو بمعنى بَان مبالغة في ظهوره ، أي ظهور قُرآنيته العظيمة ، أي ظهور إعجازه الذي تحققه المعاندون وغيرهم .وإنما لم نجعل المبين بمعنى أبان المتعدي لأن كونه بيّنا في نفسه أشد في توبيخ منكريه من وصفه بأنه مظهر لما اشتمل عليه . وسيجيء قريب من هذه الآية في أول سورة النمل .

الترجمة الإنجليزية

Rubama yawaddu allatheena kafaroo law kanoo muslimeena

استئناف ابتدائي وهو مفتتح الغرض وما قبله كالتنبيه والإنذار .و { ربما } مركبة من ( رب ). وهو حرف يدل على تنكير مدخوله ويجر ويختص بالأسماء . وهو بتخفيف الباء وتشديدها في جميع الأحوال . وفيها عدة لغات .وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر بتخفيف الباء . وقرأ الباقون بتشديدها .واقترنت بها ( ما ) الكافة ل ( ربّ ) عن العمل . ودخول ( ما ) بعد ( رب ) يكُف عملها غالباً . وبذلك يصح دخولها على الأفعال . فإذا دخلت على الفعل فالغالب أن يراد بها التقليل .والأكثر أن يكون فعلاً ماضياً ، وقد يكون مضارعاً للدلالة على الاستقبال كما هنا . ولا حاجة إلى تأويله بالماضي في التحقق .ومن النحويين من أوجب دخولها على الماضي ، وتأول نحو الآية بأنه منزّل منزلة الماضي لتحققه . ومعنى الاستقبال هنا واضح لأن الكفار لم يَودّوا أن يكونوا مسلمين قبل ظهور قوة الإسلام من وقت الهجرة .والكلام خبر مستعمل في التهديد والتهويل في عدم اتباعهم دين الإسلام . والمعنى : قد يود الذين كفروا لو كانوا أسلموا .والتقليل هنا مستعمل في التهكم والتخويف ، أي احذروا وَدادتكم أن تكونوا مسلمين ، فلعلها أن تقع نادراً كما يقول العرب في التوبيخ : لعلك ستندم على فعلك ، وهم لا يشكون في تندمه ، وإنما يريدون أنه لو كان الندم مشكوكاً فيه لكان حقاً عليك أن تفعل ما قد تندم على التفريط فيه لكي لا تندم ، لأن العاقل يتحرز من الضُر المظنون كما يتحرز من المتيقن .والمعنى أنهم قد يودّون أن يكونوا أسلموا ولكن بعد الفوات .والإتيان بفعل الكون الماضي للدلالة على أنهم يودون الإسلام بعد مضي وقت التمكن من إيقاعه ، وذلك عندما يقتلون بأيدي المسلمين ، وعند حضور يوم الجزاء ، وقد ودّ المشركون ذلك غير مرة في الحياة الدنيا حين شاهدوا نصر المسلمين .وعن ابن مسعود : ودّ كفارُ قريش ذلك يوم بدر حين رأوا نصر المسلمين . ويتمنّون ذلك في الآخرة حين يساقون إلى النار لكفرهم ، قال تعالى : { ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتّخذت مع الرسول سبيلا } [ سورة الفرقان : 27 ]. وكذلك إذا أخرج عصاة المسلمين من النار ودّ الذين كفروا في النار لو كانوا مسلمين ، على أنهم قد ودُّوا ذلك غير مرة وكتموه في نفوسهم عناداً وكفراً . قال تعالى : { ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نردّ ولا نكذّب بآيات ربّنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } [ سورة الأنعام : 27 ، 28 ] ، أي فلا يصرحون به .ولو } في { لو كانوا مسلمين } مستعملة في التمني لأن أصلها الشرطية إذ هي حرف امتناع لامتناع ، فهي مناسبة لمعنى التمني الذي هو طلب الأمر الممتنع الحصول ، فإذا وقعت بعد ما يدل على التمني استعملت في ذلك كأنها على تقدير قول محذوف يقوله المتمني ، ولما حذف فعل القول عدل في حكاية المقول إلى حكايته بالمعنى . فأصل { لو كانوا مسلمين } لو كُنّا مسلمين .والتزم حذف جواب { لو } اكتفاء بدلالة المقام عليه ثم شاع حذف القول ، فأفادت { لو } معنى المصدرية فصار المعنى : يودّ الذين كفروا كونهم مسلمين ، ولذلك عَدُّوها من حروف المصدرية وإنما المصدر معنى عارض في الكلام وليس مدلولها بالوضع .

