سورة الأنعام: الآية 54 - وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا...

تفسير الآية 54, سورة الأنعام

وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُۥ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

الترجمة الإنجليزية

Waitha jaaka allatheena yuminoona biayatina faqul salamun AAalaykum kataba rabbukum AAala nafsihi alrrahmata annahu man AAamila minkum sooan bijahalatin thumma taba min baAAdihi waaslaha faannahu ghafoorun raheemun

تفسير الآية 54

وإذا جاءك -أيها النبي- الذين صَدَّقوا بآيات الله الشاهدة على صدقك من القرآن وغيره مستفتين عن التوبة من ذنوبهم السابقة، فأكرِمْهم بردِّ السلام عليهم، وبَشِّرهم برحمة الله الواسعة؛ فإنه جلَّ وعلا قد كتب على نفسه الرحمة بعباده تفضلا أنه من اقترف ذنبًا بجهالة منه لعاقبتها وإيجابها لسخط الله -فكل عاص لله مخطئًا أو متعمدًا فهو جاهل بهذا الاعتبار وإن كان عالمًا بالتحريم- ثم تاب من بعده وداوم على العمل الصالح، فإنه تعالى يغفر ذنبه، فهو غفور لعباده التائبين، رحيم بهم.

«وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل» لهم «سلام عليكم كتب» قضى «ربكم على نفسه الرحمة إنهُ» أي الشأن وفي قراءة بالفتح بدل من الرحمة «من عمل منكم سوءا بجهالة» منه حيث ارتكبه «ثم تاب» رجع «من بعده» بعد عمله عنه «وأصلح» عمله «فإنه» أي الله «غفور» له «رحيم» به، وفي قراءة بالفتح أي فالمغفرة له.

ولما نهى الله رسولَه، عن طرد المؤمنين القانتين، أمَره بمقابلتهم بالإكرام والإعظام، والتبجيل والاحترام، فقال: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أي: وإذا جاءك المؤمنون، فحَيِّهم ورحِّب بهم ولَقِّهم منك تحية وسلاما، وبشرهم بما ينشط عزائمهم وهممهم، من رحمة الله، وسَعة جوده وإحسانه، وحثهم على كل سبب وطريق، يوصل لذلك. ورَهِّبْهم من الإقامة على الذنوب، وأْمُرْهم بالتوبة من المعاصي، لينالوا مغفرة ربهم وجوده، ولهذا قال: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ أي: فلا بد مع ترك الذنوب والإقلاع، والندم عليها، من إصلاح العمل، وأداء ما أوجب الله، وإصلاح ما فسد من الأعمال الظاهرة والباطنة. فإذا وجد ذلك كله فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: صب عليهم من مغفرته ورحمته، بحسب ما قاموا به، مما أمرهم به.

