سورة ص: القراءة والتفسير والتحميل

تحتوي هذه الصفحة على جميع آيات سورة ص بالإضافة إلى تفسير جميع الآيات من قبل تنوير المقباس من تفسير ابن عباس (عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي). في الجزء الأول يمكنك قراءة سورة ص مرتبة في صفحات تماما كما هو موجود في القرآن. لقراءة تفسير لآية ما انقر على رقمها.

معلومات عن سورة ص

  • نوع سورة ص: مكية
  • عدد الآيات في سورة ص: 88
  • ترتيب سورة ص في القرآن الكريم: 38
  • ترتيب نزول الوحي: 38
  • اسم السورة باللغة الإنجليزية: The letter Saad
  • أرقام الصفحات في القرآن الكريم: من الصفحة 453 إلى 458
  • التفسير: تنوير المقباس من تفسير ابن عباس

سُورَةُ صٓ
الصفحة 453 (آيات من 1 إلى 16)

صٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوا۟ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ وَعَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ ٱلْءَالِهَةَ إِلَٰهًا وَٰحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُوا۟ وَٱصْبِرُوا۟ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلْءَاخِرَةِ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا ٱخْتِلَٰقٌ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِنۢ بَيْنِنَا ۚ بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ مِّن ذِكْرِى ۖ بَل لَّمَّا يَذُوقُوا۟ عَذَابِ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ فَلْيَرْتَقُوا۟ فِى ٱلْأَسْبَٰبِ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ ٱلْأَحْزَابِ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو ٱلْأَوْتَادِ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَٰبُ لْـَٔيْكَةِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْأَحْزَابُ إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ وَمَا يَنظُرُ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ
453

الاستماع إلى سورة ص

تفسير سورة ص (تنوير المقباس من تفسير ابن عباس: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي)

English Transliteration

Sad waalqurani thee alththikri

ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ (1){ ص } القول في هذا الحرف كالقول في نظائره من الحروف المقطعة الواقعة في أوائل بعض السور بدون فرق أنها مقصودة للتهجِّي تحدِّياً لبلغاء العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن وتورُّكاً عليهم إذ عجزوا عنه واتفق أهل العدّ على أن { ص } ليس بآية مستقلة بل هي في مبدأ آية إلى قوله : { ذِي الذِّكرِ } وإنما لم تعد { ص } آية لأنها حرف واحد كما لم يعد { ق } [ ق : 1 ] و { ن } [ القلم : 1 ] ; { والقرءان ذِىلذِّكْرِ }الواو للقسم أقسم بالقرآن قسَم تنويه به . ووصف ب { ذِي الذِّكر } لأن { ذي } تضاف إلى الأشياء الرفيعة فتجري على متصف مقصود التنويه به .و { الذكر } : التذكير ، أي تذكير الناس بما هم عنه غافلون . ويجوز أن يراد بالذكر ذكر اللسان وهو على معنى : الذي يُذكر ، بالبناء للنائب ، أي والقرآن المذكور ، أي الممدوح المستحِق الثناء على أحد التفسيرين في قوله تعالى : { لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم } [ الأنبياء : 10 ] أي شرفكم .وقد تردد المفسرون في تعيين جواب القسم على أقوال سبعة أو ثمانية وأحسن ما قيل فيه هنا أحد وجهين : أولهما أن يكون محذوفاً دلّ عليه حرف { ص } فإن المقصود منه التحدّي بإعجاز القرآن وعجزهم عن معارضته بأنه كلام بلُغتهم ومؤلَّفٌ من حروفها فكيف عجزوا عن معارضته . فالتقدير : والقرآن ذي الذكر أنه لمن عند الله لهذا عجزتم عن الإِتيان بمثله .وثانيهما : الذي أرى أن الجواب محذوف أيضاً دل عليه الإِضراب الذي في قوله : { بَللِ الذين كفروا في عزَّة وشِقَاقٍ } [ ص : 2 ] بعد أن وُصف القرآن ب { ذِي الذِّكر } ، لأن ذلك الوصف يشعر بأنه ذِكر ومُوقظ للعقول فكأنه قيل : إنه لذكر ولكن الذين كفروا في عزة وشقاق يجحدون أنه ذكر ويقولون : سِحر مفترىً وهم يعلمون أنه حق كقوله تعالى : { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات اللَّه يجحدون } [ الأنعام : 33 ] ، فجواب القسم محذوف يدل عليه السياق ، وليس حرف { ص } هو المقسم عليه مقدماً على القسم ، أي ليس دليلُ الجواب من اللفظ بل من المعنى والسياق .والغرض من حذف جواب القسم هنا الإِعراض عنه إلى ما هو أجدر بالذكر وهو صفة الذين كفروا وكذبوا القرآن عناداً أو شقاقاً منهم .

English Transliteration

Bali allatheena kafaroo fee AAizzatin washiqaqin

بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2){ بل } للإِضراب الإِبطالي وهذا نوع من الإِضراب الإِبطالي نبّه عليه الراغب في «مفردات القرآن» وأشار إليه في «الكشاف» ، وتحريرُه أنه ليس إبطالاً محضاً للكلام السابق بحيث يكون حرفُ { بل } فيه بمنزلة حرف النفي كما هو غالب الإِضراب الإِبطالي ، ولا هو إضراب انتقالي ، ولكن هذا إبطال لتوهممٍ ينشأ عن الكلام الذي قبله إذّ دل وصف القرآن ب { ذِي الذِّكر } [ ص : 1 ] أن القرآن مذكِّرٌ سامعيه تذكيراً ناجعاً ، فعقب بإزالة توهم مَن يتوهم أن عدم تذكّر الكفار ليس لضعففٍ في تذكير القرآن ولكن لأنهم متعزّزون مُشاقُّون ، فحرف { بل } في مثل هذا بمنزلة حرف الاستدراك ، والمقصود منه تحقيق أنه ذُو ذكر ، وإزالة الشبهة التي قَد تعرض في ذلك .ومثله قوله تعالى : { ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم } [ ق : 1 ، 2 ] ، أي ليس امتناعهم من الإِيمان بالقرآن لنقص في علوّه ومجده ولكن لأنهم عجبوا أن جاءهم به رجل منهم .ولك أن تجعل { بل } إضرابَ انتقال من الشروع في التنويه بالقرآن إلى بيان سبب إعراض المعرضين عنه ، لأن في بيان ذلك السبب تحقيقاً للتنويه بالقرآن كما يقال : دع ذا وخذ في حديث . . ، كقول امرىء القيس: ... فدَع ذا وَسَلِّ الهمَّ عنك بجَسرةذمول إذا صام النهارُ وهَجرا ... وقال زهير: ... دَع ذا وعَدِّ القولَ في هَرمخير البُداة وسيد الحَضر ... وقول الأعشى: ... فَدع ذا ولكن ما ترى رأيَ كاشحيرى بيننا من جهله دَقَّ مَنْشم ... وقول العَجاج: ... دع ذا وبَهِّجْ حَسباً مُبَهَّجاًومعنى ذلك أن الكلام أخذ في الثناء على القرآن ثم انقطع عن ذلك إلى ما هو أهم وهو بيان سبب إعراض المعرضين عنه لاعتزازهم بأنفسهم وشقاقهم ، فوقع العدول عن جواب القسم استغناء بما يفيد مُفاد ذلك الجواب .وإنما قيل : { الذين كفروا } دون ( الكافرون ) لما في صلة الموصول من الإِيماء إلى الإِخبار عنهم بأنهم في عزة وشقاق . والعزة تَحوم إطلاقاتها في الكلام حول معاني المنعة والغلبة والتكبر فإن كان ذلك جارياً على أسباب واقعة فهي العزة الحقيقية وإن كان عن غرور وإعجاب بالنفس فهي عزة مزوَّرة قال تعالى : { وإذا قيل له اتقّ اللَّه أخذته بالعزّة بالإثم } [ البقرة : 206 ] ، أي أخذته الكبرياء وشدة العصيان ، وهي هنا عزة باطلة أيضاً لأنها إباء من الحق وإعجاب بالنفس . وضدُّ العزة الذلة قال تعالى : { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } [ المائدة : 54 ] وقال السمَوْأل أو غيره: ... وما ضَرنا أنَّا قليل وجارناعزيزٌ وجار الأكثرين ذَليل ... و { في للظرفية المجازية مستعارة لقوة التلبس بالعزة . والمعنى : متلبسون بعزة على الحق .والشقاق : العناد والخصام . والمراد : وشقاق لله بالشرك ولرسوله بالتكذيب . والمعنى : أن الحائل بينهم وبين التذكير بالقرآن هو ما في قرارة نفوسهم من العزة والشقاق .

