سورة الأنعام: الآية 165 - وهو الذي جعلكم خلائف الأرض...

تفسير الآية 165, سورة الأنعام

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَٰتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌۢ

الترجمة الإنجليزية

Wahuwa allathee jaAAalakum khalaifa alardi warafaAAa baAAdakum fawqa baAAdin darajatin liyabluwakum fee ma atakum inna rabbaka sareeAAu alAAiqabi wainnahu laghafoorun raheemun

تفسير الآية 165

والله سبحانه هو الذي جعلكم تخلفون من سبقكم في الأرض بعد أن أهلكهم الله، واستخلفكم فيها؛ لتعمروها بعدهم بطاعة ربكم، ورفع بعضكم في الرزق والقوة فوق بعض درجات، ليبلوكم فيما أعطاكم من نعمه، فيظهر للناس الشاكر من غيره. إن ربك سريع العقاب لمن كفر به وعصاه، وإنه لغفور لمن آمن به وعمل صالحا وتاب من الموبقات، رحيم به، والغفور والرحيم اسمان كريمان من أسماء الله الحسنى.

«وهو الذي جعلكم خلائف الأرض» جمع خليفة: أي يخلف بعضكم بعضا فيها «ورفع بعضكم فوق بعض درجات» بالمال والجاه وغير ذلك «ليبلوكم» ليختبركم «فيما آتاكم» أعطاكم ليظهر المطيع منكم والعاصي «إن ربك سريع العقاب» لمن عصاه «وإنه لغفور» للمؤمنين «رحيم» بهم.

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ أي: يخلف بعضكم بعضا، واستخلفكم الله في الأرض، وسخَّر لكم جميع ما فيها، وابتلاكم، لينظر كيف تعملون. وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ في القوة والعافية، والرزق والخَلْق والخُلُق. لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ فتفاوتت أعمالكم. إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ لمن عصاه وكذّب بآياته وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن آمن به وعمل صالحا، وتاب من الموبقات. آخر تفسير سورة الأنعام، فلله الحمد والثناء وصلى الله وسلم على نبينا محمد [وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين] .

يقول تعالى : ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) أي : جعلكم تعمرون الأرض جيلا بعد جيل ، وقرنا بعد قرن ، وخلفا بعد سلف . قاله ابن زيد وغيره ، كما قال : ( ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ) [ الزخرف : 60 ] ، وكقوله تعالى : ( ويجعلكم خلفاء الأرض ) [ النمل : 62 ] ، وقوله ( إني جاعل في الأرض خليفة ) [ البقرة : 30 ] ، وقوله ( عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ) [ الأعراف : 129 ] .وقوله : ( ورفع بعضكم فوق بعض درجات ) أي : فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق ، والمحاسن والمساوئ ، والمناظر والأشكال والألوان ، وله الحكمة في ذلك ، كقوله : ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) [ الزخرف : 32 ] ، وقوله تعالى : ( انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) [ الإسراء : 21 ] .وقوله : ( ليبلوكم في ما آتاكم ) أي ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به ، ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره ، والفقير في فقره ويسأله عن صبره .وقد روى مسلم في صحيحه ، من حديث أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون ، فاتقوا الدنيا ، واتقوا النساء ، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء "وقوله : ( إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ) ترهيب وترغيب ، أن حسابه وعقابه سريع ممن عصاه وخالف رسله ( وإنه لغفور رحيم ) لمن والاه واتبع رسله فيما جاءوا به من خير وطلب .وقال محمد بن إسحاق : يرحم العباد على ما فيهم . رواه ابن أبي حاتم .وكثيرا ما يقرن تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين ، كما قال تعالى : وقوله : ( نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ) [ الحجر : 49 ، 50 ] ، وقوله : ( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ) [ الرعد : 6 ] وغير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب ، فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه ، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها ، وتارة بهذا وبهذا لينجع في كل بحسبه . جعلنا الله ممن أطاعه فيما أمر ، وترك ما عنه نهى وزجر ، وصدقه فيما أخبر ، إنه قريب مجيب سميع الدعاء ، جواد كريم وهاب .وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا زهير ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بالجنة أحد ، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من الجنة أحد ، خلق الله مائة رحمة فوضع واحدة بين خلقه يتراحمون بها ، وعند الله تسعة وتسعون "ورواه الترمذي ، عن قتيبة ، عن عبد العزيز الدراوردي ، عن العلاء به . وقال : حسن صحيح . ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى وقتيبة وعلي بن حجر ، ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء .آخر تفسير سورة الأنعام ولله الحمد والمنة.