وقوله : ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ) أي : فأكرمهم برد السلام عليهم ، وبشرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم ; ولهذا قال : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) أي : أوجبها على نفسه الكريمة ، تفضلا منه وإحسانا وامتنانا ( أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ) قال بعض السلف : كل من عصى الله ، فهو جاهل .وقال معتمر بن سليمان ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة في قوله : ( من عمل منكم سوءا بجهالة ) قال : الدنيا كلها جهالة . رواه ابن أبي حاتم .( ثم تاب من بعده وأصلح ) أي : رجع عما كان عليه من المعاصي ، وأقلع وعزم على ألا يعود وأصلح العمل في المستقبل ( فأنه غفور رحيم )قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لما قضى الله الخلق ، كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي غلبت غضبي " . أخرجاه في الصحيحين وهكذا رواه الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ورواه موسى بن عقبة ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة . وكذا رواه الليث وغيره ، عن محمد بن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلكوقد روى ابن مردويه ، من طريق الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق ، أخرج كتابا من تحت العرش : إن رحمتي سبقت غضبي ، وأنا أرحم الراحمين ، فيقبض قبضة أو قبضتين فيخرج من النار خلقا لم يعملوا خيرا مكتوب بين أعينهم . عتقاء الله " .وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن عاصم بن سليمان ، عن أبي عثمان النهدي عن سلمان في قوله : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) قال : إنا نجد في التوراة عطفتين : أن الله خلق السماوات والأرض ، وخلق مائة رحمة - أو : جعل مائة رحمة - قبل أن يخلق الخلق ، ثم خلق الخلق ، فوضع بينهم رحمة واحدة ، وأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة . قال فبها يتراحمون ، وبها يتعاطفون ، وبها يتباذلون وبها يتزاورون ، وبها تحن الناقة ، وبها تثج البقرة ، وبها تثغو الشاة ، وبها تتابع الطير ، وبها تتابع الحيتان في البحر . فإذا كان يوم القيامة ، جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده ، ورحمته أفضل وأوسع .وقد روي هذا مرفوعا من وجه آخر وسيأتي كثير من الأحاديث الموافقة لهذه عند قوله : ( ورحمتي وسعت كل شيء ) [ الأعراف : 156 ]ومما يناسب هذه الآية [ الكريمة ] من الأحاديث أيضا قوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل : " أتدري ما حق الله على العباد؟ أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا " ، ثم قال : " أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ ألا يعذبهم " وقد رواه الإمام أحمد ، من طريق كميل بن زياد ، عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ]

السلام والسلامة مصدران من الثلاثي. يقال سلم فلان من المرض أو من البلاء سلاما وسلامة ومعناهما البراءة والعافية. ويستعمل السلام في التحية، وهو بمعنى الدعاء بالسلامة من كل سوء، فهو آية المودة والأمان والصفاء.والمعنى: وإذا حضر إلى مجالسك يا محمد أولئك الذين يؤمنون بآياتنا ويعتقدون صحتها فقل لهم: تحية لكم من خالقكم وبشارة لكم بمغفرته ورضوانه مادمتم متبعين لهديه، ومحافظين على فرائضه.كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أى أنه سبحانه أوجب على نفسه الرحمة لعباده تفضلا منه وكرما.ثم بين سبحانه أصلا من أصول الدين في هذه الرحمة المكتوبة فقال أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.أى أنه من عمل منكم عملا تسوء عاقبته متلبسا بجهالة دفعته إلى ذلك السوء كغضب شديد ثم تاب من بعد تلك الجهالة وأصلح خطأه وندم على ما بدر منه، ورد المظالم إلى أهلها، فالله سبحانه شأنه في معاملته لهذا التائب النادم أنه غفور رحيم» .

قوله عز وجل : ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ) قال عكرمة : نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيه عن طردهم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام .وقال عطاء : نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم وأبي عبيدة ومصعب بن عمير وحمزة وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر والأرقم بن أبي الأرقم وأبي سلمة بن عبد الأسد رضي الله عنهم أجمعين .( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) أي : قضى على نفسه الرحمة ، ( أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ) قال مجاهد : لا يعلم حلالا من حرام فمن جهالته ركب الذنب ، وقيل : جاهل بما يورثه ذلك الذنب ، وقيل : جهالته من حيث أنه آثر المعصية على الطاعة والعاجل القليل على الآجل الكثير ، ( ثم تاب من بعده ) رجع عن ذنبه ، ( وأصلح ) عمله ، قيل : أخلص توبته ، ( فإنه غفور رحيم ) قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب " أنه من عمل منكم " " فأنه غفور رحيم " بفتح الألف فيهما بدلا من الرحمة ، أي : كتب على نفسه أنه من عمل منكم ، ثم جعل الثانية بدلا عن الأولى ، كقوله تعالى : " أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون " ، ( المؤمنون ، 35 ) ، وفتح أهل المدينة الأولى منهما وكسروا الثانية على الاستئناف ، وكسرهما الآخرون على الاستئناف .