English Transliteration

Kam ahlakna min qablihim min qarnin fanadaw walata heena manasin

كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3)استئناف بياني لأن العزة عن الحق والشقاقَ لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم مما يثير في خاطر السامع أن يسأل عن جزاء ذلك فوقع هذا بياناً له ، وهذه الجملة معترضة بين جملة { بل الذين كفروا في عزَّةٍ وشقاق } [ ص : 2 ] ، وبين جملة { وعجبوا أن جاءهم منذرٌ منهم } [ ص : 4 ] .وكان هذا البيان إخبَاراً مُرفَقاً بحجة من قبيل قياس تمثيل ، لأن قوله : { مِن قبلهم } يؤذن بأنهم مثلهم في العزة والشقاق ومتضمناً تحذيراً من التريث عن إجابة دعوة الحق ، أي ينزل بهم العذاب فلا ينفعهم ندم ولا متاب كما لم ينفع القرون من قبلهم . فالتقدير : سيجازَوْن على عزتهم وشقاقهم بالهلاك كما جُوزِيَتْ أمم كثيرة من قبلهم في ذلك فليحذروا ذلك فإنهم إن حقت عليهم كلمة العذاب لم ينفعهم متاب كما لم ينفع الذين من قبلهم متاب عند رؤية العذاب .و { كم } اسم دال على عدد كثير . و { مِن قَرنٍ } تمييز لإِبهام العدد ، أي عدداً كثيراً من القرون ، وهي في موضع نصب بالمفعولية ل { أهْلَكنا } .والقرن : الأمة كما في قوله تعالى : { ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين } [ المؤمنون : 42 ] . و { من قبلهم } يجوز أن يكون ظرفاً مستقراً جعل صفة ل { قَرْنٍ } مقدمة عليه فوقعت حالاً ، وإنما قدم للاهتمام بمضمونه ليفيد الاهتمامُ إيماء إلى أنهم أسوة لهم في العِزّة والشقاق وأن ذلك سبب إهلاكهم . ويجوز أن يكون متعلقاً ب { أهلكنا } على أنه ظرف لغو ، وقدم على مفعول فعله مع أن المفعول أولى بالسبق من بقية معمولات الفعل ليكون تقديمه اهتماماً به إيماء إلى الإِهلاك كما في الوجه الأول .وفرع على الإِهلاك أنهم نادوا فلم ينفعهم نداؤهم ، تحذيراً من أن يقع هؤلاء في مثل ما وقعت فيه القرون من قبلهم إذ أضاعوا الفرصة فنادوا بعد فواتها فلم يفدهم نداؤهم ولا دعاؤهم . والمراد بالنداء في { فنَادوا } نداؤهم الله تعالى تَضرعاً ، وهو الدعاء كما حكي عنهم في قوله تعالى : { ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } [ الدخان : 12 ] . وقوله : { حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون } [ المؤمنون : 64 ] .وجملة { ولاَتَ حينَ منَاصٍ } في موضع الحال ، والواو واو الحال ، أي نادوا في حال لا حين مناص لهم .و { لات } حرف نفي بمعنى ( لا ) المشبهة ب ( ليس ) و { لات } حرف مختص بنفي أسماء الأزمان وما يتضمن معنى الزمان من إشارة ونحوها . وهي مركبة من ( لا ) النافية وصُلت بها تاء زائدة لا تفيد تأنيثاً لأنها ليست هاء وإنما هي كزيادة التاء في قولهم : رُبَّت وثُمَّت . والنفي بها لغير الزمان ونحوه خطَأ في اللغة وقع فيه أبو الطيب إذ قال: ... لقد تَصبرت حتى لاتَ مصطبَروالآن أقحم حتى لات مقتحم ... وأغفل شارحو ديوانه كلُّهم وقد أدخل { لات على غير اسم زمان . وأيًّا مَّا كان فقد صارت ( لا ) بلزوم زيادة التاء في آخرها حرفاً مستقلاً خاصاً بنفي أسماء الزمان فخرجت عن نحو : رُبَّت وثَمَّتَ .وزعم أبو عبيد القاسم بن سلام أن التاء في ولاَتَ حينَ مناصٍ } متصلة ب { حِينَ } وأنه رآها في مصحف عثمان متصلة ب { حين } وزعم أن هذه التاء تدخل على : حين وأوان وآن يريد أن التاء لاحقة لأول الاسم الذي بعد ( لا ) ولكنه لم يفسر لدخولها معنى . وقد اعتذر الأيمة عن وقوع التاء متصلة ب { حين } في بعض نسخ المصحف الإِمام بأن رسم المصحف قد يخالف القياس ، على أن ذلك لا يوجد في غير المصحف الذي رآه أبو عبيد من المصاحف المعاصرة لذلك المصحف والمرسومة بعده . والمناص : النجاء والفوت ، وهو مصدر ميمي ، يقال : ناصه ، إذا فاته .والمعنى : فنادَوا مبتهلين في حال ليس وقت نجاء وفَوت ، أي قد حق عليهم الهلاك كما قال تعالى : { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة اللَّه التي قد خلت في عباده } [ غافر : 85 ] .

