تحتوي هذه الصفحة على جميع آيات سورة الأحقاف بالإضافة إلى تفسير جميع الآيات من قبل تنوير المقباس من تفسير ابن عباس (عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي). في الجزء الأول يمكنك قراءة سورة الأحقاف مرتبة في صفحات تماما كما هو موجود في القرآن. لقراءة تفسير لآية ما انقر على رقمها.
معلومات عن سورة الأحقاف
نوع سورة الأحقاف: مكية
عدد الآيات في سورة الأحقاف: 35
ترتيب سورة الأحقاف في القرآن الكريم: 46
ترتيب نزول الوحي: 66
اسم السورة باللغة الإنجليزية: The Dunes
أرقام الصفحات في القرآن الكريم: من الصفحة 502 إلى 506
Waothkur akha AAadin ith anthara qawmahu bialahqafi waqad khalati alnnuthuru min bayni yadayhi wamin khalfihi alla taAAbudoo illa Allaha innee akhafu AAalaykum AAathaba yawmin AAatheemin
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21(سيقت قصة هود وقومه مساق الموعظة للمشركين الذين كذبوا بالقرآن كما أخبر الله عنهم من أول هذه السورة في قوله : { والذين كفروا عما أنذروا معرضون } [ الأحقاف : 3 ] مع ما أعقبت به من الحجج المتقدمة من قوله : { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله } [ الأحقاف : 4 ] الذي يقابله قول هود { أن لا تعبدوا إلا الله } ثم قوله : { قل ما كنت بِدْعا من الرسل } [ الأحقاف : 9 ] الذي يقابله قوله : { وقد خَلَت النذُر من بين يديه ومن خلفه } ، ذلك كله بالموعظة بحال هود مع قومه . وسيقت أيضاً مساق الحجة على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى عناد قومه بذكر مثال لحالهم مع رسولهم بحال عاد مع رسولهم . ولها أيضاً موقع التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم على ما تلقاه به قومه من العناد والبهتان لتكون موعظة وتسلية معا يأخذ كل منها ما يليق به .ولا تجد كلمة أجمع للمعنيين مع كلمة { اذكر } لأنها تصلح لمعنى الذكر اللساني بأن يراد أن يذكر ذلك لقومه ، ولمعنى الذُكر بالضم بأن يتذكر تلك الحالة في نفسه وإن كانت تقدمت له وأمثالها لأن في التذكر مسلاة وإسوة كقوله تعالى : { اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد } في سورة ص ( 17 ( . وكلا المعنيين ناظر إلى قوله آنفاً قل ما كنت بدعاً من الرسل } فإنه إذا قال لهم ذلك تذكروا ما يعرفون من قصص الرسل مما قصّه عليهم القرآن من قبل وتذكر هو لا محالة أحوال رسل كثيرين ثم جاءت قصة هود مثالاً لذلك . ومشركو مكة إذا تذكروا في حالهم وحال عاد وجدوا الحالين متماثلين فيجدر بهم أن يخافوا من أن يصيبهم مثل ما أصابهم .والاقتصار على ذكر عاد لأنهم أول الأمم العربية الذين جاءهم رسول بعد رسالة نوح العامة وقد كانت رسالة هود ورسالة صالح قبل رسالة إبراهيم عليهم السلام ، وتأتي بعد ذكر قصتهم إشارة إجمالية إلى أمم أخرى من العرب كذبوا الرسل في قوله تعالى : { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى } [ الأحقاف : 27 ] الآية .وأخو عاد هو هود وتقدمت ترجمته في سورة الأعراف . وعبّر عنه هنا بوصفه دون اسمه العلَم لأن المراد بالذكر هنا ذكر التمثيل والموعظة لقريش بأنهم أمثال عاد في الإعراض عن دعوة رسول من أمتهم .والأخ يراد به المشارك في نسب القبيلة ، يقولون : يا أخا بني فلان ، ويا أخا العرب ، وهو المراد هنا وقد يراد بها الملازم والمصاحب ، يقال : أخو الحرب وأخو عزمات . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة « أنت أخونا ومولانا » وهو المراد في قوله تعالى : { كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون } [ الشعراء : 160 ، 161 ] .