الترجمة الإنجليزية

Tharhum yakuloo wayatamattaAAoo wayulhihimu alamalu fasawfa yaAAlamoona

لما دلّت ( رُبّ ) على التقليل اقتضت أن استمرارهم على غلوائهم هو أكثر حالهم ، وهو الإعراض عما يدعوهم إليه الإسلام من الكمال النفسي ، فبإعراضهم عنه رضوا لأنفسهم بحياة الأنعام ، وهي الاقتصار على اللذات الجسدية ، فخوطب الرسول صلى الله عليه وسلم بما يُعرّض لهم بذلك من أن حياتهم حياة أكل وشرب . وذلك مما يتعيّرون به في مجاري أقوالهم كما في قول الحطيئة :دَع المكارم لا تنهض لبُغيتها ... واقعُدْ فإنك أنتَ الطاعم الكاسيوهم منغمسون فيما يتعيّرون به في أعمالهم قال تعالى : { والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم } [ سورة محمد : 12 ].و { ذر } أمر لم يسمع له ماض في كلامهم . وهو بمعنى الترك . وتقدم في قوله : { وذر الذين اتّخذوا دينهم لعباً ولهواً } في سورة الأنعام ( 70 ).والأمر بتركهم مستعمل في لازمه وهو قلة جدوى الحرص على إصلاحهم . وليس مستعملاً في الإذن بمتاركتهم لأن النبي مأمور بالدوام على دعائهم . قال تعالى : وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً إلى قوله : { وذكّر به أن تبسل نفس بما كسبت } [ سورة الأنعام : 70 ]. فما أمره بتركهم إلا وقد أعقبه بأمره بالتذكير بالقرآن؛ فعلم أن الترك مستعمل في عدم الرجاء في صلاحهم . وهذا كقول كبشة أُخت عمرو بن معد يكرب في قتل أخيها عبد الله تستنهض أخاها عمراً للأخذ بثأره :وَدَعْ عنك عمرا إن عَمْرا مُسالِم ... وهل بَطن عَمرو غيرُ شِبر لمَطْعَموقد يستعمل هذا الفعل وما يراد به كناية عن عدم الاحتياج إلى الإعانة أو عن عدم قبول الوساطة كقوله تعالى : { ذرني ومن خلقت وحيدا } [ سورة المدثر : 11 ] ، وقوله : { وذرني والمكذبين } [ سورة المزمل : 11 ].وقد يستعمل في الترك المجازي بتنزيل المخاطب منزلة المتلبّس بالضدّ كقول أبي تمام :دعوني أنُحْ من قبل نوح الحمائم ... ولا تجعلوني عُرضة للوَائِمإذ مثل هذا يقال عند اليأس والقنوط عن صلاح المرء .وقد حذف متعلق الترك لأن الفعل نزل منزلة ما لا يحتاج إلى متعلق ، إذ المعني به ترك الاشتغال بهم والبعد عنهم ، فلذلك عدّي فعل الترك إلى ذواتهم ليدل على اليأس منهم .ويأكلوا } مجزوم بلام الأمر محذوفة كما تقدم بيانه عند قوله تعالى : { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة } في سورة إبراهيم ( 31 ). وهو أمر للتوبيخ والتوعد والإنذار بقرينة قوله : { فسوف يعلمون }. وهو كقوله : { كلوا وتمتعوا قليلاً إنكم مجرمون } سورة المرسلات ( 46 ).ولا يحسن جعله مجزوماً في جواب ذرهم } لأنهم يأكلون ويتمتعون سواء ترك الرسول صلى الله عليه وسلم دعوتهم أم دعاهم .والتمتع : الانتفاع بالمتاع . وقد تقدم غير مرة ، منها قوله : { ومتاع إلى حين } في سورة الأعراف ( 24 ).وإلهاء الأمل إياهم : هو إنساؤه إياهم ما حقهم أن يتذكروه؛ بأن يصرفهم تطلب ما لا ينالون عن التفكير في البعث والحياة الآخرة .و { الأمَلُ } : مصدر . وهو ظن حصول أمر مرغوب في حصوله مع استبعاد حصوله . فهو واسطة بين الرجاء والطمع . ألا ترى إلى قول كعب :أرجو وآمُل أن تدنو مودتها ... وما إخال لدينا منك تنويلوتفرع على التعريض التصريح بالوعيد بقوله : { فسوف يعلمون } بأنه مما يستعمل في الوعيد كثيراً حتى صار كالحقيقة . وفيه إشارة إلى أن لإمهالهم أجلاً معلوماً كقوله : { وسوف يعلمون حين يرون العذاب } [ سورة الفرقان : 42 ].