قوله تعالى : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم قوله تعالى : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم السلام والسلامة بمعنى واحد . ومعنى ( سلام عليكم ) سلمكم الله في دينكم وأنفسكم ; نزلت في الذين نهى الله نبيه عليه الصلاة والسلام عن طردهم ، فكان إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال : الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام فعلى هذا كان السلام من جهة النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : إنه كان من جهة الله تعالى ، أي : أبلغهم منا السلام ; وعلى الوجهين ففيه دليل على فضلهم ومكانتهم عند الله تعالى . وفي صحيح مسلم عن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال ونفر فقالوا : والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها ; قال : فقال أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم ؟ ! فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : يا أبا بكر لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك فأتاهم أبو بكر فقال : يا إخوتاه أغضبتكم ؟ قالوا : لا ; يغفر الله لك يا أخي ; فهذا دليل على رفعة منازلهم وحرمتهم كما بيناه في معنى الآية . ويستفاد من هذا احترام الصالحين واجتناب ما يغضبهم أو يؤذيهم ; فإن في ذلك غضب الله ، أي : حلول عقابه بمن آذى أحدا من أوليائه . وقال ابن عباس : نزلت الآية في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم . وقال الفضيل بن عياض : جاء قوم من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا قد أصبنا من الذنوب فاستغفر لنا فأعرض عنهم ; فنزلت الآية . وروي عن أنس بن مالك مثله سواء .قوله تعالى : كتب ربكم على نفسه الرحمة أي : أوجب ذلك بخبره الصدق ، ووعده الحق ، فخوطب العباد على ما يعرفونه من أنه من كتب شيئا فقد أوجبه على نفسه . وقيل : كتب ذلك في اللوح المحفوظ . أنه من عمل منكم سوءا بجهالة أي : خطيئة من غير قصد ; قال مجاهد : لا يعلم حلالا من حرام ومن جهالته ركب الأمر ، فكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل ; وقد مضى هذا المعنى في " النساء " .وقيل : من آثر العاجل على الآخرة فهو الجاهل . فأنه غفور رحيم قرأ بفتح " أن " من " فأنه " ابن عامر وعاصم ، وكذلك " أنه من عمل " ووافقهما نافع في " أنه من عمل " . وقرأ الباقون بالكسر فيهما ; فمن كسر فعلى الاستئناف ، والجملة مفسرة للرحمة ; و ( إن ) إذا دخلت على الجمل كسرت وحكم ما بعد الفاء الابتداء والاستئناف فكسرت لذلك . ومن فتحهما فالأولى في موضع نصب على البدل من الرحمة ، بدل الشيء من الشيء وهو هو ، فأعمل فيها كتب ، كأنه قال : كتب ربكم على نفسه أنه من عمل ; وأما فأنه غفور بالفتح ففيه وجهان ; أحدهما : أن يكون في موضع رفع بالابتداء والخبر مضمر ، كأنه قال : فله أنه غفور رحيم ; لأن ما بعد الفاء مبتدأ ، أي : فله غفران الله . الوجه الثاني : أن يضمر مبتدأ تكون ( أن ) وما عملت فيه خبره ; تقديره : فأمره غفران الله له ، وهذا اختيار سيبويه ، ولم يجز الأول ، وأجازه أبو حاتم . وقيل : إن كتب عمل فيها ; أي : كتب ربكم أنه غفور رحيم . وروي عن علي بن صالح وابن هرمز كسر الأولى على الاستئناف ، وفتح الثانية على أن تكون مبتدأة أو خبر مبتدأ أو معمولة لكتب على ما تقدم . ومن فتح الأولى - وهو نافع - جعلها بدلا من الرحمة ، واستأنف الثانية لأنها بعد الفاء ، وهي قراءة بينة .