ولم يكن لوط من نسب قومه أهل سَدُوم .و { إذْ أنذر } اسم للزمن الماضي ، وهي هنا نصب على البدل من أخا عاد ، أي اذكر زمن إنذاره قومه فهي بدل اشتمال . وذكر الإنذار هنا دون الدعوة أو الارسال لمناسبة تمثيل حال قوم هود بحال قوم محمد صلى الله عليه وسلم فهو ناظر إلى قوله تعالى في أول السورة { والذين كفروا عما أنذروا معرضون } [ الأحقاف : 3 ] .والأحقاف : جمع حِقْف بكسر فسكون ، وهو الرمل العظيم المستطيل وكانت هذه البلاد المسماة بالأحقاف منازل عاد وكانت مشرفة على البحر بين عمان وعدن . وفي منتهى الأحقاف أرض حضرموت ، وتقدم ذكر عاد عند قوله تعالى : { وإلى عاد أخاهم هودا } في سورة الأعراف ( 65 ( .وجملة وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه } معترضة بين جملة { أنذر } وجملة { أن لا تعبدوا إلا الله } المفسرة بها . وقد فسرت جملة { أنذر } بجملة { لا تعبدوا إلا الله } الخ .و ( أن ( تفسيرية لأن { أنذر } فيه معنى القول دون حروفه .ومعنى { خلت النذر } سبقت النذر أي نذر رسل آخرين . والنذر : جمع نِذارة بكسر النون . و { من بين يديه ومن خلفه } بمعنى قريباً من زمانه وبعيداً عنه ، ف { مِن بين يديه } معناه القرب كما في قوله تعالى : { إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد } [ سبأ : 46 ] ، أي قبل العذاب قريباً منه قال تعالى : { وقروناً بين ذلك كثيراً } [ الفرقان : 38 ] ، وقال { ورسلاً لم نقصصهم عليك } [ النساء : 164 ] . وأما الذي من خلفه فنوح فقد قال هود لقومه { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } [ الأعراف : 69 ] ، وهذا مراعاة للحالة المقصود تمثيلها فهو ناظر إلى قوله تعالى : { قل ما كنت بِدْعا من الرسل } [ الأحقاف : 9 ] أي قد خلت من قبله رسل مثل ما خلت بتلك .وجملة { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } تعليل للنهي في قوله : { أن لا تعبدوا إلا الله } ، أي إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم بسبب شرككم . وعذاب اليوم العظيم يحتمل الوعيد بعذاب يوم القيامة وبعذاب يوم الاستئصال في الدنيا ، وهو الذي عجّل لهم . ووصف اليوم بالعظم باعتبار ما يحدث فيه من الأحداث العظيمة ، فالوصف مجاز عقلي .
Qaloo ajitana litafikana AAan alihatina fatina bima taAAiduna in kunta mina alssadiqeena
قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22(جواب عن قوله : { أن لا تعبدوا إلا الله } [ الأحقاف : 21 ] ، ولذلك جاء فعل { قالوا } مفصولاً على طريق المحاورة .والاستفهام إنكار . والمجيء مستعار للقصد بطلب أمر عظيم ، شبه طروّ الدعوة بعد أن لم يكن يدعو بها بمجيء جاء لم يكن في ذلك المكان .والأفك بفتح الهمزة : الصرَّف ، وأرادوا به معنى الترك ، أي لنترك عبادة آلهتنا . وهذا الإنكار تعريض بالتكذيب فلذلك فرع عليه { فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين } فصرحوا بتكذيبه بطريق المفهوم .والمعنى : ائتنا بالعذاب الذي تَعِدنا به ، أي عذاب اليوم العظيم ، وإنما صرَفوا مراد هود بالعذاب إلى خصوص عذاب الدنيا لأنهم لا يؤمنون بالبعث وبهذا يؤذن قوله بعده { فلما رأوه عارضاً } [ الأحقاف : 24 ] وقوله : { بل هو ما استعجلتم به } [ الأحقاف : 24 ] . وأرادوا : ائتنا به الآن لأن المقام مقام تكذيب بأن عبادة آلهتهم تجر لهم العذاب .و { من الصادقين } أبلغ في الوصف بالصدق من أن يقال : إن كنت صادقاً ، كما تقرر في قوله تعالى : { وكان من الكافرين } في سورة البقرة ( 34 ( ، أي إن كنت في قولك هذا من الذين صدَقوا ، أي فإن لم تأت به فما أنت بصادق فيه .