ثم ختمت السورة بهذه الآية وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ أى: خلائف القرون الماضية، فأورثكم أرضهم لتخلفوهم فيها وتعمروها بعدهم.وخلائف: جمع خليفة، وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة، لأنه يخلفه.وقوله: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ أى: فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوئ والمناظر والأشكال والألوان وغير ذلك.ثم بين- سبحانه- العلة في ذلك فقال: لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ أى: ليختبركم في الذي أنعم به عليكم، يختبر الغنى في غناه ويسأله عن شكره، ويختبر الفقير في فقره ويسأله عن صبره.وفي الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم عن أبى سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدنيا حلوة خضرة. وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء» .ثم رهب- سبحانه- من معصيته، ورغب في طاعته فقال. إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ لمن عصاه وخالف رسله. وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن أطاعه واتبع سبيل المؤمنين الصادقين.أما بعد: فهذه هي سورة الأنعام التي عالجت من مبدئها إلى نهايتها قضية العقيدة بكل مقوماتها علاجا قويا حكيما يهدى إلى الرشد لمن عنده الاستعداد لذلك، والتي طوفت بالنفس البشرية في الكون كله لترشدها إلى خلق هذا الكون، وتجعلها تستجيب له وتنتفع بما منحها من نعم، والتي كشفت عن مواطن الشرك ومظاهره في كل مظانه ومكانه. لتدمغه وتدحضه وتخلص النفس البشرية والحياة الإنسانية من أمراضه وأدرانه.تلك هي سورة الأنعام التي نزلت مشيعة بالملإ العظيم من الملائكة وذلك تفسير تحليلي لها، لا نزعم أننا استقصينا فيه كل ما يتعلق بهذه السورة الكريمة، من توجيهات وهدايات، وإنما هو قبسات من نور القرآن الكريم، نرجو الله أن ينفع به، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم.رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) يعني : أهلك أهل القرون الماضية وأورثكم الأرض يا أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من بعدهم ، فجعلكم خلائف منهم فيها تخلفونهم فيها وتعمرونها بعدهم ، والخلائف جمع خليفة كالوصائف جمع وصيفة ، وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة لأنه يخلفه . ( ورفع بعضكم فوق بعض درجات ) أي : خالف بين أحوالكم فجعل بعضكم فوق بعض في الخلق والرزق والمعاش والقوة والفضل ، ( ليبلوكم في ما آتاكم ) ليختبركم فيما رزقكم ، يعني : يبتلي الغني والفقير والشريف والوضيع والحر والعبد ، ليظهر منكم ما يكون عليه من الثواب والعقاب ، ( إن ربك سريع العقاب ) لأن ما هو آت فهو سريع قريب ، قيل : هو الهلاك في الدنيا ، ( وإنه لغفور رحيم ) قال عطاء : سريع العقاب لأعدائه غفور لأوليائه رحيم بهم .

