وكذلك أُمرنا بأن نقيم الصلاة كاملة، وأن نخشاه بفعل أوامره واجتناب نواهيه. وهو -جل وعلا- الذي إليه تُحْشَرُ جميع الخلائق يوم القيامة.
«وأن» أي بأن «أقيموا الصلاة واتقوه» تعالى «وهو الذي إليه تحشرون» تجمعون يوم القيامة للحساب.
وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ أي: وأمرنا أن نقيم الصلاة بأركانها وشروطها وسننها ومكملاتها. وَاتَّقُوهُ بفعل ما أمر به، واجتناب ما عنه نهى. وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي: تُجْمَعون ليوم القيامة، فيجازيكم بأعمالكم، خيرها وشرها.
( وأن أقيموا الصلاة واتقوه ) أي : وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال ( وهو الذي إليه تحشرون ) أي : يوم القيامة .
وقوله وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ معطوف على محل لِنُسْلِمَ كأنه قيل أمرنا لنسلم وأمرنا أيضا بإقامة الصلاة والاتقاء.وفي تخصيص الصلاة بالذكر من بين أنواع الشرائع وعطفها على الأمر بالإسلام، وقرنها بالأمر بالتقوى دليل على تفخيم أمرها وعظمة شأنها.وقوله وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ جملة مستأنفة موجبة لامتثال ما أمر من الأمور الثلاثة، أى: هو الذي تعودون إليه يوم القيامة للحساب لا إلى غيره.
( وأن أقيموا الصلاة واتقوه ) أي : وأمرنا بإقامة الصلاة والتقوى ، ( وهو الذي إليه تحشرون ) أي : تجمعون في الموقف للحساب .
وأن أقيموا الصلاة واتقوه اللام لام كي ، أي أمرنا كي نسلم وبأن أقيموا الصلاة ; لأن حروف الإضافة يعطف بعضها على بعض . قال الفراء : المعنى أمرنا بأن نسلم ; لأن العرب تقول : أمرتك لتذهب ، وبأن تذهب بمعنى . قال النحاس : سمعت أبا الحسن بن كيسان يقول هي لام الخفض ، واللامات كلها ثلاث : لام خفض ولام أمر ولام توكيد ، لا يخرج شيء عنها . والإسلام الإخلاص .وأن أقيموا الصلاة واتقوه وإقامة الصلاة الإتيان بها والدوام عليها . ويجوز أن يكون وأن أقيموا الصلاة عطفا على المعنى ، أي يدعونه إلى الهدى ويدعونه أن أقيموا الصلاة ; لأن معنى ائتنا أن ائتنا .
القول في تأويل قوله : وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأمرنا أنْ أقيموا الصلاة.* * *وإنما قيل: " وأن أقيموا الصلاة "، فعطف ب " أن " على " اللام " من لِنُسْلِمَ ، لأن قوله: لِنُسْلِمَ معناه: أن نسلم, فردّ قوله: " وأن أقيموا " على معنى: لِنُسْلِمَ , إذ كانت " اللام " التي في قوله: لِنُسْلِمَ , لامًا لا تصحب إلا المستقبل من الأفعال, وكانت " أن " من الحروف التي تدل على الاستقبال دلالة " اللام " التي في لِنُسْلِمَ , فعطف بها عليها، لاتفاق معنيهما فيما ذكرت.ف " أن " في موضع نصب بالردّ على اللام. (31)* * *وكان بعض نحويِّي البصرة يقول: إما أن يكون ذلك،" أمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا الصلاة ", يقول: أمرنا كي نسلم, كما قال: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (32) [سورة يونس: 104] ، أي: إنما أمرت بذلك. (33) ثم قال: " وأن أقيموا الصلاة واتقوه "، أي: أمرنا أن أقيموا الصلاة = أو يكون أوصل الفعل باللام, والمعنى: أمرت أن أكون, كما أوصل الفعل باللام في قوله: هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ، [سورة الأعراف: 154].