Qala innama alAAilmu AAinda Allahi waoballighukum ma orsiltu bihi walakinnee arakum qawman tajhaloona
قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23(لما جعلوا قولهم : { فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين } [ الأحقاف : 22 ] فصْلا بينهم وبينه فيما أنذرهم من كون عبادة غير الله توجب عذاب يوم عظيم ، كان الأمر في قولهم { فأتنا } مقتضياً الفور ، أي طلب تعجيله ليدل على صدقه إذ الشأن أن لا يتأخر عن إظهار صدقه لهم .وإسناد الإتيان بالعذاب إليه مجاز لأنه الواسطة في إتيان العذاب أن يدعو الله أن يعجّله ، أو جعلوا العذاب في مكنته يأتي به متى أراد ، تهكما به إذ قال لهم إنه مرسل من الله فجعلوا ذلك مقتضياً أن بينه وبين الله تعاوناً وتطاوعاً ، أي فلا تتأخر عن الإتيان به .وقد دل على هذا الاقتضاء قوله لهم حين نزول العذاب { بل هو ما استعجلتم به } [ الأحقاف : 24 ] فلذلك كان جوابه أنْ قال : { إنما العلم عند الله } أي علم وقت إتيان العذاب محفوظ عند الله لا يطلع عليه أحد ، فالتعريف في { العلم } للاستغراق العرفي ، أي علم المغيبات ، أو التعريف عوض عن المضاف إليه ، أي وقت العذاب . صلى الله عليه وسلم وهذا الجواب يجري على جميع الاحتمالات في معنى قولهم : { فأتِنا بما تَعِدُنا } لأن جميعها يقتضي أنه عالم بوقته .والحصر هنا حقيقي كقوله : { لا يُجَلِّيها لوقتها إلا هو } [ الأعراف : 187 ] والمقصود من هذا الحصر شموله نفي العلم بوقت العذاب عن المتكلم رداً على قولهم : { فأتنا بما تعدنا } .و { عند } هنا مجاز في الانفراد بالعلم ، أي فالله هو العالم بالوقت الذي يرسل فيه العذاب لحكمة في تأخيره .ومعنى { وأبلغكم ما أرسلت به } أنه بُعث مبلغاً أمر الله وإنذاره ولم يُبعث للإعلام بوقت حلول العذاب كقوله تعالى : { يسألونك عن الساعة أيان مرساها فِيمَ أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها إنما أنت منذر من يخشاها } [ النازعات : 42 45 ] ، فقوله : { أبلغكم ما أرسلت به } جملة معترضة بين جملة { إنما العلم عند الله } وجملة { ولكني أراكم قوماً تجهلون } .وموقع الاستدراك بقوله : { ولكني أراكم قوماً تجهلون } أنه عن قوله : { إنما العلم عند الله } ، أي ولكنكم تجهلون صفات الله وحِكمة إرساله الرسل ، فتحسبون أن الرسل وسائط لإنهاء اقتراح الخلق على الله أن يريهم العجائب ويساجلهم في الرغائب ، فمناط الاستدراك هو معمول خبر ( لكنّ ( وهو { قوماً تجهلون } ، والتقدير : ولكنكم قوم يَجهلون ، فإدخال حرف الاستدراك على ضمير المتكلم عدول عن الظاهر لئلا يبادرهم بالتجهيل استنزالاً لطائرهم ، فجعل جهلهم مظنوناً له لينظروا في صحة ما ظنه من عدمها . وإنما زيد { قوماً } ولم يقتصر على { تجهلون } للدلالة على تمكن الجهالة منهم حتى صارت من مقوّمات قوميتهم وللدلالة على أنها عمت جميع القبيلة كما قال لوط لقومه { أليس منكم رجل رشيد } [ هود : 78 ] .وقرأ الجمهور { وأبلّغكم } بتشديد اللام . وقرأه أبو عمرو بتخفيف اللام . يقال : بلّغ الخبر بالتضعيف وأبلغه بالهمز ، إذا جعله بالغاً .
