تفسير الآيتين 14 و 15 : قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ* فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ ْأي: الدعاء بالويل والثبور، والندم، والإقرار على أنفسهم بالظلم وأن الله عادل فيما أحل بهم. حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ ْ أي: بمنزلة النبات الذي قد حصد وأنيم، قد خمدت منهم الحركات، وسكنت منهم الأصوات، فاحذروا - أيها المخاطبون - أن تستمروا على تكذيب أشرف الرسل فيحل بكم كما حل بأولئك.
( قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين ) اعترفوا بذنوبهم حين لا ينفعهم ذلك ،
وهنا أدرك هؤلاء الظالمون، أن الأمر جد لا هزل، وأن العذاب نازل بهم لا محالة، وأن القائلين لهم لا تركضوا، إنما يتهكمون بهم. فأخذ أولئك الظالمون يتفجعون ويتحسرون قائلين: يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ.والويل: الفضيحة والبلية والمصيبة التي يعقبها الهلاك. وهي كلمة جزع وتحسر.وتستعمل عند ما تحيط بالإنسان داهية عظيمة، وكأن المتحسر لنزول مصيبة به، ينادى ويلته ويطلب حضورها بعد تنزيلها منزلة من ينادى.أى: قالوا عند ما تيقنوا أن الهلاك نازل بهم: يا هلاكنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا، مستوجبين للعذاب. بسبب إعراضنا عن الحق، وتكذيبنا لمن جاء به.
" قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين ".
قالوا يا ويلنا لما قالت لهم الملائكة : لا تركضوا ونادت يا لثارات الأنبياء ! ولم يروا شخصا يكلمهم عرفوا أن الله - عز وجل - هو الذي سلط عليهم عدوهم بقتلهم النبي الذي بعث فيهم ، فعند ذلك قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فاعترفوا بأنهم ظلموا حين لا ينفع الاعتراف .
يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء الذين أحلّ الله بهم بأسه بظلمهم لما نزل بهم بأس الله: يا ويلنا إنا كنا ظالمين بكفرنا بربنا ، فما زالت تلك دعواهم يقول فلم تزل دعواهم، حين أتاهم بأس الله، بظلمهم أنفسهم : ( يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ) حتى قتلهم الله ، فحصدهم بالسيف كما يُحْصَد الزرع ويستأصل قطعا بالمناجل ، وقوله ( خَامِدِينَ ) يقول : هالكين قد انطفأت شرارتهم ، وسكنت حركتهم ، فصاروا همودا كما تخمد النار فتطفأ .وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة.
قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14)وجملة { قالوا يا ويلنا } إن جَعَلْتَ جملة { لا تركضوا } معترضة على ما قررتُه آنفاً تكون هذه مستأنفة استئنافاً بيانياً عن جملة { إذا هم منها يركضون } كأن سائلاً سأل عما يقولونه حين يسرعون هاربين لأن شأن الهارب الفزِع أن تصدر منه أقوال تدل على الفزع أو الندم عن الأسباب التي أحلت به المخاوف فيجاب بأنهم أيقنوا حين يرون العذاب أنهم كانوا ظالمين فيُقرون بظلمهم ويُنشئون التلهف والتندم بقولهم { يا ويلنا إنا كنا ظالمين }.وإن جَعَلتَ جملة { لا تركضوا } مقول قول محذوف على ما ذهب إليه المفسرون كانت جملة { قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين } جواباً لقول من قال لهم { لا تركضوا } على وجه التهكم بهم ويكون فصل الجملة لأنها واقعة في موقع المحاورة كما بيّناه غير مرة ، أي قالوا : قد عرفنا ذنبنا وحق التهكم بنا . فاعترفوا بذنبهم . قال تعالى : { فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير } في سورة [ الملك : 11 ].