English Transliteration

WaAAajiboo an jaahum munthirun minhum waqala alkafiroona hatha sahirun kaththabun

وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) { وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الكافرون هذا ساحر كَذَّابٌ ، أَجَعَلَ اَلَهَةَ إلَهاً وَاحِداً إنَّ هّذَا لَشَيٌ عُجَابٌ } .عطف على جملة { الذين كفروا في عزَّةٍ وشقاقٍ } [ ص : 2 ] فهو من الكلام الواقع الإِضراب للانتقال إليه كما وقع في قوله تعالى : { ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم } [ ق : 1 - 2 ] .والمعنى : أنه استقرّ في نفوسهم استحالة بعثة رسول منهم فذلك سبب آخر لانصرافهم عن التذكر بالقرآن .والعجب حقيقته : انفعال في النفس ينشأ عن علم بأمر غير مترقب وقوعه عند النفس ، ويطلق على إنكار شيء نادر على سبيل المجاز بعلاقة اللزوم كما في قوله تعالى : { قالوا أتعجبين من أمر اللَّه } في سورة [ هود : 73 ] فإن محل العتاب هو كون امرأة إبراهيم أحالت أن تلد ، وهي عجوز وكذلك إطلاقه هنا . والمعنى : وأنكروا وأحالوا أن جاءهم منذر منهم .والمنذر : الرسول ، أي منذر لهم بعذاب على أفعال هم متلبسون بها .وعبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بوصف المنذر : ووُصف بأنه منهم للإِشارة إلى سوء نظرهم من عجبهم لأن شأن النذير أن يكون من القوم ممن ينصح لهم فكونه منهم أولى من أن يكون من غيرهم .ثم إن كان التبعيض المستفاد من حرف ( من ) مراداً به أنه بعض العرب أو بعض قريش فأمر تجهيلهم في عجبهم من هذا النذير بيّن؛ وإن كان مراداً به أنه بعض البشر وهو الظاهر فتجهيلهم لأن من كان من جنسهم أجدرُ بأن ينصح لهم من رسول من جنس آخر كالملائكة ، وهذه جدارة عرفية . وهذا العجب تكرر تصريحهم به غير مرة فهو مستقر في قرارة نفوسهم ، وهو الأصل الداعي لهم إلى الإِعراض عن تصديقه فلذلك ابتُدئت به حكاية أقوالهم التي قالوها في مجلس شيخ الأباطح كما تقدم في ذكر سبب النزول .{ مِّنْهُمْ وَقَالَ الكافرون هذا ساحر }

English Transliteration

AjaAAala alalihata ilahan wahidan inna hatha lashayon AAujabun

أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5){ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الالهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَىْءٌ عُجَابٌ } .بعد أن كُشف ما انطوت عليه نفوسهم من العزة والشقاق وإحالة بعثة رسول للبشر من جنسهم ، حوسبوا بما صرحوا به من القول في مجلسهم ذلك ، إشارةً بهذا الترتيب إلى أن مقالتهم هذه نتيجة لعقيدتهم تلك .وفي قوله : { الكافِرونَ } وضْعُ الظاهر موقع المضمر وكان مقتضى الظاهر أن يقال : «وقالوا هذا ساحر» الخ ، وهذا لقصد وصْفهم بأنهم كافرون بربهم مقابَلَة لما وَصَمُوا به النبي صلى الله عليه وسلم فوُصفوا بما هو شتم لهم يجمع ضروباً من الشتم تأصيلاً وتفريعاً وهو الكفر الذي هو جماع فساد التفكير وفاسد الأعمال .ولفظ { هذا } أشاروا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم استعملوا اسم الإِشارة لتحقير مثله في قولهم : { أهذا الذي يذكر آلهتكم } [ الأنبياء : 36 ] وإنما قالوا مقالتهم هذه حين انصرافهم من مجلس أبي طالب المذكورِ في سبب نزول السورة جعلوا النبي صلى الله عليه وسلم لقرب عهدهم بمحضره كأنه حاضر حين الإِشارة إليه .وجَعلوا حالهُ سحراً وكذباً لأنهم لما لم تقبَل عقولهم ما كلمهم به زعموا ما لا يفهمون منه مثل كون الإله واحداً أو كونه يعيد الموتى أحياء سحراً إذ كانوا يألفون من السحر أقوالاً غير مفهومة كما تقدم عند قوله تعالى : { يعلمون الناس السحر } في سورة [ البقرة : 102 ] . وزعموا ما يفهمونه ويحيلونه مثل ادعاء الرسالة عن الله كذباً . وبينوا ذلك بجملتين : إحداهما { أجعل الآلهة إلها واحداً } ، والثانية جملة { أءُنزلَ عليه الذكر من بيننا } [ ص : 8 ] .( فجملة { أجَعَلَ الآلهة إلهاً واحداً } بيان لجملة { هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ } ، أي حيث عدوه مباهتاً لهم بقلب الحقائق والأخبار بخلاف الواقع .والهمزة للاستفهام الإِنكاري التعجيبي ولذلك أتبعوه بما هو كالعلة لقولهم : { ساحر } وهو { إنَّ هذا لشيء عجاب } أي يتعجب منه كما يتعجب من شعوذة الساحر .و { عُجاب } : وصف الشيء الذي يتعجب منه كثيراً لأن وزن فُعال بضم أوله يدل على تمكن الوصف مثل : طُوال ، بمعنى المفرط في الطول ، وكُرام بمعنى الكثير الكرم ، فهو أبلغ من كريم ، وقد ابتدأوا الإِنكار بأول أصل من أصول كفرهم فإن أصول كفرهم ثلاثة : الإِشراكُ ، وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وإنكار البعث ، والجزاءِ في الآخرة .

English Transliteration

Waintalaqa almalao minhum ani imshoo waisbiroo AAala alihatikum inna hatha lashayon yuradu

وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) الانطلاق حقيقته : الانصراف والمشي ، ويستعمل استعمال أفعال الشروع لأن الشارع ينطلق إليه ، ونظيره في ذلك : ذَهب بفعل كذا ، كما في قول النبهاني :فإن كنتَ سيِّدنَا سدْتَنا ... وإن كنت للخال فاذْهب فَخلْوكذلك قام في قوله تعالى : { إذ قاموا فقالوا } في سورة [ الكهف : 14 ] .( وقيل : إن الانطلاق هنا على حقيقته ، أي وانصرف الملأ منهم عن مجلس أبي طالب . و { الملأ } : سادة القوم قال ابن عطية : قائل ذلك عقبة بن أبي معيط . وقال غير ابن عطية : إن من القائلين أبا جهل ، والعاصي بن وائل ، والأسود بن عبد يغوث .و { أن } تفسيرية لأن الانطلاق إن كان مجازاً فهو في الشروع فقد أريد به الشروع في الكلام فكان فيه معنى القول دون حروفه فاحتاج إلى تفسيرٍ بكلام مقول ، وإن كان الانطلاقُ على حقيقته فقد تضمن انطلاقهم عقب التقاول بينهم بكلامهم الباطل { هذا ساحِرٌ } [ ص : 4 ] إلى قوله : { عُجَابٌ } [ ص : 5 ] يقتضي أنهم انطلقوا متحاورين في ماذا يصنعون . ولما أسند الانطلاق إلى الملأ منهم على أنهم ما كانوا لينطلقوا إلا لتدبير في ماذا يصنعون فكان ذلك مقتضياً تحاوراً وتقاولاً احتيج إلى تفسيره بجملة { أن امشوا واصبروا على ءَالهتِكُم } الخ . والأمر بالمشي يحتمل أن يكون حقيقة ، أي انصرفوا عن هذا المكان مكان المجادلة ، واشتغلوا بالثبات على آلهتكم . ويجوز أن يكون مجازاً في الاستمرار على دينهم كما يقال : كما سار الكرام ، أي اعمل كما عملوا ، ومنه سميت الأخلاق والأعمال المعتادة سيرة .والصبر : الثبات والملازمة ، يقال : صبر الدابة إذا ربطها ، ومنه سمي الثبات عند حلول الضُرّ صبراً لأنه ملازمة للحلم والأناة بحيث لا يضطرب بالجزع ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها } [ الفرقان : 42 ] .وحرف { على } يدلّ على تضمين { اصبروا } معنى : اعكفوا وأثبتوا ، فحرف { على } هنا للاستعلاء المجازي وهو التمكن مثل { أولئك على هدى من ربهم } [ البقرة : 5 ] . وليس هو حرف { على } المتعارف تعدية فعل الصبر به في نحو قوله : { اصبر على ما يقولون } [ المزمل : 10 ] فإن ذلك بمعنى ( مع ) ، ولذلك يخلفه اللام في مثل ذلك الموقع نحو قوله تعالى : { فاصبر لحكم ربك } [ القلم : 48 ] ، ولا بدّ هنا من تقدير مضاف ، أي على عبادة آلهتكم ، فلا يتعدى إلى مفعول إن كان مجازاً فهو في الشروع فقد أريد به الشروع في الكلام فكان .وجملة { إن هذا لشيءٌ يُرادُ } تعليل للأمر بالصبر على آلهتهم لقصد تقوية شكهم في صحة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بأنها شيء أرادهُ لغرض أي ليس صادقاً ولكنه مصنوع مراد منه مقصد كما يقال : هذا أمر دُبِّر بليل ، فالإِشارة ب { هذا } إلى ما كانوا يسمعونه في المجلس من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم أن يقولوا : لا إله إلا الله .