Falamma raawhu AAaridan mustaqbila awdiyatihim qaloo hatha AAaridun mumtiruna bal huwa ma istaAAjaltum bihi reehun feeha AAathabun aleemun
فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24(الفاء لتفريع بقية القصة على ما ذكر منها ، أي فلما أراد الله إصابتهم بالعذاب ورأوهُ عارض قالوا : { هذا عارض } إلى آخره ، ففي الكلام تقدير يدل عليه السياق ، ويسمى التفريع فيه فصيحة ، وقد طوي ذكر ما حدث بين تكذيبهم هوداً وبين نزول العذاب بهم ، وذكر في كتب تاريخ العرب أنهم أصابهم قحط شديد سنين ، وأن هوداً فارقهم فخرج إلى مكة ومات بها ، وقد قيل إنه دفن في الحِجر حول الكعبة ، وتقدم في سورة الحجر .وقولهم : { هذا عارض ممطرنا } يشير إلى أنهم كانوا في حاجة إلى المطر . وورد في سورة هود ( 52 ( قول هود لهم : { ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يُرسِل السماء عليكم مدراراً } وقصتهم مبسوطة في تفسيرنا لسورة هود .وضمير رأوه } عائد إلى { ما تعَدِنا } [ الأحقاف : 22 ] ، وهو العذاب . وأطلق على المرئي ضمير العذاب لأن المَرئِي سبب العذاب وهو ما حملته الريح . و { عارضاً } حال منه ، والعارض : السحاب الذي يعترض جو السماء أي رأوه كالعارض . وليس المراد عارض المطر لأنه ليس كذلك وكيف قد أبطل قولهم : { هذا عارض ممطرنا } بقوله : { بل هو ما استعجلتم به ريح } . و { مستقبل أوديتهم } نعت ل { عارضاً } .والاستقبال : التوجه قبالة الشيء ، أي سائراً نحو أوديتهم .وأودية : جمع وادٍ جمعاً نادراً مثل نادٍ وأندية . ويطلق الواد على محلة القوم ونزلهم إطلاقاً أغلبياً لأنّ غالب منازلهم في السهول ومقارّ المياه . وفي حديث سعد بن معاذ بمكة بعد الهجرة وما جرى بينه وبين أبي جهل من تحاور ورفع صوته على أبي جهل فقال له أمية : لا ترفع صوتك على أبي الحكم سَيِّد أهل الوادي . وجمع الأودية باعتبار كثرة منازلهم وانتشارها .والعارض في قولهم : { هذا عارض ممطرنا } : السحاب العظيم الذي يعرض في الأفق كالجبل ، و { ممطرنا } نعت ل { عارض } .وقوله : { بل هو ما استعجلتم به } مقول لقول محذوف ، يجوز أن يكون من قول هود إن كان هود بين ظَهرانيهم ولم يكن خرج قبل ذلك إلى مكة أو هو من قول بعض رجالهم رأى مخائل الشرّ في ذلك السحاب . قيل : القائل هو بكر بن معاوية من قوم عاد . قال لما رآه : «إني لأَرى سحاباً مرمداً لا تدع من عاد أحداً» لعله تبين له الحق من إنذار هود حين رأى عارضاً غير مألوف ولم ينفعه ذلك بعد أن حلّ العذاب بهم ، أو كان قد آمن من قبل فنجّاه الله من العذاب بخارق عادة . وإنّما حذف فعل القول لتمثيل قائل القول كالحاضر وقت نزول هذه الآية ، وقد سمع كلامهم وعلم غرورهم فنطق بهذا الكلام ترويعاً لهم . وهذا من استحضار الحالة العجيبة كقول مالك بن الريب :دعاني الهوى من أهل وُدِّي وجِيرتي ... بذي الشَّيِّطَيْن فالتفتُّ ورائيافتخيل داعياً يدعوه فالتفت ، وهذا من التخيّل في الكلام البليغ .وجعل العذاب مظروفاً في الريح مبالغة في التسبب لأن الظرفيّة أشدّ ملابسة بين الظرف والمظروف من ملابسة السبب والمسبب .