* * *فتأويل الكلام: وأمرنا بإقامة الصلاة, وذلك أداؤها بحدودها التي فرضت علينا (34) =" واتقوه "، يقول: واتقوا رب العالمين الذي أمرنا أن نسلم له, فخافوه واحذروا سَخطه، بأداء الصلاة المفروضة عليكم، والإذعان له بالطاعة، وإخلاص العبادة له =" وهو الذي إليه تحشرون "، يقول: وربكم رب العالمين، هو الذي إليه تحشرون فتجمعون يوم القيامة, (35) فيجازي كلَّ عامل منكم بعمله, وتوفي كل نفس ما كسبت.---------------------الهوامش :(31) انظر معاني القرآن للفراء 1: 339.(32) في المطبوعة والمخطوطة: "وأمرت لأن أكون من المؤمنين" ، وهذه ليست آية في كتاب الله ، بل الآية هي التي ذكرت ، وهي حق الاستدلال في هذا الموضع.(33) في المطبوعة والمخطوطة: "إنما أمرت لذلك" ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبت.(34) انظر تفسير"إقامة الصلاة" فيما سلف من فهارس اللغة (قوم) (صلا).(35) انظر تفسير"الحشر" فيما سلف ص: 373 تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
جملة : { قل إنّ هدى الله هو الهدى } مستأنفة استئنافَ تكرير لِما أمِر أن يقوله للمشركين حين يدعون المسلمين إلى الرجوع إلى ما كانوا عليه في الجاهلية ، وقد روي أنَّهم قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم اعْبُد آلهتنا زمناً ونعبُدُ إلهك زمناً . وكانوا في خلال ذلك يزعمون أنّ دينهم هدى فلذلك خوطبوا بصيغة القصر . وهي { إنّ هدى الله هو الهدى } فجيء بتعريف الجزأيْن ، وضمير الفصل ، وحرف التوكيد ، فاجتمع في الجملة أربعة مؤكّدات ، لأنّ القصر بمنزلة مؤكِّدَيْن إذ ليس القصر إلاّ تأكيداً على تأكيد ، وضمير الفصل تأكيد ، و ( إنّ ) تأكيد ، فكانت مقتضَى حال المشركين المنكرين أنّ الإسلام هدى .وتعريف المسند إليه بالإضافة للدلالة على الهدى الوارد من عند الله تعالى ، وهو الدين المُوصى به ، وهو هنا الإسلام ، بقرينة قوله { بعد إذْ هدانا الله }.وقد وصف الإسلام بأنَّه { هُدى الله } في قوله تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتَّى تتّبع ملَّتهم قل إنّ هدى الله هو الهدى } في سورة [ البقرة : 120 ] ، أي القرآن هو الهدى لا كُتُبُهم .وتعريف المسند بلام الجنس للدلالة على قصر جنس الهدى على دين الإسلام ، كما هو الغالب في تعريف المسند بلام الجنس ، وهو قصر إضافي لأنّ السياق لردّ دعوة المشركين إيَّاهم الرجوع إلى دينهم المتضمِّنة اعتقادهم أنَّه هدى ، فالقصر للقلب إذ ليسوا على شيء من الهدى ، فلا يكون قصر الهدى على هدى القرآن بمعنى الهدى الكامل ، بخلاف ما في سورة البقرة .وجملة : وأمِرْنا لِنُسْلِم } عطف على المقول . وهذا مقابل قوله { قل إنِّي نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } [ الأنعام : 56 ] ، وقوله { قل أندعو من دون الله } الآية .واللام في { لِنُسْلِم } أصلها للتعليل وتنوسي منها معنى التعليل فصارت لمجرّد التأكيد . وهي اللام التي يكثر ورودها بعد مادّة الأمر ومادّة الإرادة . وسمَّاها بعضهم لام أنْ بفتح الهمزة وسكون النون قال الزجَّاج : العرب تقول : أمَرْتُك بأنْ تفعل وأمرتُك أن تفعل وأمرتك لِتَفعل . فالباء للإلصاق ، وإذا حذفوها فهي مقدّرة مع ( أنْ ). وأمَّا أمرتك لتفعل ، فاللام للتعليل ، فقد أخبر بالعلَّة التي لها وقَع الأمر . يعني وأغنت العلَّة عن ذكر المعلّل . وقيل : اللام بمعنى الباء ، وقيل : زائدة ، وعلى كلّ تقدير ف ( أنْ ) مضرة بعدها ، أي لأجل أن نُسْلِمَ . والمعنى : وأمرنا بالإسلام ، أي أمرنا أن أسلموا . وتقدّم الكلام على هذه اللام عند قوله تعالى : { يريد الله ليُبيّن لكم } في سورة [ النساء : 26 ].