القول في تأويل قوله : وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله تعالى ذكره بهذه الآية.فقال بعضهم: عنى بها الذين نهى الله نبيَّه عن طردهم. وقد مضت الرواية بذلك عن قائليه. (4)وقال آخرون: عنَى بها قومًا استفتوا النبي صلى الله عليه وسلم في ذنوب أصابوها عظامٍ, فلم يؤيسهم الله من التوبة.* ذكر من قال ذلك:13291- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان, عن مجمع قال، سمعت ماهان قال: جاء قوم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أصابوا ذنوبًا عظامًا. قال ماهان: فما إخاله ردّ عليهم شيئًا. قال: فأنزل الله تعالى ذكره هذه الآية: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم " الآية. (5)13292- حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن مجمع, عن ماهان: أنّ قومًا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، إنا أصبنا ذنوبًا عظامًا! فما إخاله ردّ عليهم شيئًا, فانصرفوا فأنزل الله تعالى ذكره: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة " . قال: فدعاهم فقرأها عليهم.13293- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان, عن مجمّع التميمي قال، سمعت ماهان يقول: فذكر نحوه.* * *وقال آخرون: بل عُني بها قومٌ من المؤمنين كانوا أشاروا على النبي صلى الله عليه وسلم بطرد القوم الذين نهاه الله عن طردهم , فكان ذلك منهم خطيئة, فغفرها الله لهم وعفا عنهم, وأمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم إذا أتوه أن يبشرهم بأن قد غفر لهم خطيئتهم التي سلفت منهم بمشورتهم على النبي صلى الله عليه وسلم بطرد القوم الذين أشاروا عليه بطردهم. وذلك قول عكرمة وعبد الرحمن بن زيد, وقد ذكرنا الرواية عنهما بذلك قبل. (6)* * *قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بتأويل الآية, قولُ من قال: المعنيُّون بقوله: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم "، غيرُ الذين نهى الله النبي صلى الله عليه وسلم عن طردهم. لأن قوله: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا "، خبر مستأنَفٌ بعد تقضِّي الخبر عن الذين نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن طردهم. ولو كانوا هم، لقيل: " وإذا جاؤوك فقل سلام عليكم ". وفي ابتداء الله الخبرَ عن قصة هؤلاء، وتركه وصلَ الكلام بالخبر عن الأولين، ما ينبئ عن أنهم غيرُهم.فتأويل الكلام إذًا = إذ كان الأمر على ما وصفنا = وإذا جاءك، يا محمد، القومُ الذين يصدِّقون بتنزيلنا وأدلتنا وحججنا، فيقرّون بذلك قولا وعملا مسترشديك عن ذنوبهم التي سلفت منهم بيني وبينهم, هل لهم منها توبة، فلا تؤيسهم منها, وقل لهم: " سلام عليكم "، أَمَنَةُ الله لكم من ذنوبكم، أن يعاقبكم عليها بعد توبتكم منها (7) =" كتب ربكم على نفسه الرحمة "، يقول: قضى ربكم الرحمة بخلقه (8) =" أنه من عمل منكم سوءًا بجهالة ثم تابَ من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ".