سورة آل عمران: الآية 56 - فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا...

تفسير الآية 56, سورة آل عمران

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

الترجمة الإنجليزية

Faamma allatheena kafaroo faoAAaththibuhum AAathaban shadeedan fee alddunya waalakhirati wama lahum min nasireena

تفسير الآية 56

فأمَّا الذين كفروا بالمسيح من اليهود أو غَلَوا فيه من النصارى، فأعذبهم عذابًا شديدًا في الدنيا: بالقتل وسلْبِ الأموال وإزالة الملك، وفي الآخرة بالنار، وما لهم مِن ناصر ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله.

«فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا» بالقتل والسبي والجزية «والآخرة» بالنار «وما لهم من ناصرين» مانعين منه.

ثم أخبر عن حكمه بينهم بالقسط والعدل، فقال فأما الذين كفروا أي: بالله وآياته ورسله فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة أما عذاب الدنيا، فهو ما أصابهم الله به من القوارع والعقوبات المشاهدة والقتل والذل، وغير ذلك مما هو نموذج من عذاب الآخرة، وأما عذاب الآخرة فهو الطامة الكبرى والمصيبة العظمى، ألا وهو عذاب النار وغضب الجبار وحرمانهم ثواب الأبرار وما لهم من ناصرين ينصرونهم من عذاب الله، لا من زعموا أنهم شفعاء لهم عند الله، ولا ما اتخذوهم أولياء من دونه، ولا أصدقائهم وأقربائهم، ولا أنفسهم ينصرون.

( فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين ) وكذلك فعل تعالى بمن كفر بالمسيح من اليهود ، أو غلا فيه وأطراه من النصارى ، عذبهم في الدنيا بالقتل والسبي وأخذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك ، وفي الدار الآخرة عذابهم أشد وأشق ( وما لهم من الله من واق ) [ الرعد : 34 ] .

ثم فصل سبحانه- هذا الحكم الذي سيحكم به على عباده يوم القيامة فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا بي وبما يجب الإيمان به فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ.أى فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا بإيقاع العداوة والبغضاء والحروب بينهم، وبما يشبه ذلك من هزائم وأمراض وشقاء نفس لا يعلم مقدار ألمه إلا الله- تعالى- وأما في الآخرة فيساقون إلى عذاب النار وبئس القرار.وقد أكد- سبحانه- شدة هذا العذاب بعدة تأكيدات منها نسبة العذاب إليه- سبحانه- وهو القوى القهار الغالب على كل شيء، ومنها التأكيد بالمصدر، ومنها الوصف بالشدة، ومنها الإخبار بأنه لا ناصر لهم ينصرهم من هذا العذاب الشديد في قوله- تعالى- وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ أى ليس لهم من ناصر أيا كان هذا الناصر، وأيا كانت نصرته ولو كانت نصرة ضئيلة لا وزن لها ولا قيمة.هذا هو جزاء الكافرين وأما جزاء المؤمنين فقد بينه- سبحانه- بقوله: وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ.

( فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا ) بالقتل والسبي والجزية والذلة ( والآخرة ) أي وفي الآخرة بالنار ( وما لهم من ناصرين )

يعني بالقتل والصلب والسبي والجزية , وفي الآخرة بالنار

القول في تأويل قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56)قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " فأما الذين كفروا "، فأما الذين جَحدوا نبوّتك يا عيسى، وخالفوا ملتك، وكذّبوا بما جئتهم به من الحق، وقالوا فيك الباطلَ، وأضافوك إلى غير الذي ينبغي أن يُضيفوك إليه، من اليهود والنصارى وسائر أصناف الأديان، فإني أعذبهم عذابًا شديدًا، أما في الدنيا فبالقتل والسباء والذلة والمسكنة، وأما في الآخرة فبنار جهنم خالدين فيها أبدًا =" وما لهم من ناصرين "، يقول: وما لهم من عذاب الله مانعٌ، ولا عن أليم عقابه لهم دافع بقوة ولا شفاعة، لأنه العزيز ذُو الانتقام.

وقوله : { فإما الذين كفروا فأعذبهم } إلى قوله { فنوفيهم أجورهم } تفصيل لما أجمل في قوله { فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } . وقوله { فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والأخرة } المقصود من هذا الوعيدِ هو عذاب الآخرة لأنه وقع في حَيز تفصيل الضمائر من قوله : { فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } وإنما يكون ذلك في الآخرة ، فذُكِر عذاب الدنيا هنا إدماج . فإن كان هذا مما خاطب الله به عيسى فهو مستعمل في صريح معناه ، وإن كان كلاماً من الله في القرآن خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمونَ ، صح أن يكون مراداً منه أيضاً التعريض بالمشركين في ظلمهم محمداً صلى الله عليه وسلم عن مكابرة منهم وحسد . وتقدم تفسير إسناد المحبة إلى الله عند قوله : قل إن كنتم تحبون الله في هذه السورة .وجملة { وما لهم من ناصرين } تذييل لجملة { أعذّبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة } أي ولا يجدون ناصرين ينصرونهم علينا في تعذيبهم الذي قدّره الله تعالى .واعلم أنّ قوله فأعذّبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة قضية جزئية لا تقتضي استمرار العذابين :فأما عذاب الدنيا فهو يجري على نظام أحوال الدنيا : من شدة وضعف وعدم استمرار ، فمعنى انتفاء الناصرين لهم منه انتفاءُ الناصرين في المدة التي قدّرها الله لتعذيبهم في الدنيا ، وهذا متفاوت ، وقد وَجَد اليهود ناصرين في بعض الأزمان مثل قصة استير في الماضي وقضية فلسطين في هذا العصر .وأما عذاب الآخرة : فهو مطلق هنا ، ومقيد في آيات كثيرة بالتأييد ، كما قال : { وما هم بخارجين من النار } [ البقرة : 167 ] .وجملة { والله لا يحب الظالمين } تذييل للتفصيل كله فهي تذييل ثاننٍ لجملة { فأعذبهم عذاباً شديداً } بصريح معناها ، أي أعذّبهم لأنهم ظالمون والله لا يحبّ الظالمين وتذييلٌ لجملة { وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات } إلى آخرها ، بكناية معناها؛ لأنّ انتفاء محبة الله الظالمين يستلزم أنه يحبّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلذلك يعطيهم ثوابهم وافياً .ومعنى كونهم ظالمين أنهم ظلَموا أنفسهم بكفرهم وظلَمَ النصارى الله بأن نقصوه بإثبات ولد له وظلموا عيسى بأن نسبوه ابناً للَّه تعالى ، وظلمه اليهود بتكذيبهم إياه وأذاهم .وعذاب الدنيا هو زوال الملك وضرب الذلة والمسكنة والجزية ، والتشريد في الأقطار ، وكونهم يعيشون تبعاً للناس ، وعذاب الآخرة هو جهنم . ومعنى { وما لهم من ناصرين } أنهم لا يجدون ناصراً يدفع عنهم ذلك وإن حاوله لم يظفَر به .
الآية 56 - سورة آل عمران: (فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين...)