Tudammiru kulla shayin biamri rabbiha faasbahoo la yura illa masakinuhum kathalika najzee alqawma almujrimeena
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25(والتدمير : الإهلاك ، وقد تقدم .و { كل شيء } مستعمل في كثرة الأشياء فإن ( كُلاَّ ( تأتي كثيراً في كلامهم بمعنى الكثرة . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ولو جاءتهم كل آية } في سورة يونس ( 97 ( .والمعنى : تدمر ما من شأنه أن تُدمره الريح من الإنسان والحيوان والديار .وقوله : بأمر ربها } حال من ضمير { تدمر } . وفائدة هذه الحال تقريب كيفية تدميرها كلَّ شيء ، أي تدميراً عجيباً بسبب أمر ربها ، أي تسخيره الأشياء لها فالباء للسببية . وأضيف الرب إلى ضمير الريح لأنها مسخرّة لأمر التكوين الإلهي فالأمر هنا هو أمر التكوين .{ فأصبحوا } أي صاروا ، وأصبح هنا من أخوات صار . وليس المراد : أن تدميرهم كان ليلاً فإنهم دمّروا أياماً وليالي ، فبعضهم هلك في الصباح وبعضهم هلك مساء وليلاً .والخطاب في قوله : { لا ترى } لمن تتأتّى منه الرؤية حينئذٍ إتماماً لاستحضار حالة دمارهم العجيبة حتى كأن الآية نازلة في وقت حدوث هذه الحادثة .والمراد بالمساكن : آثارها وبقاياها وأنقاضها بعد قلع الريح معظمها . والمعنى : أن الريح أتت على جميعهم ولم يبق منهم أحد من ساكني مساكنهم .وقوله : { كذلك نجزي القوم المجرمين } أي مثل جزاء عاد نجزي القوم المجرمين ، وهو تهديد لمشركي قريش وإنذار لهم وتوطئة لقوله : { ولقد مكناهم فيما إن مكَّنَّاكم فيه } [ الأحقاف : 26 ] .وقرأ الجمهور { لا ترى } بالمثناة الفوقية مبنياً للفاعل وبنصب { مساكنهم } وقرأه عاصم وحمزة وخلف بياء تحتية مبنياً للمجهول وبرفع { مساكنُهم } وأجرى على الجمع صيغة الغائب المفرد لأن الجمع مستثنى ب { إلاّ } وهي فاصلة بينه وبين الفعل .