* * *واختلفت القرأة في قراءة ذلك:فقرأته عامة قرأة المدنيين: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا) ، فيجعلون " أنّ" منصوبةً على الترجمة بها عن " الرحمة " =(ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، على ائتناف " إنه " بعد " الفاء " فيكسرونها، ويجعلونها أداة لا موضع لها, بمعنى: فهو له غفور رحيم = أو: فله المغفرة والرحمة. (9)* * *وقرأهما بعض الكوفيين بفتح " الألف " منهما جميعًا, بمعنى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ = ثم ترجم بقوله: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ، عن الرحمة، (فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، فيعطف ب " أنه " الثانية على " أنه " الأولى, ويجعلهما اسمين منصوبين على ما بينت. (10)* * *وقرأ ذلك بعض المكيين وعامة قرأة أهل العراق من الكوفة والبصرة: بكسر " الألف " من " إنه " و " إنه " على الابتداء, وعلى أنهما أداتان لا موضع لهما. (11)* * *قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب, قراءة من قرأهما بالكسر: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ إِنَّهُ) ، على ابتداء الكلام, وأن الخبر قد انتهى عند قوله: " كتب ربكم على نفسه الرحمة " ، ثم استؤنف الخبر عما هو فاعلٌ تعالى ذكره بمن عمل سوءًا بجهالة ثم تاب وأصلح منه.* * *ومعنى قوله: " أنه من عمل منكم سوءًا بجهالة "، أنه من اقترف منكم ذنبًا, فجهل باقترافه إياه (12) = ثم تاب وأصلح =" فأنه غفورٌ"، لذنبه إذا تاب وأناب، وراجع العمل بطاعة الله، وترك العود إلى مثله، مع الندم على ما فرط منه =" رحيم "، بالتائب أن يعاقبه على ذنبه بعد توبته منه.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:13294- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن عثمان, عن مجاهد: " من عمل منكم سوءًا بجهالة "، قال: من جهل: أنه لا يعلم حلالا من حرام, ومن جهالته ركب الأمر.13295 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد, عن جويبر, عن الضحاك, مثله .13296- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد: " يعملون السوء بجهالة "، قال: من عمل بمعصية الله, فذاك منه جهل حتى يرجع .13297- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا بكر بن خنيس, عن ليث, عن مجاهد في قوله: " من عمل منكم سوءًا بجهالة "، قال: كل من عمل بخطيئة فهو بها جاهل. (13)13298 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا خالد بن دينار أبو خلدة قال: كنا إذا دخلنا على أبي العالية قال: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ". (14)----------------الهوامش :(4) انظر ما سلف رقم: 13258 ، وما بعده.(5) الآثار: 13291 - 13293 -"سفيان" هو: ابن عيينة.و"مجمع" ، هو"مجمع بن صمان" أبو حمزة التميمي" ، ثقة ، مضى برقم: 12710.و"ماهان" الحنفي ، أبو سالم الأعور العابد ، مضى برقم: 3226.(6) انظر ما سلف رقم: 13264 ، 13265.(7) انظر تفسير"سلام" فيما سلف 10: 145 ، ومادة (سلم) في فهارس اللغة.(8) انظر تفسير"كتب" فيما سلف ص: 273 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(9) انظر معاني القرآن للفراء 1: 336 ، 337.(10) انظر ما قاله أبو جعفر في بيان هذه القراءة فيما سلف ص: 278 - 280.(11) انظر معاني القرآن للفراء 1: 336 ، 337.(12) انظر تفسير"الجهالة" فيما سلف 8: 89 - 93 ، وهو بيان جيد جدًا.(13) الأثر: 13297 -"بكر بن خنيس الكوفي" العابد ، يروى عن ليث بن أبي سليم ، وعبد الرحمن بن زياد ، وإسمعيل بن أبي خالد ، وعطاء بن أبي رباح. قال ابن عدي: "وهو ممن يكتب حديثه ، ويحدث بأحاديث مناكير عن قوم لا بأس بهم ، وهو نفسه رجل صالح ، إلا أن الصالحين يشبه عليهم الحديث ، وربما حدثوا بالتوهم ، وحديثه في جملة الضعفاء ، وليس ممن يحتج بحديثه" ، وقيل فيه ما هو أشد. مترجم في التهذيب.(14) الأثر: 13298 -"خالد بن دينار التميمي السعدي" ، "أبو خلدة" ، ثقة ، مضى برقم: 44 ، 12239.