الترجمة الإنجليزية

Wama ahlakna min qaryatin illa walaha kitabun maAAloomun

اعتراض تذييلي لأن في هذه الجملة حكماً يشملهم وهو حكم إمهال الأمم التي حق عليها الهلاك ، أي ما أهلكنا أمّة إلا وقد متّعناها زمناً وكان لهلاكها أجل ووقت محدود ، فهي ممتعة قبل حلوله ، وهي مأخوذة عند إبانه .وهذا تعريض لتهديد ووعيد مؤيدٌ بتنظيرهم بالمكذبين السالفين .وإنما ذكر حال القرى التي أهلكت من قبلُ لتذكير هؤلاء بسنّة الله في إمهال الظالمين لئلا يغرّهم ما هم فيه من التمتع فيحسبوا أنهم أفلتوا من الوعيد . وهذا تهديد لا يقتضي أن المشركين قدر الله أجلاً لهلاكهم ، فإن الله لم يستأصلهم ولكن هدى كثيراً منهم إلى الإسلام بالسيف وأهلك سادتهم يوم بدر .والقَرْية : المدينة . وتقدمت عند قوله تعالى : { أو كالذي مرّ على قرية } في سورة البقرة ( 259 ).والكتاب : القَدَر المحدود عند الله . شبّه بالكتاب في أنه لا يقبل الزيادة والنقص . وهو معلوم عند الله ، لا يضلّ ربي ولا ينسى .وجملة ولها كتاب معلوم } في موضع الحال ، وكفاك علماً على ذلك اقترانها بالواو فهي استثناء من عموم أحوال ، وصاحب الحال هو { قرية } وهو وإن كان نكرة فإن وقوعها في سياق النفي سوّغ مجيء الحال منه كما سوّغ العموم صحة الإخبار عن النكرة .

الترجمة الإنجليزية

Ma tasbiqu min ommatin ajalaha wama yastakhiroona

وجملة { ما تسبق من أمةٍ أجلها } بيان لجملة { ولها كتاب معلوم } لبيان فائدة التحديد : أنه عدم المجاوزة بدءاً ونهاية .ومعنى ( تسبق أجلها ) تفوته ، أي تُعْدم قبل حلوله ، شبّه ذلك بالسبق .و { يستأخرون } : يتأخرون . فالسين والتاء للتأكيد .وأنّث مفرداً ضمير الأمّة مرة مراعاة للفظ ، وجُمع مذكراً مراعاة للمعنى . وحذف متعلق { يستأخرون } للعلم به ، أي وما يستأخرون عنه .