واللام في قوله : لربّ العالمين } متعلِّقة ب { نسلم } لأنَّه معنى تخلّص له ، قال : { فقل أسلمت وجهي لله }.وقد تقدّم القول في معنى الإسلام عند قوله تعالى : { إذ قال له ربّه أسْلِم قال أسلمت لربّ العالمين } في سورة [ البقرة : 131 ].وفي ذكر اسم الله تعالى بوصف الربوبية لجميع الخلق دون اسمه العَلَم إشارة إلى تعليل الأمر وأحقِّيّته .وقوله : وأن أقيموا الصلاة } إنْ جُعلت ( أنْ ) فيه مصدرية على قول سيبويه ، إذ يسوّغ دخول ( أنْ ) المصدرية على فِعل الأمر فتفيد الأمر والمصدرية معاً لأنّ صيغة الأمر لم يؤت بها عبثاً ، فقول المعربين : إنَّه يتجرّد عن الأمرية ، مرادهم به أنَّه تجرّد عن معنى فعل الأمر إلى معنى المصدرية فهو من عطف المفردات . وهو إمّا عطف على { لنسلم } بتقدير حرف جرّ محذوف قبل ( أنْ ) وهو الباء . وتقدير الحرف المحذوف يدلّ عليه معنى الكلام ، وإمّا عطف على معنى { لنسلم } لأنَّه وقع في موقع بأن نسلم ، كما تقدّم عن الزجّاج . فالتقدير : أمرنا بأن نسلم ، ثم عطف عليه { وأن أقيموا } أي وأمرنا بأن أقيموا ، والعطف على معنى اللفظ وموقِعه استعمال عربي ، كقوله تعالى : { لولا أخَّرْتَنِي إلى أجل قريب فأصّدّقَ وأكُنْ } [ المنافقون : 10 ] إذ المعنى إنْ تُؤخّرني أصّدّقْ وأكُنْ .وإن جُعلت ( أنْ ) فيه تفسيرية فهو من عطف الجمل . فيقدّر قوله : { أمرنا لنسلم } بأمِرْنا أن أسلموا لنُسلم { وأن أقيموا الصلاة } ، أي لنقيم فيكون في الكلام احتباك .وأظهر من هذا أن تكون ( أنْ ) تفسيرية . وهي تفسير لما دلَّت عليه واوُ العطف من تقدير العامل المعطوف عليه ، وهو { وأمرنا } ، فإنّ { أمرنا } فيه معنى القول دون حروفه فناسب موقع ( أنْ ) التفسيرية .وتقدّم معنى إقامة الصلاة في صدر سورة البقرة ( 3 ).و { اتَّقوه } عطف على { أقيموا } ويجري فيه ما قُرّر في قوله { وأن أقيموا }.والضمير المنصوب عائد إلى { ربّ العالمين } وهو من الكلام الذي أمروا بمقتضاه بأن قال الله للمؤمنين : أسلموا لربّ العالمين وأقيموا الصلاة واتَّقُوه . ويجوز أن يكون محكياً بالمعنى بأن قال الله : اتَّقون ، فحُكي بما يوافق كلام النبي المأمور بأن يقوله بقوله تعالى : { قل إنّ هدى الله هو الهدى } ، كما في حكاية قول عيسى : { ما قلتُ لهم إلاّ مَا أمَرتني به أن اعبدوا الله ربِّي وربّكم } [ المائدة : 117 ].وجَمع قوله : { واتَّقوه } جميعَ أمور الدين ، وتخصيصُ إقامة الصلاة بالذكر للاهتمام .وجملة : { وهو الذي إليه تُحشرون } إمّا عطف على جملة { اتَّقُوه } عطف الخبر على الإنشاء فتكون من جملة المقول المأمور به بقوله : { قل إنّ هدى الله } ، أي وقل لهم وهو الذي إليه تحشرون ، أو عطف على { قل } فيكون من غير المقول . وفي هذا إثبات للحشر على منكريه وتذكير به للمؤمنين به تحريضاً على إقامة الصلاة والتقوى .واشتملت جملة { وهو الذي إليه تحشرون } على عدّة مؤكّدات وهي : صيغة الحصر بتعريف الجزأين ، وتقديم معمول { تحشرون } المفيد للتقوّي لأنّ المقصود تحقيق وقوع الحشر على من أنكره من المشركين وتحقيق الوعد والوعيد للمؤمنين ، والحصر هنا حقيقي إذ هم لم ينكروا كون الحشر إلى الله وإنَّما أنكروا وقوع الحشر ، فسلك في إثباته طريق الكناية بقصره على الله تعالى المستلزم وقوعه وأنَّه لا يكون إلاّ إلى الله ، تعريضاً بأنّ آلهتهم لا تغني عنهم شيئاً .