عطف على قوله { ولا تطرد الذين يدعون ربّهم } [ الأنعام : 52 ] وهو ارتقاء في إكرام الذين يدْعون ربَّهم بالغداة والعشي . فهم المراد بقوله : { الذين يؤمنون بآياتنا }.ومعنى { يؤمنون بآياتنا } أنَّهم يوقنون بأنّ الله قادر على أن ينزّل آيات جمَّة . فهم يؤمنون بما نزّل من الآيات وبخاصّة آيات القرآن وهو من الآيات ، قال تعالى : { أو لم يكفهم أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } [ العنكبوت : 51 ].وقوله : { فقل سلام عليكم } قيل : معناه حَيِّهم بتحيَّة الإسلام ، وهي كلمة ( سلام عليكم ) ، وقيل : أبلغهم السلام من الله تعالى تكرمة لهم لمضادّة طلب المشركين طردَهم .وقد أكرمهم الله كرامتين الأولى أن يبدأهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسلام حين دخولهم عليه وهي مزيَّة لهم ، لأنّ شأن السلام أن يبتدئه الداخل ، ثم يحتمل أنّ هذا حكم مستمرّ معهم كلّما أدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتمل أنّه للمرّة التي يبلّغهم فيها هذه البشارة ، فنزّل هو منزلة القادم عليهم لأنَّه زفّ إليهم هذه البشرى .والكرامةُ الثانية هي بشارتهم برضى الله عنهم بأنّ غفر لهم ما يعملون من سوء إذا تابوا من بعده وأصلحوا . وهذا الخبر وإن كان يعمّ المسلمين كلّهم فلعلّه لم يكن معلوماً ، فكانت البشارة به في وجوه المؤمنين يومئذٍ تكرمة لهم ليكونوا ميموني النقيبة على بقية إخوانهم والذين يجيئون من بعدهم .والسلام : الأمان ، كلمة قالتها العرب عند لقاء المرء بغيره دلالة على أنَّه مسالم لا مُحارب لأنّ العرب كانت بينهم دماء وتِرات وكانوا يثأرون لأنفسهم ولو بغير المعتدي من قبيلته ، فكان الرجل إذا لقي من لا يعرفه لا يأمن أن يكون بينه وبين قبيلته إحَن وحفائظ فيؤمِّن أحدهما الآخر بقوله : السلام عليكم ، أو سلام ، أو نحو ذلك . وقد حكاها الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام ثم شاع هذا اللفظ فصار مستعملاً في التكرمة . ومصدر سلَّم التسليم . والسلام اسم مصدر ، وهو يأتي في الاستعمال منكّراً مرفوعاً ومنصوباً؛ ومعرّفاً باللام مرفوعاً لا غير . فأمَّا تنكيره مع الرفع كما في هذه الآية ، فهو على اعتباره اسماً بمعنى الأمان ، وساغ الابتداء به لأنّ المقصود النوعية لا فرد معيّن . وإنّما لم يقدّم الخبر لاهتمام القادم بإدخال الطمأنينة في نفس المقدوم عليه ، أنَّه طارق خير لا طارق شرّ . فهو من التقديم لضرب من التفاؤل . وأمَّا تعريفه مع الرفع فلدخول لام تعريف الجنس عليه .وكلمة ( على ) في الحالتين للدلالة على تمكّن التلبّس بالأمان ، أي الأمان مستقرّ منكم متلبِّس بكم ، أي لا تخف .وأمّا إن نصبوا مع التنكير فعلى اعتباره كمصدر سلم ، فهو مفعول مطلق أتى بدلاً من فعله . تقديره : سلّمت سلاماً ، فلذلك لا يؤتى معه ب ( على ).ثم إنَّهم يرفعونه أيضاً على هذا الاعتبار فلا يأتون معه ب ( على ) لقصد الدلالة على الدوام والثبات بالجملة الاسمية بالرفع ، لأنَّه يقطع عنه اعتبار البدلية عن الفعل ولذلك يتعيّن تقدير مبتدأ ، أي أمرُكم سلام ، على حدّ { فصبر جميل } [ يوسف : 18 ]. والرفع أقوى ، ولذلك قيل : إنّ إبراهيم ردّ تحيَّة أحسن من تحية الملائكة ، كما حكي بقوله تعالى : { قالوا سلاماً قال سلام } [ هود : 69 ]. وقد ورد في ردّ السلام أن يكون بمثل كلمة السلام الأولى ، كقوله تعالى : { إلاّ قيلاً سلاماً سلاماً } [ الواقعة : 26 ] وورد بالتعريف والتنكير فينبغي جعل الردّ أحسن دلالة . فأمَّا التعريف والتنكير فهما سواء لأنّ التعريف تعريف الجنس . ولذلك جاء في القرآن ذكر عيسى { وسلام عليه يوم ولد } [ مريم : 15 ] وجاء أنَّه قال : { والسلامُ عليَّ يوم وُلدت } [ مريم : 33 ].