الترجمة الإنجليزية

Waqaloo ya ayyuha allathee nuzzila AAalayhi alththikru innaka lamajnoonun

عطف على جملة { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا } [ سورة الحجر : 3 ]. والمناسبة أن المعطوف عليها تضمنّت انهماكهم في الملذّات والآمال ، وهذه تضمّنت توغّلهم في الكفر وتكذيبهم الرسالة المحمّدية .والمعنى : ذرهم يكذبون ويقولون شتى القول من التكذيب والاستهزاء .والجملة كلها من مقولهم .والنداء في { يأيها الذي نزل عليه الذكر } للتشهير بالوصف المنادى به ، واختيار الموصولية لما في الصلة من المعنى الذي جعلوه سبب التهكّم . وقرينة التهكّم قولهم : { إنك لمجنون }. وقد أرادوا الاستهزاء بوصفه فأنطقهم الله بالحق فيه صَرفاً لألسنتهم عن الشتم . وهذا كما كانوا إذا شتموا النبي صلى الله عليه وسلم أو هجوه يدعونه مذمماً؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة : « ألَمْ تَرَيْ كيف صرف الله عني أذى المُشركين وسبّهم ، يسبون مُذمماً وأنا محمد » . وفي هذا إسناد الصلة إلى الموصول بحسب ما يدعيه صاحب اسم الموصول ، لا بحسب اعتقاد المتكلم على طريقة التهكّم .و { الذكر } : مصدر ذكر ، إذا تلفظ . ومصدر ذكر إذا خطر بباله شيء . فالذكر الكلام الموحَى به ليتلَى ويكرر ، فهو للتلاوة لأنه يُذكر ويعاد؛ إما لأن فيه التذكير بالله واليوم الآخر ، وإما بمعنى أن به ذكرهم في الآخرين ، وقد شملها قوله تعالى : { لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم } [ سورة الأنبياء : 10 ] وقال : { وإنه لذكر لك ولقومك } [ سورة الزخرف : 44 ] والمراد به هنا القرآن .فتسمية القرآن ذكرا تسمية جامعة عجيبة لم يكن للعرب علم بها من قبل أن تَرد في القرآن .وكذلك تسميته قُرآناً لأنه قصد من إنزاله أن يقرأ ، فصار الذكر والقرآن صنفين من أصناف الكلام الذي يلقى للناس لقصد وعيه وتلاوته ، كما كان من أنواع الكلام الشعر والخطبة والقصة والأسطورة .ويدلك لهذا قوله تعالى : { وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرءان مبين } [ سورة يس : 69 ] ، فنفى أن يكون الكتاب المنزل على محمد شعراً ، ووصفه بأنه ذكر وقرآن ، ولا يخفى أن وصفه بذلك يقتضي مغايرة بين الموصوف والصفة ، وهي مغايرة باعتبار ما في الصفتين من المعنى الذي أشرنا إليه . فالمراد : أنه من صنف الذكر ومن صنف القرآن ، لا من صنف الشعر ولا من صنف الأساطير .ثم صار القرآن بالتعريف باللام عَلَماً بالغلبة على الكتاب المنزّل على محمد كما علمت آنفاً .وإنما وصفوه بالجنون لتوهّمهم أن ادعاء نزول الوحي عليه لا يصدر من عاقل ، لأن ذلك عندهم مخالف للواقع توهّماً منهم بأن ما لا تقبله عقولهم التي عليها غشاوة ليس من شأنه أن يقبله العقلاء ، فالداعي به غير عاقل .والمجنون : الذي جُنّ ، أي أصابه فساد في العقل من أثر مسّ الجنّ إياه في اعتقادهم ، فالمجنون اسم مفعول مشتق من الفعل المبني للمجهول وهو من الأفعال التي لم ترد إلا مسندة للمجهول .وتأكيد الجملة ب ( إن ) واللام لقصدهم تحقيق ذلك له لعلّه يرتدع عن الاستمرار فيه أو لقصدهم تحقيقه للسامعين حاضري مجالسهم .

الترجمة الإنجليزية

Law ma tateena bialmalaikati in kunta mina alssadiqeena

وجملة { لو ما تأتينا بالملائكة } استدلال على ما اقتضته الجملة قبلها باعتبار أن المقصود منها تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام لأن ما يصدر من المجنون من الكلام لا يكون جارياً على مطابقة الواقع فأكثره كذب .و { لو ما } حرف تحضيض بمنزلة لولا التحضيضية . ويلزم دخولها الجملة الفعلية .والمراد بالإتيان بالملائكة حضورهم عندهم ليخبرهم بصدقه في الرسالة . وهذا كما حكى الله في الآية الأخرى بقوله تعالى : { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } [ سورة الإسراء : 92 ].و { من الصادقين } أي من الناس الذين صفتهم الصدق ، وهو أقوى من ( إن كنت صادقاً ) ، كما تقدم في قوله تعالى : { وكونوا مع الصادقين } في سورة براءة ( 219 ) ، وفي قوله : { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلي } في سورة البقرة ( 67 ).