قوله تعالى وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيمقوله تعالى وهو الذي جعلكم خلائف الأرض خلائف جمع خليفة ، ككرائم جمع كريمة . وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة . أي جعلكم خلفا للأمم الماضية والقرون السالفة . قال الشماخ : تصيبهم وتخطئني المنايا وأخلف في ربوع عن ربوعورفع بعضكم فوق بعض في الخلق والرزق والقوة والبسطة والفضل والعلم .درجات نصب بإسقاط الخافض ، أي إلى درجات .ليبلوكم في ما آتاكم نصب بلام كي . والابتلاء الاختبار ; أي ليظهر منكم ما يكون غايته الثواب والعقاب . ولم يزل بعلمه غنيا ; فابتلى الموسر بالغنى وطلب منه الشكر ، وابتلى المعسر بالفقر وطلب منه الصبر . ويقال : ليبلوكم أي بعضكم ببعض . كما قال : وجعلنا بعضكم لبعض فتنة على ما يأتي بيانه . ثم خوفهم فقال : إن ربك سريع العقاب لمن عصاه .وإنه لغفور رحيم لمن أطاعه . وقال : سريع العقاب مع وصفه سبحانه بالإمهال ، ومع أن عقاب النار في الآخرة ; لأن كل آت قريب ; فهو سريع على هذا . كما قال تعالى : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب . وقال يرونه بعيدا ونراه قريبا . ويكون أيضا سريع العقاب لمن استحقه في دار الدنيا ; فيكون تحذيرا لمواقع الخطيئة على هذه الجهة . والله أعلم .تمت سورة الأنعام بحمد الله تعالى وصلواته على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

القول في تأويل قوله : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأمته: والله الذي جعلكم، أيها الناس، (خلائفَ الأرض)، بأن أهلك مَنْ كان قبلكم من القرون والأمم الخالية, واستخلفكم، فجعلكم خلائف منهم في الأرض, تخلفونهم فيها, وتعمرُونها بعدَهم .* * *و " الخلائف " جمع " خليفة ", كما " الوصائف " جمع " وصيفة ", وهي من قول القائل: " خَلَف فلان فلانًا في داره يخلُفه خِلافة، فهو خليفة فيها ", (88) كما قال الشماخ:تُصِيبُهُمُ وَتُخْطِئُنِي المَنَاياوَأَخْلُفُ فِي رُبُوعٍ عَنْ رُبُوعِ (89)وذلك كما:-14308- حدثني الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض)، قال: أما " خلائف الأرض "، فأهلك القرون واستخلفنا فيها بعدهم .* * *وأما قوله: (ورفع بعضكم فوق بعض درجات)، فإنه يقول: وخالف بين أحوالكم, فجعل بعضكم فوق بعض, بأن رفع هذا على هذا، بما بسط لهذا من الرزق ففضّله بما أعطاه من المال والغِنى، على هذا الفقير فيما خوَّله من أسباب الدنيا, وهذا على هذا بما أعطاه من الأيْد والقوة على هذا الضعيف الواهن القُوى, فخالف بينهم بأن رفع من درجة هذا على درجة هذا، وخفض من درجة هذا عن درجة هذا . (90) وذلك كالذي:-14309- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ورفع بعضكم فوق بعض درجات)، يقول: في الرزق .* * *وأما قوله: (ليبلوكم في ما آتاكم)، فإنه يعني: ليختبركم فيما خوَّلكم من فضله ومنحكم من رزقه, (91) فيعلم المطيع له منكم فيما أمره به ونهاه عنه، والعاصي؛ ومن المؤدِّي مما آتاه الحق الذي أمره بأدائه منه، والمفرِّط في أدائه .* * *القول في تأويل قوله : إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " إن ربك "، يا محمد، لسريع العقاب لمن أسخطه بارتكابه معاصيه، وخلافه أمره فيما أمره به ونهاه, ولمن ابتلى منه فيما منحه من فضله وطَوْله, تولِّيًا وإدبارًا عنه, مع إنعامه عليه، وتمكينه إياه في الأرض, كما فعل بالقرون السالفة =(وإنه لغفور) ، يقول: وإنه لساتر ذنوبَ مَنْ ابتلى منه إقبالا إليه بالطاعة عند ابتلائه إياه بنعمة, واختباره إياه بأمره ونهيه, فمغطٍّ عليه فيها، وتارك فضيحته بها في موقف الحساب =(رحيم) بتركه عقوبته على سالف ذنوبه التي سلفت بينه وبينه، إذ تاب وأناب إليه قبل لقائه ومصيره إليه. (92)* * *آخر تفسير سورة الأنعام----------------------الهوامش :(88) انظر تفسير (( الخليفة )) فيما سلف 1 : 449 - 453 .(89) ديوانه 58 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 209 ، واللسان ( ربع ) ، من قصيدته التي قالها لامرأته عائشة ، وكانت تلومه على طول تعهده ماله ، أولها :أَعَائِشَ ، مَا لِقَوْمِكِ لا أَرَاهُمْيُضِيعُونَ الهِجَانَ مَعَ المُضِيعِيقول : لها تلوميني على إصلاح مالي ، فمالي أرى قومك يقترون على أنفسهم ، ولا يهلكون أموالهم في الكرم والسخاء ؟ ثم يقول لها بعد أبيات :لَمَالُ الْمَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِيمَفَاقِرَهُ ، أَعَفُّ مِنَ القُنُوعِو (( القنوع )) ، السؤال . وقوله : (( وأخلف في ربوع ... )) ، (( الربوع )) جمع (( ربع وهو جماعة الناس الذين ينزلون (( ربعا )) يسكنونه ، يقول : أبقي في قوم بعد قوم . وعندي أن هذا البيت قلق في قصيدة الشماخ ، سقط قبله شيء من شعره .(90) انظر تفسير (( الدرجة )) فيما سلف ص : 25 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .(91) انظر تفسير (( الابتلاء )) فيما سلف 10 : 582 ، تعليق : 1 والمراجع هناك .= تفسير (( الإيتاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أتى ) .(92) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة .* * *عند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلته عنه نسختنا ، وفيها ما نصه :(( آخر تفسير سورة الأنعام والحمد لله كما هو أهله ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله يتلوه تفسير السورة التي يذكر فيها الأعراف )) .