Walaqad makkannahum feema in makkannakum feehi wajaAAalna lahum samAAan waabsaran waafidatan fama aghna AAanhum samAAuhum wala absaruhum wala afidatuhum min shayin ith kanoo yajhadoona biayati Allahi wahaqa bihim ma kanoo bihi yastahzioona
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26(هذا استخلاص لموعظة المشركين بمَثَل عاد ، ليعلموا أن الذي قدَر على إهلاك عاد قادر على إهلاك مَن هم دونهم في القوة والعدد ، وليعلموا أن القوم كانوا مثلهم مستجمعين قوى العقل والحسّ وأنهم أهملوا الانتفاع بقواهم فجحدوا بآيات الله واستهزؤوا بها وبوعيده فحاق بهم ما كانوا يستهزئون به ، وقريش يعلمون أن حالهم مثل الحال المحكيّة عن أولئك فليتهيّأوا لما سيحلّ بهم . ولإفادة هذا الاستخلاص غُيّر أسلوب الكلام إلى خطاب المشركين من أهل مكة ، فالجملة في موضع الحال من واو الجماعة في { قالوا أجئتنا } [ الأحقاف : 22 ] والخبر مستعمل في التعجيب من عدم انتفاعهم بمواهب عقولهم . وتأكيد هذا الخبر بلام القسم مع أن مفاده لا شك فيه مصروف إلى المبالغة في التعجيب .والتمكين : إعطاء المَكِنة ( بفتح الميم وكسر الكاف ( وهي القدرة والقوة . يقال : مكُن من كذا وتمكن منه ، إذا قدر عليه . ويقال : مكَّنه في كذا ، إذا جعل له القدرة على مدخول حرف الظرفية فيفسر بما يليق بذلك الظرف قال تعالى : { مكنّاهم في الأرض ما لم نمكن لهم } في سورة الأنعام ( 6 ( .فالمعنى : جعلنا لهم القدرة في الذي لم نمكنكم فيه ، أي من كل ما يمكّن فيه الأقوام والأمم ، وتقدم عند قوله تعالى : { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكَّنَّاهم في الأرض } في أول الأنعام ( 6 ( فضمّ إليه ما هنا .و ( ما ( من قوله فيما } موصولة . و { إن } نافية ، أي في الذي ما مَكَّناكم فيه .ومعنى مكناكم فيه : مكناكم في مثله أو في نوعه فإن الأجناس والأنواع من الذوات حقائق معنوية لا تتغير مواهبها وإنما تختلف بوجودها في الجزئيات ، فلذلك حسن تعدية فعل { مكناكم } بحرف الظرفية إلى ضمير اسم الموصول الصادق على الأمور التي مُكنت منها عاد . ومن بديع النظم أن جاء النفي هنا بحرف { إنْ } النافية مع أنَّ النفي بها أقل استعمالا من النفي ب ( ما ( النافية قصداً هنا لدفع الكراهة من توالي مثلين في النطق وهما ( ما ( الموصولة و ( ما ( النافية وإن كان معناهما مختلفاً ، ألا ترى أن العرب عوضوا الهاء عن الألف في ( مهما ( ، فإن أصلها : ( ما ما ( مركبة من ( ما ( الظرفية و ( ما ( الزائدة لإفادة الشرط مثل ( أينما ( . قال في «الكشاف» : ولقد أغَثَّ أبو الطيب في قوله :لعمرك مَا مَا بَان منك لِضَاربٍ ... وأقول ولم يتعقب ابن جنّي ولا غيره ممّن شرح الديوان من قبل على المتنبي وقد وقع مثله في ضرورات شعر المتقدمين كقول خطام المجاشعي :وَصَاليات كَكَمَا يُؤثفَيْنْ ... ولا يغتفر مثله للمولدين .