الترجمة الإنجليزية

Ma nunazzilu almalaikata illa bialhaqqi wama kanoo ithan munthareena

مستأنفة ابتدائية جواباً لكلامهم وشبهاتهم ومقترحاتهم .وابتدىء في الجواب بإزالة شبهتهم إذ قالوا : { لو ما تأتينا بالملائكة } [ سورة الحجر : 7 ]. أريد منه إزالة جهالتهم إذ سألوا نزول الملائكة علامة على التصديق لأنهم وإن طلبوا ذلك بقصد التهكم فهم مع ذلك معتقدون أن نزول الملائكة هو آية صدق الرسول ، فكان جوابهم مشوباً بطرف من الأسلوب الحكيم ، وهو صرفهم إلى تعليمهم الميز بين آيات الرسل وبين آيات العذاب ، فأراد الله أن لا يدخرهم هدياً وإلا فهم أحرياء بأن لا يجابوا .والنزول : التدلي من علو إلى سفل . والمراد به هنا انتقال الملائكة من العالم العلوي إلى العالم الأرضي نزولاً مخصوصاً . وهو نزولهم لتنفيذ أمر الله بعذاب يرسله على الكافرين ، كما أنزلوا إلى مدائن لوط عليه السلام . وليس مثل نزول جبريل عليه السلام أو غيره من الملائكة إلى الرسل عليهم السلام بالشرائع أو بالوحي . قال تعالى في ذكر زكرياء عليه السلام { فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشّرك بيحيى } [ سورة آل عمران : 39 ].والمراد ب الحق هنا الشيء الحاقّ ، أي المقضي ، مثل إطلاق القضاء بمعنى المقضيّ . وهو هنا صفة لمحذوف يعلم من المقام ، أي العذاب الحاقّ . قال تعالى : { وكثير حقّ عليه العذاب } [ سورة الحج : 18 ] وبقرينة قوله : وما كانوا إذا منظرين } ، أي لا تنزل الملائكة للناس غير الرسل والأنبياء . عليهم الصلاة والسلام إلا مصاحبين للعذاب الحاقّ على الناس كما تنزلت الملائكة على قوم لوط وهو عذاب الاستئصال . ولو تنزلت الملائكة لعجل للمنزل عليهم ولما أمهلوا .ويفهم من هذا أن الله منظرهم ، لأنه لم يُرد استئصالهم ، لأنه أراد أن يكون نشر الدين بواسطتهم فأمهلهم حتى اهتدوا ، ولكنه أهلك كبراءهم ومدبريهم .ونظير هذا قوله تعالى في سورة الأنعام ( 8 ) : { وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون } وقد نزلت الملائكة عليهم يوم بدر يقطعون رؤوس المشركين .والإنظار : التأخير والتأجيل .وإذاً } حرف جواب وجزاء . وقد وسطت هنا بين جزأي جوابها رعياً لمناسبة عطف جوابها على قول : { ما تنزل الملائكة }. وكان شأن ( إذن ) أن تكون في صدر جوابها . وجملتها هي الجواب المقصود لقولهم : { لو ما تأتينا بالملائكة } [ سورة الحجر : 7 ]. وجملة ما تنزل الملائكة إلا بالحق مقدمة من تأخير لأنها تعليل للجواب ، فقدم لأنه أوقع في الرد ، ولأنه أسعد بإيجاز الجواب .وتقدير الكلام لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين إذن ما كنتم مُنظرين بالحياة ولعجل لكم الاستئصال إذ ما تنزل الملائكة إلا مصحوبين بالعذاب الحاقّ . وهذا المعنى وارد في قوله تعالى : { ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب } [ سورة العنكبوت : 53 ].وقرأ الجمهور { ما تنزل } بفتح التاء على أن أصله ( تتنزَّل ).وقرأ أبو بكر عن عاصم بضم التاء وفتح الزاي على البناء للمجهول ورفع الملائكة على النيابة .وقرأ الكسائي ، وحفص عن عاصم ، وخلف { ما ننزل الملائكة } بنون في أوله وكسر الزاي ونصب الملائكة على المفعولية .