يَظهر أنّ هذا دليل على إمكان البعث ، وعلى وقوعه ، لأنّ الذي جعل بعض الأجيال خلائف لما سبَقَها ، فعمَروا الأرض جيلاً بعد جيل ، لا يُعجزه أن يحشرها جميعاً بعد انقضاء عالم حياتها الأولى . ثمّ إنّ الذي دبَّر ذلك وأتقنه لا يليق به أن لا يقيم بينهم ميزان الجزاء على ما صنعوا في الحياة الأولى لئلا يذهب المعتدون والظّالمون فائزين بما جنوا ، وإذا كان يقيم ميزان الجزاء على الظّالمين فكيف يترك إثابة المحسنين ، وقد أشار إلى الشقّ الأول قوله : { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض } ، وأشار إلى الشقّ الثّاني قوله : { ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلونكم في ما آتاكم }.ولذلك أعقبه بتذييله : { إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم }.فالخطابُ موجَّه إلى المشركين الذين أمِر الرّسولُ عليه الصلاة والسلام بأن يقول لهم : { أغير الله أبغي رباً } [ الأنعام : 164 ] ؛ وذلك يذكّر بأنَّهم سيصيرون إلى ما صار إليه أولئك . فموقع هذه عقب قوله : { ثم إلى ربكم مرجعكم } [ الأنعام : 164 ] تذكير بالنّعمة ، بعد الإنذار بسلبها ، وتحريض على تدارك ما فات ، وهو يفتح أعينهم للنّظر في عواقب الأمم وانقراضها وبقائها .ويجوز أن يكون الخطاب للرّسول عليه الصّلاة والسّلام والأمّة الإسلاميّة ، وتكون الإضافة على معنى اللام ، أي جعلكم خلائف الأمم التي ملكتْ الأرض فأنتم خلائفُ للأرض ، فتكون بشارة للأمّة بأنَّها آخر الأمم المجعولة من الله لتعمير الأرض . والمراد : الأمم ذوات الشّرائع الإلهيّة وأياً ما كان فهو تذكير بعظيم صنع الله ومنّته لاستدعاء الشّكر والتّحذير من الكفر .والخلائف : جمع خليفة ، والخليفة : اسم لما يُخلف به شيء ، أي يجعل خلفاً عنه ، أي عوضَه ، يقال : خليفة وخِلْفة ، فهو فَعيل بمعنى مفعول ، وظهرت فيه التّاء لأنَّهم لما صيّروه اسماً قطعوه عن موصوفه .وإضافته إلى الأرض على معنى ( في ) على لوجه الأوّل ، وهو كون الخَطاب للمشركين ، أي خلائف فيها ، أي خلف بكم أمماً مضت قبلكم كما قال تعالى حكاية عن الرّسل في مخاطبة أقوامهم : { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } [ الأعراف : 69 ] { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد } [ الأعراف : 74 ] { عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون } [ الأعراف : 129 ]. والإضافة على معنى اللام على الوجه الثّاني وهو كون الخطاب للمسلمين .