فأما إذا كانت ( ما ( نافية وأراد المتكلم تأكيدها تأكيداً لفظياً ، فالإتيان بحرف ( إنْ ( بعد ( ما ( أحرى كما في قول النابغة :رماد ككحل العين ما إنْ أبينُه ... ونؤيٌ كجذم الحوض أثلم خاشعوفائدة قوله : { وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة } أنهم لم ينقصهم شيء من شأنه أي يخلّ بإدراكهم الحق لولا العناد ، وهذا تعريض بمشركي قريش ، أي أنكم حرمتم أنفسكم الانتفاع بسمعكم وأبصاركم وعقولكم كما حُرموه ، والحالة متحدة والسبب متّحد فيوشك أن يكون الجزاء كذلك . وإفراد السمع دون الأبصار والأفئدة للوجه الذي تقدم في قوله : { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } في سورة الأنعام ( 46 ( وقوله : { أم مَن يملك السمع والأبصار } في سورة يونس ( 31 ( .ومِن } في قوله : { من شيء } زائدة للتنصيص على انتفاء الجنس فلذلك يكون { شيء } المجرور ب { من } الزائدة نائباً عن المفعول المطلق لأن المراد بشيء من الإغناء ، وحق { شيء } النصب وإنما جُرّ بدخول حرف الجر الزائد .و { إذْ } ظرف ، أي مدة جحودهم وهو مستعمل في التعليل لاستواء مؤدى الظرف ومؤدى التعليل لأنه لما جعل الشيء من الإغناء معلقاً نفيُه بزمان جحدهم بآيات الله كما يستفاد من إضافة { إذْ } إلى الجملة بعدها ، عُلم أن لذلك الزمان تأثيراً في نفي الإغناء .وآيات الله دلائل إرادته من معجزات رسولهم ومن البراهين الدالة على صدق ما دعاهم إليه . وقد انطبق مثالهم على حال المشركين فإنهم جحدوا بآيات الله وهي آيات القرآن لأنها جَمَعت حقيقة الآيات بالمعنيين .وحاق بهم : أحاط بهم { وما كانوا به يستهزئون } العذاب ، عدل عن اسمه الصريح إلى الموصول للتنبيه على ضلالهم وسوء نظرهم .
Walaqad ahlakna mahawlakum mina alqura wasarrafna alayati laAAallahum yarjiAAoona
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27(أتبع ضرب المثل بحال عاد مع رسولهم بأن ذلك المثل ليس وحيداً في بابه فقد أهلك الله أقواماً آخرين من مجاوريهم تُماثل أحوالهم أحوال المشركين ، وذكَّرهم بأن قراهم قريبة منهم يعرفها من يعرفونها ويسمع عنها الذين لم يروها ، وهي قرى ثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة وسبَأ وقوم تبع ، والجملة معطوفة على جملة { واذكر أخا عاد } [ الأحقاف : 21 ] الخ . وكنِّي عن إهلاك الأقوام بإهلاك قراهم مبالغة في استئصالهم لأنه إذا أهلكت القرية لم يبق أحد من أهلها كما كنّى عنترة بشك الثياب عن شك الجسد في قوله :فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ومنه قوله تعالى : { وثيابك فطهّر } [ المدثر : 4 ] .وتصريف الآيات تنويعها باعتبار ما تدّل عليه من الغرض المقصود منها وهو الإقلاع عن الشرك وتكذيب الرسل ، وأصل معنى التصريف التغيير والتبديل لأنه مشتق من الصرف وهو الإبعاد . وكنّي به هنا عن التبيين والتوضيح لأن تعدد أنواع الأدلة يزيد المقصود وضوحاً . ومعنى تنويع الآيات أنها تارة تكون بالحجة والمجادلة النظرية ، وتارة بالتهديد على الفعل ، وأخرى بالوعيد ، ومرة بالتذكير بالنعم وشكرها . وجملة { لعلهم يرجعون } مستأنفة لإنشاء الترجّي وموقعها موقع المفعول لأجله ، أي رجاء رجوعهم .والرجوع هنا مجاز عن الإقلاع عمّا هم فيه من الشرك والعناد ، والرجاء من الله تعالى يستعمل مجازاً في الطلب ، أي توسعة لهم وإمهالاً ليتدبروا ويتّعظوا . وهذا تعريض بمشركي أهل مكة فهم سواء في تكوين ضروب تصريف الآيات زيادة على ما صرف لهم من آيات إعجاز القرآن والكلام على ( لعل ( في كلام الله تقدم في أوائل البقرة .