وجملة { كتب ربّكم على نفسه الرحمة } مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وهي أول المقصود من المقول ، وأمَّا السلام فمقدّمة للكلام . وجوّز بعضهم أن تكون كلاماً ثانياً . وتقدّم تفسير نظيره في قوله تعالى : { كتب على نفسه الرحمة ليجمعنَّكم إلى يوم القيامة } في هذه السورة [ 12 ]. فقوله هنا كتب ربُّكم على نفسه الرحمة } تمهيد لقوله : { أنَّه مَنْ عَمِلَ منكم سوءاً بجهالة } الخ .وقوله : { أنَّه من عمل منكم سوءاً بجهالة } قرأه نافع ، وابن عامر ، وعاصم ، ويعقوب بفتح الهمزة على أنَّه بدل من { الرحمة } بدلُ اشتمال ، لأنّ الرحمة العامَّة تشتمل على غفران ذنب من عمل ذنباً ثم تاب وأصلح . وقرأه الباقون بكسر الهمزة على أن يكون استئنافاً بيانياً لجواب سؤال متوقّع عن مَبلغ الرحمة . ( ومَنْ ) شرطية ، وهي أدلّ على التعميم من الموصولة . والباء في قوله : { بجهالة } للملابسة ، أي ملتبساً بجهالة . والمجرور في موضع الحال من ضمير { عَمل }.والجهالة تطلق على انتفاء العلم بشيء مَّا . وتطلق على ما يقابل الحلم ، وقد تقدّم في قوله تعالى : { إنَّما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة } في سورة [ النساء : 17 ]. والمناسب هنا هو المعنى الثاني ، أي من عمل سوءاً عن حماقة من نفسه وسفاهة ، لأنّ المؤمن لا يأتي السيّئات إلاّ عن غلبة هواه رُشدَه ونُهاه . وهذا الوجه هو المناسب لتحقيق معنى الرحمة . وأمَّا حمل الجهالة على معنى عدم العلم بناء على أنّ الجاهل بالذنب غير مؤاخذ ، فلا قوة لتفريع قوله : ثم تاب من بعده وأصلح } عليه ، إلاّ إذا أريد ثم تفطَّن إلى أنّه عمل سوءاً .والضمير في قوله : { مِنْ بعده } عائد إلى { سوءاً } أي بعد السوء ، أي بعد عمله . ولك أن تجعله عائداً إلى المصدر المضمون في ( عَمِلَ ) مثل { اعْدلُوا هُو أقرب للتقوى } [ المائدة : 8 ].ومعنى { أصلح } صيّر نفسه صالحة ، أو أصلح عمله بعد أن أساء . وقد تقدّم عند قوله تعالى : { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإنّ الله يتوب عليه } في سورة [ المائدة : 39 ]. وعند قوله : { إلاّ الذين تابوا وأصلحوا وبيَّنُوا } في سورة [ البقرة : 160 ].وجملة : فإنَّه غفور رحيم } دليل جواب الشرط ، أي هو شديد المغفرة والرحمة . وهذا كناية عن المغفرة لهذا التائب المصلح .وقرأه نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو جعفر ، وخلف بكسر همزة { فإنَّه غفور رحيم } على أنّ الجملة موكَّدة ب { إنّ } فيعلم أنّ المراد أنّ الله قد غفر لمن تاب لأنَّه كثير المغفرة والرحمة . وقرأه ابن عامر ، وعاصم ، ويعقوب { فأنّه } بفتح الهمزة على أنَّها ( أنّ ) المفتوحة أخت ( إنّ ) ، فيكون ما بعدها مؤوّلاً بمصدر . والتقدير : فغفرانه ورحمته . وهذا جزء جملة يلزمه تقدير خبر ، أي له ، أي ثابت لمن عمل سوءاً ثم تاب .
الآية 54 - سورة الأنعام: (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ۖ كتب ربكم على نفسه الرحمة ۖ أنه من عمل منكم سوءا...)