الترجمة الإنجليزية

Inna nahnu nazzalna alththikra wainna lahu lahafithoona

استئناف ابتدائي لإبطال جزء من كلامهم المستهزئين به ، إذ قالوا : { يأيها الذي نزل عليه الذكر } [ سورة الحجر : 6 ] ، بعد أن عجل كشف شبهتهم في قولهم : { لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين } [ سورة الحجر : 7 ].جاء نشر الجوابين على عكس لفّ المقالين اهتماماً بالابتداء بردّ المقال الثاني بما فيه من الشبهة بالتعجيز والإفحام ، ثم ثُني العنان إلى ردّ تعريضهم بالاستهزاء وسؤال رؤية الملائكة .وكان هذا الجواب من نوع القول بالموجب بتقرير إنزال الذكر على الرسول مجاراة لظاهر كلامهم . والمقصود الردّ عليهم في استهزائهم ، فأكد الخبر { بإنا } وضمير الفصل مع موافقته لما في الواقع كقوله : { قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } [ سورة المنافقون : 1 ].ثم زاد ذلك ارتقاء ونكاية لهم بأن منزل الذكر هو حافظه من كيد الأعداء؛ فجملة { وإنا له لحافظون } معترضة ، والواو اعتراضية .والضمير المجرور باللام عائد إلى { الذكر } ، واللام لتقوية عمل العامل لضعفه بالتأخير عن معموله .وشمل حفظه الحفظ من التلاشي ، والحفظ من الزيادة والنقصان فيه ، بأن يسّر تواتره وأسباب ذلك ، وسلّمه من التبديل والتغيير حتى حفظته الأمّة عن ظهور قلوبها من حياة النبي صلى الله عليه وسلم فاستقرّ بين الأمّة بمسمع من النبي صلى الله عليه وسلم وصار حفّاظه بالغين عدد التواتر في كل مصر .وقد حكى عياض في «المدارك» : أن القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد المالكي البصري سئل عن السرّ في تطرق التغيير للكتب السالفة وسلامة القرآن من طرق التغيير له . فأجاب بأن الله أوكل للأحبار حفظ كتبهم فقال : { بما استحفظوا من كتاب الله } [ سورة المائدة : 44 ] وتولى حفظ القرآن بذاته تعالى فقال : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }.قال أبو الحسن بن المُنْتَاب ذكرت هذا الكلام للمَحَامِلي فقال لي : لا أحسنَ من هذا الكلام .وفي تفسير «القرطبي» في خبر رواه عن يحيى بن أكثم : أنه ذكر قصة إسلام رجل يهودي في زمن المأمون ، وحدث بها سفيان بن عيينة فقال سفيان : قال الله في التوراة والإنجيل { بما استحفظوا من كتاب الله } فجعل حفظه إليهم فضاع . وقال عز وجل : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } فحفظه الله تعالى علينا فلم يضع» ا ه . ولعل هذا من توارد الخواطر .وفي هذا مع التنويه بشأن القرآن إغاظة للمشركين بأن أمر هذا الدين سيتم وينتشر القرآن ويبقى على ممرّ الأزمان . وهذا من التحدّي ليكون هذا الكلام كالدليل على أن القرآن منزّل من عند الله آية على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لو كان من قول البشر أو لم يكن آية لتطرّقت إليه الزيادة والنقصان ولاشتمل على الاختلاف ، قال تعالى : { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } [ سورة النساء : 82 ].

الترجمة الإنجليزية

Walaqad arsalna min qablika fee shiyaAAi alawwaleena

عطف على جملة { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } [ الحجر : 9 ] باعتبار أن تلك جواب عن استهزائهم في قولهم : { يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } [ الحجر : 6 ] فإن جملة { إنا نحن نزلنا الذكر } قَول بموجَب قولهم : { يا أيها الذي نزل عليه الذكر }. وجملة { ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين } إبطال لاستهزائهم على طريقة التمثيل بنظرائهم من الأمم السالفة .وفي هذا التنظير تحقيق لكفرهم لأن كفر أولئك السالفين مقرّر عند الأمم ومتحدِّث به بينهم .وفيه أيضاً تعريض بوعيد أمثالهم وإدماج بالكناية عن تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام .والتأكيد بلام القسم و ( قَد ) لتحقيق سبق الإرسال من الله ، مثل الإرسال الذي جحدوه واستعجبوه كقوله : { أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم } [ سورة يونس : 2 ]. وذلك مقتضى موقع قوله : { من قبلك }.والشِيَع جمع شيعة وهي الفرقة التي أمرها واحد ، وتقدم ذلك عند قوله تعالى : { أو يلبسكم شيعا } في سورة الأنعام ( 65 ). ويأتي في قوله تعالى : { ثم لننزعن من كل شيعة } في سورة مريم ( 69 ) ، أي في أمم الأولين ، أي القرون الأولى فإن من الأمم من أرسل إليهم ومن الأمم من لم يرسل إليهم . فهذا وجه إضافة شيع } إلى { الأولين }.