Falawla nasarahumu allatheena ittakhathoo min dooni Allahi qurbanan alihatan bal dalloo AAanhum wathalika ifkuhum wama kanoo yaftaroona
فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28(تفريع على ما تقدم من الموعظة بعذاب عاد المفصَّل ، وبعذاب أهل القرى المُجمل ، فرع عليه توبيخ موجه إلى آلهتهم إذ قعدوا عن نصرهم وتخليصهم قدرة الله عليهم ، والمقصود توجيه التوبيخ إلى الأمم المهلكة على طريقة توجيه النهي ونحوه لغير المنهي ليجتنب المنهيُّ أسبابَ المنهيِّ عنه كقولهم لا أعرفنك تفعل كذا ، ولا أرينَّك هنا . والمقصود بهذا التوبيخ تخطئة الأمم الذين اتخذوا الأصنام للنِصرِ والدفع وذلك مستعمل تعريضاً بالسامعين المماثلين لهم في عبادة آلهة من دون الله استتماماً للموعظة والتوبيخخِ بطريق التنظير وقياس التمثيل ، ولذلك عقب بقوله : { بل ضلّوا عنهم } لأن التوبيخ آل إلى معنى نفي النصر .وحرف { لولا } إذا دخل على جملة فعلية كان أصله الدلالة على التحْضيض ، أي تحْضيض فاعل الفعل الذي بعد { لولا } على تحصيل ذلك الفعل ، فإذا كان الفاعل غير المخاطب بالكلام كانت { لولا } دالة على التوبيخ ونحو إذ لا طائل في تحضيض المخاطب على فعل غيره .والإتيان بالموصول لما في الصلة من التنبيه على الخطإ والغلط في عبادتهم الأصنام فلم تغن عنهم شيئاً ، كقول عبدة بن الطّبيب :إنَّ الذين تُرَوْنَهُم إخوانكم ... يَشفِي غَليل صدورهم أن تُصْرَعواوعوملت الأصنام معاملة العقلاء بإطلاق جمع العقلاء عليهم جرياً على الغالب في استعمال العرب كما تقدم غير مرة .و { قُرباناً } مصدر بوزن غُفران ، منصوبٌ على المفعول لأجله حكاية لزعمهم المعروف المحكي في قوله تعالى : { والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليُقربونا إلى الله زُلفَى } [ الزمر : 3 ] . وهذا المصدر معترض بين { اتخذوا } ومفعوله ، و { من دون الله } يتعلق ب { اتخذوا } . و { دون } بمعنى المباعدة ، أي متجاوزين الله في اتخاذ الأصنام آلهة وهو حكاية لحالهم لزيادة تشويهها وتشبيعها .و { بل } بمعنى لكن إضراباً واستدراكاً بعد التوبيخ لأنه في معنى النفي ، أي ما نصرهم الذين اتخذوهم آلهة ولا قَربوهم إلى الله ليدفع عنهم العذاب ، بل ضلُّوا عنهم ، أي بل غابوا عنهم وقت حلول العذاب بهم .والضلال أصله : عدم الاهتداء للطريق واستعير لعدم النفع بالحضور استعارة تهكمية ، أي غابوا عنهم ولو حضروا لنصروهم ، وهذا نظير التهكم في قوله تعالى : { وقيل ادعوا شركاءَكم فدَعوْهُم فلم يستجيبوا لهم } في سورة القصص ( 64 ( .وأما قوله : وذلك إفكهم } فهو فذلكة لجملة { فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله } الخ وقرينة على الاستعارة التهكمية في قوله : { ضلوا عنهم } . والإشارة ب { ذلك } إلى ما تضمنه قوله : { الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة } من زعم الأصنام آلهة وأنها تقربهم إلى الله ، والإفك بكسر الهمزة .والافتراء : نوع من الكذب وهو ابتكار الأخبار الكاذبة ويرادف الاختلاق لأنه مشتق من فَرِي الجلد ، فالافتراء الكذب الذي يقوله ، فعطف { ما كانوا يفترون } على { إفكهم } عطف الأخص على الأعم ، فإن زعمهم الأصنام شركاء لله كذب مروي من قبل فهو إفك . وأما زعمهم أنها تقرِّبهم إلى الله فذلك افتراء اخترعوه .وإقحام فعل { كانوا } للدلالة على أن افتراءهم راسخ فيهم . ومجيء { يفترون } بصيغة المضارع للدلالة على أن افتراءهم متكرر .