English Transliteration

Ma samiAAna bihatha fee almillati alakhirati in hatha illa ikhtilaqun

مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7)وقوله : { ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة } من كلام المَلأ .والإِشارة إلى ما أشير إليه بقولهم : { إن هذا لشيء يراد } ، أي هذا القول وهو { أجعَلَ الآلهة إلها واحداً } [ ص : 5 ] .والجملة مستأنفة أو مبينة لجملة { إنَّ هذا لشيءٌ يُرادُ } لأن عدم سماع مثله يبين أنه شيء مصطنع مبتدع . وإعادة اسم الإِشارة من وضع الظاهر موضع المضمر لقصد زيادة تمييزه . وفي قوله : { بهذا } تقدير مضاف ، أي بمثل هذا الذي يقوله . ونفي السماع هنا خبر مستعمل كناية عن الاستبعاد والاتّهام بالكذب .و { الملة } : الدين ، قال تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } في سورة [ البقرة : 120 ] ، وقال : { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون باللَّه وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب } في سورة [ يوسف : 37 - 38 ] .( و { الآخِرة } : تأنيث الآخِر وهو الذي يكون بعد مضي مدة تقررت فيها أمثاله كقوله تعالى : { ثم اللَّه ينشىء النشأة الآخرة } [ العنكبوت : 20 ] .( والمجرور من قوله : { في الملة الآخرةِ } يجوز أن يكون ظرفاً مستقراً في موضع الحال من اسم الإِشارة بياناً للمقصود من الإِشارة متعلقاً بفعل { سَمِعْنَا } . والمعنى : ما سمعنا بهذا قبل اليوم فلا نعتدّ به . ويجوز على هذا التقدير أن يكون المراد ب { الملَّةِ الآخرة } دين النصارى ، وهو عن ابن عباس وأصحابه وعليه فالمشركون استشهدوا على بطلان توحيد الإله بأن دين النصارى الذي ظهر قبل الإِسلام أثبتَ تعدد الآلهة ، ويكون نفي السماع كناية عن سماع ضده وهو تعدد الآلهة . ويجوز أن يريدوا ب { الملَّةِ الآخِرة } الملّة التي هُم عليها ويكون إشارة إلى قول ملأ قريش لأبي طالب في حين احْتضاره حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم « يا عَم قُلْ لا إله إلاّ الله كلمةً أُحاجُّ لك بها عند الله . فقالوا له جميعاً : أترغب عن ملة عبد المطلب » فقولهم : { في الملة الآخِرَةِ } كناية عن استمرار انتفاء هذا إلى الزمن الأخير فيعلم أن انتفاءه في ملتهم الأولى بالأحرى .وجملة { إن هذا إلاَّ اختلاقٌ } مبينة لجملة { ما سمعنا بهذا } وهذا هو المتحصل من كلامهم المبدوء ب { امشوا واصبروا على ءَالهتِكُم } فهذه الجملة كالفذلكة لكلامهم .والاختلاق : الكذب المخترع الذي لا شبهة لقائله .

English Transliteration

Aonzila AAalayhi alththikru min baynina bal hum fee shakkin min thikree bal lamma yathooqoo AAathabi

أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8){ أَءَنزِلَ عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا } .يجوز أن يكون { أءُنزِلَ عليه الذكر من بيننا } من كلام عموم الكافرين المحكي بقوله : { وقال الكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كذَّابٌ } [ ص : 4 ] فيكون متصلاً بقوله : { أجعَلَ الآلِهة إلها واحداً } [ ص : 5 ] ويكون قوله { أءُنزلَ عليه الذكرُ } بياناً لجملة { كَذَّابٌ } [ ص : 4 ] ، لأن تقديره : هذا كذّاب إذ هو خبر ثان ل ( كان ) ، ولكونه بياناً للذي قبله لم يعطف عليه ويكون ما بينهما من قوله : { وانطلق الملأُ منهم } [ ص : 6 ] إلى قوله : { إن هذا إلا اختلاقٌ } [ ص : 7 ] اعتراضاً بين جملتي البيان .ويجوز أن يكون من تمام كلام الملأ واستغني به عن بيان جملة { كَذَّابٌ } لأن نطق الملأ به كاففٍ في قول الآخرين بموجَبه فاستغنوا عن بيان جملة { كذابٌ } .والاستفهام إنكاري ، ومناط الإِنكار هو الظرف { من بيننا } وهو في موضع حال من ضمير { عليه } ، فأنكروا أن يُخص محمد صلى الله عليه وسلم بالإِرسال وإنزاللِ القرآن دون غيره منهم ، وهذا هو المحكي في قوله تعالى : { وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } [ الزخرف : 31 ] أي من مكة أو الطائف ولم يريدوا بهذا الإِنكار تجويز أصل الرسالة عن الله وإنما مرادهم استقصاء الاستبعاد فإنهم أنكروا أصل الرسالة كما اقتضاه قوله تعالى : { وعَجِبوا أن جاءَهم مُنذرٌ منهم } [ ص : 4 ] وغيره من الآيات ، وهذا الأصل الثاني من أصول كفرهم التي تقدم ذكرها عند قوله تعالى : { أجعل الآلهة إلها واحداً } [ ص : 5 ] وهو أصل إنكار بعثه رسول منهم { بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِ }يجوز أن يكون هذا جواباً عن قولهم : { أءُنزِلَ عليه الذكر من بيننا } أي ليس قصدهم الطعن في اختصاصك بالرسالة ولكنهم شاكُّون في أصل إنزاله ، فتكون { بل } إضراباً إبطالياً تكذيباً لما يظهر من إنكارهم إنزال الذكر عليه من بينهم على ما تقدم ، أي إنما قصدهم الشك في أن الله يوحي إلى أحد بالرسالة ، فيكون معنى { في شَكّ من ذِكري } شكّاً من وقوعه . والشك يطلق على اليقين مجازاً مرسلاً بعلاقة الإِطلاق والتقييد فيكون كمعنى قوله تعالى : { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات اللَّه يجحدون } [ الأنعام : 33 ] . ويجوز أن يكون انتقالاً من خبر عنهم إلى خبر آخر فيكون استئنافاً وتكون { بل } للإِضراب الانتقالي ، والمعنى : وهم في شك من ذكري ، أي في شك من كنه القرآن ، فمرة يقولون : افتراه ، ومرة يقولون : شعر ، ومرة : سحر ، ومرة : أساطير الأولين ، ومرة : قول كاهن . فالمراد بالشك حقيقتهُ أي التردد في العلم . وإضافة الذكر إلى ضمير المتكلم وهو الله تعالى إضافة تشريف ولتحقيق كونه من عند الله . والذكر على هذا الوجه هو عين المراد من قوله : { أءُنزل عليه الذكر } وإنما وقع التعبير عنه بالظاهر دون الضمير توصلاً إلى التنويه به بأنه من عند الله .و { في } للظرفية المجازية ، جُعلت ملابسة الشك إياهم بمنزلة الظرف المحيط بمحويه في أنه لا يخلو منه جانب من جوانبه .و { مِن } في قوله : { مِن ذِكري } ابتدائية لكون الشك صفة لهم ، أي نشأ لهم الشك من شأن ذكري ، أي من جانب نفي وقوعه ، أو في جانب ما يصفونه به .{ ذِكْرِى بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ } .أتبع ذلك الإِضراب بإضراب آخر يبين أن الذي جرّأهم على هذا الشقاق أنهم لما تأخر حلول العذاب بهم ظنوا وعيده كاذباً فأخذوا في البذاءة والاستهزاء ولو ذاقوا العذاب لألقمت أفواههم الحجر .و { لمّا } حرف نفي بمعنى ( لم ) إلاّ أن في { لمّا } خصوصية ، وهي أنها تدلّ على المنفي بها متصل الانتفاء إلى وقت التكلم بخلاف ( لم ) فلذلك كان النفي ب { لمّا } قد يُفهم منه ترقب حصول المنفي بعد ذلك قال صاحب «الكشاف» في قوله تعالى : { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } في سورة الحجرات } ( 14 ) ما في { لمّا من معنى التوقع دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعدُ ، أي دال بطريق المفهوم الحاصل من معنى غاية النفي إلى زمن التكلم ، أي لا أضمن ما بعد ذلك ، وقد ذاقوا عذاب السيف يوم بدر بعد نزول هذه الآية بأربع سنين .وإضافة عذاب } إلى ياء المتكلم لاختصاصه بالله لأنه مُقدِّره وقاض به عليهم ولوقوعه على حالة غير جارية على المعتاد إذ الشأن أن يستأصل الجيش القوي الجيشَ القليل . وحذفت ياء المتكلم تخفيفاً للفاصلة ، وأبقيت الكسرة دليلاً عليها وهو حذف كثير في الفواصل والشعر على نحو حذفها من المنادَى .