الترجمة الإنجليزية

Wama yateehim min rasoolin illa kanoo bihi yastahzioona

و { كانوا به يستهزءون } يدلّ على تكرر ذلك منهم وأنه سنتهم ، ف ( كان ) دلّت على أنه سجية لهم ، والمضارع دل على تكرره منهم .ومفعول { أرسلنا } محذوف دلت عليه صيغة الفعل ، أي رُسلاً ، ودلّ عليه قوله : { من رسول }.وتقديم المجرور على { يستهزءون } يفيد القصر للمبالغة ، لأنهم لما كانوا يكثرون الاستهزاء برسولهم وصار ذلك سجية لهم نزلوا منزلة من ليس له عمل إلا الاستهزاء بالرسول .

الترجمة الإنجليزية

Kathalika naslukuhu fee quloobi almujrimeena

استئناف بياني ناشىء عن سؤال يخطر ببال السامع لقوله { وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون } [ سورة الحجر : 11 ] فيتساءل كيف تواردت هذه الأمم على طريق واحد من الضلال فلم تفدهم دعوة الرسل عليهم السلام كما قال تعالى : { أتواصوا به بل هم قوم طاغون } [ سورة الذاريات : 53 ].والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن جملة { وإنا له لحافظون } [ سورة الحجر : 9 ] ؛ إذ قد يخطر بالبال أن حفظ الذكر يقتضي أن لا يكفر به من كفر . فأجيب بأن ذلك عقاب من الله لهم لإجرامهم وتلقّيهم الحق بالسخرية وعدم التدبر ، ولأجل هذا اختير لهم وصف المجرمين دون الكافرين لأن وصف الكفر صار لهم كاللقب لا يشعر بمعنى التعليل . ونظيره قوله في الآية الأخرى { وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم } [ سورة التوبة : 125 ].والتعبير بصيغة المضارع في { نسلكه } للدلالة على أن المقصود إسلاك في زمن الحال ، أي زمن نزول القرآن ، ليعلم أن المقصود بيان تلقي المشركين للقرآن ، فلا يتوهم أن المراد بالمجرمين شيع الأولين مع ما يفيده المضارع من الدلالة على التجديد المناسب لقوله : { وقد خلت سنة الأولين } ، أي تجدد لهؤلاء إبلاغ القرآن على سنة إبلاغ الرسالات لمن قبلهم .وفيه تعريض بأن ذلك إعذار لهم ليحل بهم العذاب كما حل بمن قبلهم .والمشار إليه بقوله : { كذلك } هو السلك المأخوذ من { نسلكه } على طريقة أمثالها المقررة في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً } في سورة البقرة ( 143 ).والسلك : الإدخال . قال الأعشى :كما سَلَك السّكّي في الباب فَيْتَق ... أي مثل السلك الذي سنصفه نسلك الذكر في قلوب المجرمين ، أي هكذا نولج القرآن في عقول المشركين ، فإنهم يسمعونه ويفهمونه إذ هو من كلامهم ويدركون خصائصه؛ ولكنه لا يستقر في عقولهم استقرار تصديق به بل هم مكذبون به ، كما قال تعالى : { وإذ ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيّكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون } [ سورة التوبة : 124 125 ].وبهذا السلوك تقوم الحجة عليهم بتبليغ القرآن إليهم ويعاد إسماعهُم إياه المرة بعد المرة لتقوم الحجة .فضمير { نسلكه } و { به } عائدان إلى { الذكر } في قوله : { إنا نحن نزلنا الذكر } [ سورة الحجر : 9 ] أي القرآن .والمجرمون هم كفار قريش .