وفي هذا أيضاً تذكير بنعمة تتضمّن عبرة وموعظة : وذلك أنَّه لمّا جعلهم خلائف غيرهم فقد أنشأهم وأوجدهم على حين أعدم غيرهم ، فهذه نعمة ، لأنَّه لو قدّر بقاء الأمم التي قبلها لما وُجد هؤلاء .وعطْف قوله : { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } يجري على الاحتمالين في المخاطب بقوله : { جعلكم خلائف الأرض } فهو أيضاً عبرة وعِظة ، لعدم الاغترار بالقوّة والرّفعة ، ولجعل ذلك وسيلة لشكر تلك النّعمة والسّعي في زيادة الفضل لمن قصّر عنها والرّفق بالضّعيف وإنصاف المظلوم .ولذلك عقّبه بقوله : { ليبلونكم ما آتاكم } أي ليَخْبُركم فيما أنعم به عليكم من درجات النّعم حتّى يظهر للنّاس كيف يضع أهل النّعمة أنفسهم في مواضعها اللائقة بها وهي المعبّر عنها بالدّرجات . والدّرجات مستعارة لتفاوت النّعم . وهي استعارة مبنيّة على تشبيه المعقول بالمحسوس لتقريبه .والإيتاء مستعار لتكوين الرّفعة في أربابها تشبيهاً للتكوين بإعطاء المعطي شيئاً لغيره .والبلْو : الاختبار ، وقد تقدّم عند قوله تعالى : { ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع } [ البقرة : 155 ]. والمراد به ظهور موازين العقول في الانتفاع والنّفع بمواهب الله فيها وما يسرّه لها من الملائمات والمساعدات ، فالله يعلم مراتب النّاس ، ولكن سمّى ذلك بَلْوى لأنَّها لا تظهر للعيان إلاّ بعد العمل ، أي ليعلمه الله علم الواقعات بعد أن كان يعلمه علم المقدرات ، فهذا موقع لام التّعليل ، وقريب منه قول إياس بن قبيصَة الطائي: ... وأقبلتُ والخطيّ يخطر بيننالأعلم مَنْ جَبانها مِن شُجاعها ... وجملة : { إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم } تذييل للكلام وإيذان بأنّ المقصود منه العمل والامتثال فلذلك جمع هنا بين صفة { سريع العقاب } وصفة { لغفور } ليناسب جميع ما حوته هذه السّورة .واستعيرت السّرعة لعدم التردّد ولتمام المقدرة على العقاب ، لأنّ شأن المتردّد أو العاجز أن يتريّث وأن يخشى غائلة المعاقَب ، فالمراد سريع العقاب في يوم العقاب ، وليس المراد سريعه من الآن حتّى يؤوّل بمعنى : كلّ آت قريب ، إذ لا موقع له هنا .ومن لطائف القرآن الاقتصار في وصف ( سريع العقاب ) على موكِّد واحد ، وتعزيز وصف ( الغفور الرحيم ) بمؤكدات ثلاثة وهي إنّ ، ولام الابتداء ، والتّوكيد اللّفظي؛ لأنّ ( الرّحيم ) يؤكِّد معنى ( الغفور ) : ليُطمئِن أهل العمل الصّالح إلى مغفرة الله ورحمته ، وليَسْتَدعي أهلَ الإعراض والصدوف ، إلى الإقلاع عمّا هم فيه .
الآية 165 - سورة الأنعام: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم ۗ إن ربك سريع العقاب وإنه...)