English Transliteration

Am AAindahum khazainu rahmati rabbika alAAazeezi alwahhabi

أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9){ أم } منقطعة وهي للإِضراب أيضاً وهو إضراب انتقالي فإن { أم } مشعرة باستفهام بعدها هو للإِنكار والتوبيخ إنكاراً لقولهم : { أءُنزل عليه الذكر من بيننا } [ ص : 8 ] أي ليست خزائن فضل الله تعالى عندهم فيتصدّوا لحرمان من يشاءون حرمانه من مواهب الخير فإن المواهب من الله يصيب بها من يشاء فهو يختار للنبوءة من يصطفيه وليس الاختيار لهم فيجعلوا من لم يقدموه عليهم في دينهم غير أهل لأن يَختاره الله .وتقديم الظرف للاهتمام لأنه مناط الإِنكار وهوَ كقوله تعالى : { أهم يقسمون رحمة ربك } [ الزخرف : 32 ] .والخزائن : جمع خزانة بكسر الخاء . وهي البيت الذي يخزن فيه المال أو الطعام ، ويطلق أيضاً على صندوق من خشب أو حديد يخزن فيه المال .والخزن : الحِفْظ والحِرْز . والرحمة : ما به رفق بالغير وإحسان إليه ، شبهت رحمة الله بالشيء النفيس المخزون الذي تطمح إليه النفوس في أنه لا يُعطَى إلا بمشيئة خازنه على طريقة الاستعارة المكنية . وإثبات الخزائن : تخييل مثل إثبات الأظفار للمنية ، والإِضافة على معنى لام الاختصاص . والعدول عن اسم الجلالة إلى وصف لأن له مزيد مناسبة للغرض الذي الكلام فيه إيماء إلى أن تشريفه إياه بالنبوءة من آثار صفة ربوبيته له لأن وصف الربّ مؤذن بالعناية والإِبلاغ إلى الكمال . وأجري على الرب صفة { العَزِيزِ } لإِبطال تدخلهم في تصرفاته ، وصفة { الوَهَّابِ } لإِبطال جعلهم الحرمان من الخير تابعاً لرغباتهم دون موادة الله تعالى .و { العزيز } : الذي لا يغلبه شيء ، و { الوهاب } : الكثير المواهب فإن النبوءة رحمة عظيمة فلا يخول إعطاؤها إلا لشديد العزة وافر الموهبة .

English Transliteration

Am lahum mulku alssamawati waalardi wama baynahuma falyartaqoo fee alasbabi

أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10)إضراب انتقالي إلى رد يأتي على جميع مزاعمهم ويشمل بإجماله جميع النقوض التفصيلية لمزاعمهم بكلمة جامعة كالحوصلة فيشبه التذييل لما يتضمنه من عموم المُلك وعموم الأماكن المقتضي عموم العلم وعمومَ التصرف ينعَى عليهم قولهم في المغيبات بلا علم وتحكمهم في مراتب الموجودات بدون قدرة ولا غنى .والاستفهام المقدر بعد { أم } المنقطعة تهكمي وليس إنكارياً لأن تفريع أمر التعجيز عليه يعيّن أنه تهكمي . فالمعنى : إن كان لهم مُلك السماوات والأرض وما بينهما فكان لهم شيء من ذلك فليصعدوا إن استطاعوا في أسباب السماوات ليَخبُروا حقائق الأشياء فيتكلموا عن علم في كنه الإله وصفاته وفي إمكان البعث وعدمه وفي صدق الرسول صلى الله عليه وسلم أو ضده وليفتحوا خزائن الرحمة فيفيضوا منها على من يعجبهم ويحرموا من لا يرْمقونه بعين استحسان .والأمر في { فليرتقوا } للتعجيز مثل قوله : { فليمدد بسبب إلى السماء } [ الحج : 15 ] .والتعريف في { الأسْبابِ } لعهد الجنس لأن المعروف أن لكل محل مرتفع أسباباً يُصعد بها إليه كقول زهير: ... ومن هاب أسباب المنايَا ينلْنهوإن يرق أسباب السماء بسلّم ... وقول الأعشى: ... فلو كنتَ في حِبّ ثمانين قامةورُقيتَ أسباب السماء بسُلّم ... والسبب : الحبل الذي يَتعلق به الصاعد إلى النخلة للجذاذ ، فإن جعل من حبلين ووصل بين الحبلين بحبال معترضة مشدودة أو بأعواد بين الحبلين مضفورٍ عليها جنبتَا الحبلين فهو السُلَّم . وحرف الظرفية استعارة تبعية للتمكن من الأسباب حتى كأنها ظروف محيطة بالمرتقين .