الترجمة الإنجليزية

La yuminoona bihi waqad khalat sunnatu alawwaleena

وجملة { لا يؤمنون به } بيان للسلك المشبه به أو حال من المجرمين ، أي تعيه عقولهم ولا يؤمنون به . وهذا عام مراد به من ماتوا على الكفر منهم . والمراد أنهم لا يؤمنون وقتاً ما .وجملة { وقد خلت سنة الأولين } معترضة بين جملة { لا يؤمنون به } وجملة { ولو فتحنا عليهم باباً من السماء } [ الحجر : 14 ] الخ .والكلام تعريض بالتهديد بأن يحل بهم ما حل بالأمم الماضية معاملة للنظير بنظيره ، لأن كون سنة الأولين مضت أمر معلوم غير مفيد ذكره ، فكان الخبر مستعملاً في لازمه بقرينة تعذر الحمل على أصل الخبرية .والسنّة : العادة المألوفة . وتقدم في قوله تعالى : { قد خلت من قبلكم سنن } في سورة آل عمران ( 137 ). وإضافتها إلى { الأولين } باعتبار تعلقها بهم ، وإنما هي سنة الله فيهم لأنها المقصود هنا ، والإضافة لأدنى ملابسة .

الترجمة الإنجليزية

Walaw fatahna AAalayhim baban mina alssamai fathalloo feehi yaAArujoona

عطف على جملة { لا يؤمنون به } [ سورة الحجر : 13 ] وهو كلام جامع لإبطال جميع معاذيرهم من قولهم : { لو ما تأتينا بالملائكة } سورة الحجر ( 7 ) وقولهم { إنك لمجنون } [ سورة الحجر : 6 ] بأنهم لا يطلبون الدلالة على صدقه ، لأن دلائل الصدق بيّنة ، ولكنهم ينتحلون المعاذير المختلفة .والكلامُ الجامعُ لإبطال معاذيرهم : أنهم لو فتح الله باباً من السماء حين سألوا آيةً على صدق الرسول ، أي بطلب من الرسول فاتصلوا بعالم القدس والنفوس الملكية ورأوا ذلك رأي العين لاعتذروا بأنها تخيّلات وأنهم سُحِروا فرأوا ما ليس بشيء شيئاً .ونظيره قوله : { ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين } [ سورة الأنعام : 7 ].و ( ظلّ ) تدل على الكون في النهار ، أي وكان ذلك في وضح النهار وتبين الأشباح وعدم التردد في المرئي .والعُروج : الصعود . ويجوز في مضارعه ضمّ الراء وبه القراءة وكسرها ، أي فكانوا يصعدون في ذلك الباب نهاراً .

الترجمة الإنجليزية

Laqaloo innama sukkirat absaruna bal nahnu qawmun mashooroona

و { سكرت } بضم السين وتشديد الكاف في قراءة الجمهور ، وبتخفيف الكاف في قراءة ابن كثير . وهو مبني للمجهول على القراءتين ، أي سدّت . يقال : سكر البابَ بالتشديد وسكره بالتخفيف إذا سدّه .والمعنى : لجحدوا أن يكونوا رأوا شيئاً .وأتوا بصيغة الحصر للدلالة على أنهم قد بتّوا القول في ذلك . وردّ بعضهم على بعض ظن أن يكونوا رأوا أبواب السماء وعرجوا فيها ، وزعموا أنهم ما كانوا يبصرون ، ثم أضربوا عن ذلك إضراب المتردّد المتحيّر ينتقل من فرض إلى فرض فقالوا : { بل نحن قوم مسحورون } ، أي ما رأيناه هو تخيلات المسحور ، أي فعادوا إلى إلقاء تبعة ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه سحرهم حين سأل لهم الله أن يفتح باباً من السماء ففتحه لهم .وقد تقدم الكلام على السحر وأحواله عند قوله تعالى : { يعلمون الناس السحر } في سورة البقرة ( 102 ).وإقحام كلمة { قوم } هنا دون أن يقولوا : بل نحن مسحورون ، لأن ذكرها يقتضي أن السحر قد تمكن منهم واستوى فيه جميعهم حتى صار من خصائص قوميتهم كما تقدم تبيينه عند قوله تعالى : { لآيات لقوم يعقلون } في سورة البقرة ( 164 ). وتكرر ذلك .
262