English Transliteration

Jundun ma hunalika mahzoomun mina alahzabi

جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (11)يجوز أن يكون استئنافاً يتصل بقوله : { كمْ أهلكنا من قبلهم من قَرنٍ } [ ص : 3 ] الآية أريد به وصل الكلام السابق فإنه تقدم قوله : { بل الذين كفروا في عزَّةٍ وشقاقٍ } [ ص : 2 ] وتلاه قوله : { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } الآية . فلما تقضى الكلام على تفصيل ما للذين كفروا من عزة وشقاق وما لذلك من الآثار ثُني العِنان إلى تفصيل مَا أَهلَك من القرون أمثالهم من قبلهم في الكفر ليفضي به إلى قوله : { كذبت قبلهم قوم نوح } [ ص : 12 ] إلى قوله : { فحَقَّ عِقَابِ } [ ص : 14 ] .فتكون جملة { كذبت قبلهم قومُ نوح } بدلاً من جملة { جندٌ ما هنالِكَ مهزومٌ من الأحزابِ } بدلَ بعض من كلّ . ويجوز أن يَكون استئنافاً ابتدائياً مستقلاً خارجاً مخرج البشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن هؤلاء جند من الأحزاب مهزوم ، أي مقدّر انهزامه في القريب ، وهذه البشارة معجزة من الإِخبار بالغيب ختم بها وصف أحوالهم . قال قتادة : وعد الله أنه سيهزمهم وهم بمكة فجاء تأويلها يوم بدر . وقال الفخر : إشارة إلى فتح مكة . وقال بعض المفسرين : إشارة إلى نصر يوم الخندق .وعادة الأخبار الجارية مجرى البشارة أو النذارة بأمر مغيب أن تكون مرموزة ، والرمز في هذه البشارة هو اسم الإِشارة من قوله : { هُنَالِكَ } فإنه ليس في الكلام ما يصلح لأن يشار إليه بدون تأوُّل فلْنجعله إشارة إلى مكان أَطْلَع الله عليه نبيئه صلى الله عليه وسلم وهو مكان بدر . ويجوز أن يكون لفظ { الأحزابِ } في هذه الآية إشارة خفية إلى انهزام الأحزاب أيام الخندق فإنها عرفت بغزوة الأحزاب . وسمّاهم الله { الأحزابِ } في السورة التي نزلت فيهم ، فتكون تلك التسمية إلهاماً كما ألهم الله المسلمين فسمَّوا حَجَّة النبي صلى الله عليه وسلم حجَّة الوَداع وهو يومئذٍ بينهم سليم المزاج ، وهذا في عداد المعجزات الخفية التي جمعنا طائفة منها في كتاب خاص . ولعل اختيار اسم الإشارة البعيد رمزٌ إلى أن هذا الانهزام سيكون في مكان بعيد غير مكة فلا تكون الآية مشيرة إلى فتح مكة لأن ذلك الفتح لم يقع فيه عذاب للمكذبين بل عفا الله عنهم وكانوا الطلقاء .وهذه الإِشارة قد علمها النبي صلى الله عليه وسلم وهي من الأسرار التي بينه وبين ربه حتى كان المستقبل تأويلَها كما علم يعقوب سرَّ رؤيا ابنه يوسف ، فقال له : { لا تقصص رؤياك على إخوتك } [ يوسف : 5 ] . ولم يعلَم يوسف تأويلها إلا يوم قال : { يا أبتتِ هذا تأويل رؤياي من قبلُ قد جعلها ربي حقّاً } [ يوسف : 100 ] يشير إلى سجود أبويه له .وأما ظاهر الآية الذي تلقاه الناس يوم نزولها فهو أن الجند هم كفار أهل مكة وأن التنوين فيه للنوعية ، أي ما هم إلا جند من الجنود الذين كذبوا فأُهلكوا ، وأن الإِشارة ب { هُنَالِكَ } إلى مكان اعتباري وهو ما هم فيه من الرفعة الدنيوية العرفية وأَن الانهزام مستعار لإِضعاف شوكتهم ، وعلى التفسيرين الظاهر والمؤول لا تعدو الآية أن تكون تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيتاً له وبشارة بأن دينه سيظهر عليهم .والجند : الجماعة الكثيرة قال تعالى : { هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود } [ البروج : 17 - 18 ] .و { ما } حرف زائد يؤكد معنى مَا قبله فهي توكيد لما دلّ عليه { جُندٌ } بمعناه ، وتنكيره للتعظيم ، أي جند عظيم ، لأن التنوين وإن دلّ على التعظيم فليس نصاً فصار بالتوكيد نصاً . وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { إن اللَّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها } في سورة [ البقرة : 26 ] ، فإن كانت الآية مشيرة إلى يوم بدر فتعظيم { جُندٌ } لأن رجاله عظماء قريش مثل أبي جهل وأمية بن خلف ، وإن كانت مشيرة إلى يوم الأحزاب فتعظيم { جُندٌ } لكثرة رجاله من قبائل العرب .ووصف { جُندٌ } ب { مَهْزومٌ } على معنى الاستقبال ، أي سيهزم ، واسم المفعول كاسم الفاعل مجاز في الاستقبال ، والقرينةُ حاليَّة وهو من باب استعمال ما هو للحال في معنى المستقبل تنبيهاً على تحقيق وقوعه فكأنه من القرب بحيث هو كالواقع في الحال .و { الأحزاب } : الذين على رأي واحد يتحزَّب بعضهم لبعض ، وتقدم في سورة الأحزاب .و { مِن } للتبعيض . والمعنى : أن هؤلاء الجند من جملة الأمم وهو تعريض لهم بالوعيد بأن يحلّ بهم ما حلّ بالأمم ، قال تعالى : { وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم } [ غافر : 30 - 31 ] .

English Transliteration

Kaththabat qablahum qawmu noohin waAAadun wafirAAawnu thoo alawtadi

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12) لما كان قوله : { جندٌ ما هُنالكَ مهزومٌ من الأحزاب } [ ص : 11 ] تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم ووَعْداً له بالنصر وتعريضاً بوعيد مكذِّبيه بأنهم صائرون إلى ما صارت إليه الأحزاب الذين هؤلاء منهم كما تقدم آنفاً جيء بما هو كالبيان لهذا التعريض . والدليللِ على المصير المقصود على طريقة قياس المساواة وقد تقدم آنفاً أن هذه الجملة : إمّا بدل من جملة { جُندٌ ما هُنَالِكَ } الخ ، وإمّا استئناف ولذلك فصلت عن التي قبلها .وحذف مفعول { كذَّبَتْ } لأنه سيرد ما يُبيّنه في قوله : { إن كلٌّ إلاَّ كذَّبَ الرُّسُلَ } كما سيأتي . وخصّ فرعون بإسناد التكذيب إليه دون قومه لأن الله أرسل موسى عليه السلام إلى فرعون ليطلق بني إسرائيل فكذب موسى فأمر الله موسى بمجادلة فرعون لإِبطال كفره فتسلسل الجدال في العقيدة ووجب إشهار أن فرعون وقومه في ضلال لئلا يغتر بنو إسرائيل بشبهات فرعون ، ثم كان فرعون عقب ذلك مضمراً أذى موسى ومعلناً بتكذيبه .ووُصف فرعون بأنه ب { ذُو الأوْتَادِ } لعظمة ملكه وقوته فلم يكن ذلك ليحول بينه وبين عذاب الله . وأصل { الأوتاد } أنه : جمع وتد بكسر التاء : عود غليظ له رأس مفلطح يدقّ في الأرض ليشد به الطُّنُب ، وهو الحبل العظيم الذي تشد به شقّة البيت والخَيمة فيشد إلى الوتد وترفع الشقة على عماد البيت قال الأفوه الأوديّ: ... والبيتُ لا يبتنَى إلا على عَمَدولا عِماد إذا لم تُرْسَ أوتاد ... و { الأوْتَادِ } في الآية مستعار لثبات الملك والعز ، كما قال الأسود بن يعفر: ... ولقد غَنُوا فيها بأنعم عيشةفي ظلّ ملك ثَابت الأوتاد ... وقيل : { الأوتاد } : البناءات الشاهقة . وهو عن ابن عباس والضحّاك ، سميت الأبنية أوتاداً لرسوخ أسسها في الأرض . وهذا القول هو الذي يتأيّد بمطابقة التاريخ فإن فرعون المعنيّ في هذه الآية هو ( منفتاح الثاني ) الذي خرج بنو إسرائيل من مصر في زمنه وهو من ملوك العائلة التاسعة عشرة في ترتيب الأُسَر التي تداولت ملك مصر ، وكانت هذه العائلة مشتهرة بوفرة المباني التي بناها ملوكها من معابد ومقابر وكانت مدة حكمهم مائة وأربعاً وسبعين سنة من سنة ( 1462 ) قبل المسيح إلى سنة ( 1288 ) ق . م . وقال الأستاذ محمد عبده في «تفسيره» للجزء الثلاثين من القرآن في سورة الفجر : وما أجمل التعبير عما ترك المصريون من الأبنية الباقية بالأوتاد فإنها هي الأهرام ومنظرها في عين الرائي مَنظر الوتد الضخم المغروز في الأرض ا . ه . وأكثر الأهرام بنيت قبل زمن فرعون موسى منفتاح الثاني فكان منفتاح هذا مالك تلك الأهرام فإنه يفتخر بعظمتها وليس يفيد قوله : { ذُو الأوْتَادِ } أكثر من هذا المعنى إذ لا يلزم أن يكون هو الباني تلك الأهرام . وذلك كما يقال : ذو النيل ، وقال تعالى حكاية عنه :{ وهذه الأنهار تجري من تحتي } [ الزخرف : 51 ] .

English Transliteration

Wathamoodu waqawmu lootin waashabu alaykati olaika alahzabu

وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (13) وأما { ثمود وقوم لوط } فتقدم الكلام عليهم غير مَرة . و { أصحاب لَيكة } : هم أهل مدين ، وقد تقدم خبرهم وتحقيق أنهم من قوم شعيب وأنهم مختلطون مع مدين في سورة الشعراء .وتقديم ذكر فرعون على ثمود وقوم لوط وأصحاب ليكة مع أن قصته حدثت بعد قصصهم لأن حالهُ مع موسى أشبه بحال زعماء أهل الشرك بمكة من أحوال الأمم الأخرى فإنه قاوم موس بجيش كما قاوم المشركون المسلمين بجيوش .وجملة { أولئك الأحزابُ } معترضة بين جملة { كذبت قبلهم } وجملة { إن كلٌّ إلاَّ كذَّبَ الرُّسلَ } . واسم الإِشارة مستعمل في التعظيم ، أي تعظيم القوة .والتعريف في { الأحزاب } استغراق ادعائي وهو المسمى بالدلالة على معنى الكمال مثل : هُمُ القوم وأنت الرجلُ . والحصر المستفاد من تعريف المسند والمسند إليه حصر ادعائي ، قُصرت صفة الأحزاب على المشار إليهم ب { أولئك } بادعاء الأمم وأن غيرهم لمّا يبلغوا مبلغ أن يُعَدُّوا مِن الأحزاب فظاهر القَصر ولام الكمال لتأكيد معنى الكمال كقول الأشهب بن رُميلة: ... وإن الذي حانت بفلج دماؤهمهم القومُ كلُّ القوم يا أم خالد ... والمعنى : أولئك المذكورون هم الأمم لا تُضاهيهم أمم في القوة والشدة . وهذا تعريض بتخويف مشركي العرب من أن ينزل بهم ما نزل بأولئك على حد قوله تعالى : { أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض فأخذهم اللَّه بذنوبهم وما كان لهم من اللَّه من واق ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم اللَّه إنه قويٌّ شديد العقاب } في سورة [ غافر : 21 - 22 ] .وجملة إن كلٌّ إلا كذَّبَ الرسل } مؤكدة لجملة { كذَّبتْ قبلهم قوم نوح } إلى قوله : { وأصحابُ لَيْكَةِ } ، أخبر أوَّلاً عنهم بأنهم كذبوا وأُكد ذلك بالإِخبار عنهم بأنهم ليسوا إلاّ مُكذبين على وجه الحصر كأنهم لا صفة لهم إلا تكذيب الرسل لتوغلهم فيها وكونها هِجِّيراهم . و { إنْ } نافية ، وتنوين { كل } تنوين عوض ، والتقدير : إنْ كُلُّهم .

English Transliteration

In kullun illa kaththaba alrrusula fahaqqa AAiqabi

إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14)وجيء بالمسند فعلاً في قوله : { كذَّبَ الرُّسُلَ } ليفيد تقديمُ المسند إليه عليه تخصيصَ المسند إليه بالمسند الفعلي فحصل بهذا النظم تأكيد الحصر .وتعدية { كذَّبَ } إلى { الرُّسُلَ } بصيغة الجمع مع أن كل أمة إنما كذبت رسولها ، مقصود منه تفظيع التكذيب لأن الأمة إنما كذّبت رسولها مستندة لحجة سفسطائية هي استحالة أن يكون واحد من البشر رسولاً من الله فهذه السفسطة تقتضي أنهم يكذبون جميع الرسل . وقد حصل تسجيل التكذيب عليهم بفنون من تقوية ذلك التسجيل وهي إبهام مفعول { كَذَّبَتْ } في قوله : { كذَّبتْ قبلهم } ثم تفصيله بقوله : { إلاَّ كذَّبَ الرُّسُلَ } وما في قوله : { إن كلٌّ إلاَّ كذَّبَ الرُّسُلَ } من الحصر ، وما في تأكيده بالمسند الفعلي في قوله : { إلاَّ كذَّبَ } ، وما في جعل المكذَّب به جميعَ الرسل ، فأنتج ذلك التسجيلُ استحقاقهم عذاب الله في قوله : { فَحَقَّ عِقَابِ } ، أي عقابي ، فحذفت ياء المتكلم للرعاية على الفاصلة وأبقيت الكسرة في حالة الوصل .وحق : تحقق ، أي كان حقّاً ، لأنه اقتضاه عظيم جُرمهم . والعقاب : هو ما حلّ بكل أُمة منهم من العذاب وهو الغرق والتمزيق بالريح ، والغرقُ أيضاً ، والصيحة ، والخسف ، وعذاب يوم الظِّلة .وفي هذا تعريض بالتهديد لمشركي قريش بعذاببٍ مثل عذاب أولئك لاتحادهم في موجِبِه .

English Transliteration

Wama yanthuru haolai illa sayhatan wahidatan ma laha min fawaqin

وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (15)لما أشعر قوله : { فحَقَّ عِقَابِ } [ ص : 14 ] بتهديد مشركي قريش بعذاب ينتظرهم جَرْياً على سنة الله في جزاء المكذبين رسلَه ، عطف على جملة الإِخبار عن حلول العذاب بالأحزاب السابقين جملةُ تَوعد بعذاب الذين ماثلوهم في التكذيب .و { هؤلاء } إشارة إلى كفار قريش لأن تجدد دعوتهم ووعيدهم وتكذيبهم يوماً فيوماً جعلهم كالحاضرين فكانت الإِشارة مفهوماً منها أنها إليهم ، وقد تتبعتُ اصطلاح القرآن فوجدتُه إذا استعمل { هؤلاء } ولم يكن معه مشار إليه مذكور : أنه يريد به المشركين من أهل مكة كما نبهتُ عليه فيما مضى غير مرة .و { يَنظُرُ } مشتق من النظر بمعنى الانتظار قال تعالى : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } [ الأنعام : 158 ] ، أي ما ينتظر المشركون إلا صيحة واحدة ، وهذا كقوله تعالى : { فهل ينتظرون إلاّ مثل أيام الذين خلوا من قبلهم } [ يونس : 102 ] .والمتبادر من الآية أنها تهديد لهم بصيحة صاعقة ونحوها كصيحة ثمود أو صيحة النفخ في الصور التي يقع عندها البعث للجزاء ، ولكن ما سبق ذكره آنفاً من أن قوله تعالى : { جُندٌ ما هُنالكَ مهزومٌ منَ الأحزابِ } [ ص : 11 ] إيماءٌ إلى بشارة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن معانديه سيهزمون ويَعمل فيهم السيف يوم بدر ، يقتضي أن الصيحة صيحة القتال وهي أن يصيح النذير : يَا صباحاه كما صَاح الصارخ بمكة حين تعرَّض المسلمون لعير قريش ببدر . ووصفها ب { واحِدَةً } إشارة إلى أن الصاعقة عظيمة مهلكة ، أو أن النفخة واحدة وهي نفخة الصعق ، وفي خفيّ المعنى إيماء إلى أن القوم يبتدرون إلى السلاح ويخرجون مسرعين لإِنقاذ غيرهم فكانت الوقعة العظيمة وقعة يوم بدر أو صيحة المبارزين للقتال يومئذٍ .وأسند الانتظار إليهم في حين أنهم غافلون عن ذلك ومكذبون بظاهره إسناد مجازي على طريقة المجاز العقلي فإنهم يَنتظر بهم ذلك المسلمون الموعودون بالنصر ، أو ينتظِر بهم الملائكة الموكّلون بحشرهم عند النفخة ، فلما كانوا متعلَّق الانتظار أسند فعل { يَنظُرُ } إليهم لملابسة المفعولية على نحو { في عيشةٍ راضية } [ الحاقة : 21 ] .والفواق ، بفتح الفاء وضمها : اسم لما بين حلبتي حالب الناقة ورضعتي فَصيلها ، فإن الحالب يحلب الناقة ثم يتركها ساعة ليرضعها فصيلها ليَدر اللبن في الضرع ثم يعودون فيحلبونها ، فالمدة التي بين الحلبتين تسمى فَواقاً . وهي ساعة قليلة وهم قبل ابتداء الحلب يتركون الفصيل يرضعها لتدرّ باللبن . وجمهور أهل اللغة على أن الفتح والضم فيه سواء ، وذهب أبو عبيدة والفراء إلى أن بين المفتوح والمضموم فَرقاً فقالا : المفتوح بمعنى الراحة مثل الجَواب من الإِجابة ، والمضمومُ اسم للمدة . واللبن المجتمع في تلك الحصة يسمى : الفِيقَة بكسر الفاء ، وجمعُها أفاويق .ومعنى { ما لَها من فَواقٍ } ليس بعدها إمهال بقدر الفواق ، وهذا كقوله تعالى : { ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصِّمون فلا يستطيعون توصية } [ يس : 49 - 50 ] .وقرأ الجمهور { فَوَاقٍ } بفتح الفاء . وقرأه حمزة والكسائي بضم الفاء .

English Transliteration

Waqaloo rabbana AAajjil lana qittana qabla yawmi alhisabi

وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16)حكاية حالة استخفافهم بالبعث والجزاء وتكذيبهم ذلك ، وتكذيبهم بوعيد القرآن إياهم فلمّا هدّدهم القرآن بعذاب الله قالوا : ربّنا عجل لنا نصيبنا من العذاب في الدنيا قبل يوم الحساب إظهاراً لعدم اكتراثهم بالوعيد وتكذيبه ، لئلا يظن المسلمون أن استخفافهم بالوعيد لأنهم لا يؤمنون بالبعث فأبانوا لهم أنهم لا يصدّقون النبي صلى الله عليه وسلم في كل وعيد حتى الوعيد بعذاب الدنيا الذي يعتقدون أنه في تصرف الله . فالقول هذا قالوه على وجه الاستهزاء وحكي عنهم هنا إظهاراً لرقاعتهم وتصلبهم في الكفر .وهذا الأصل الثالث من أصول كفرهم المتقدم ذكرها وهو إنكار البعث والجزاء فهو عطف على { وقال الكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كذَّابٌ } [ ص : 4 ] فذكر قولهم : { أجعل الآلِهَةَ إلها واحِداً } [ ص : 5 ] ، ثم ذكر قولهم : { أءُنزِلَ عليهِ الذِكرُ مِن بينِنَا } [ ص : 8 ] وما عقبه من عواقب مثل ذلك القول ، أفضى القول إلى أصلهم الثالث . قيل : قائل ذلك النضر بن الحارث ، وقيل : أبو جهل والقوم حاضرون راضون فأسند القول إلى الجميع .والقط : هو القسط من الشيء ، ويطلق على قِطعة من الوَرق أو الرقّ أو الثوب التي يكتب فيها العَطاء لأحد ولذلك يفسر بالصكّ ، وقد قال المتلمس في صحيفة عمرو بن هند التي أعطاه إياها إلى عامله بالبحرين يوهمه أنه أمر بالعطاء وإنما هي أمر بقتله وعرف المتلمس ما تحتوي عليه فألقاها في النهر وقال في صحيفته المضروب بها المثل: ... وألقيتُها بالثني من جنب كافركذلك يلقى كل قِطَ مضلِّل ... فالقط يطلق على ما يكتب فيه عطاء أو عقاب ، والأكثر أنه ورقة العطاء ، قال الأعشى :ولا الملك النعمان يوماً لقيتُه ... بأُمته يعطي القُطوط ويَأْفقولهذا قال الحسن : إنما عَنوا عجّل لنا النعيم الذي وعدتَنا به على الإِيمان حتى نراه الآن فنُوقِن .وعلى تسليم اختصاص القطّ بصكّ العطاء لا يكون ذلك مانعاً من قصدهم تعجيل العقاب بأن يكونوا سموا الحظ من العقاب قِطًّا على طريق التهكم ، كما قال عمرو بن كلثوم إذ جعل القتال قِرى: ... قريناكم فعجلنا قِراكمقُبيل الصبح مِرْدَاة طحونا ... فيكونون قد أدمجوا تهكماً في تهكم إغراقاً في التهكم .وتسميتهم { يَوممِ الحسابِ } أيضاً من التهكم لأنهم لا يؤمنون بالحساب .
453
ex