قال مَن سمع إبراهيم يحلف بأنه سيكيد أصنامهم: سمعنا فتى يقال له إبراهيم، يذكر الأصنام بسوء.
«قالوا» أي بعضهم لبعض «سمعنا فتى يذكرهم» أي يعيبهم «يقال له إبراهيم».
قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ْ أي: يعيبهم ويذمهم، ومن هذا شأنه لا بد أن يكون هو الذي كسرها أو أن بعضهم سمعه يذكر أنه سيكيدها يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ْ
( قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ) أي : قال من سمعه يحلف أنه ليكيدنهم : ( سمعنا فتى ) أي : شابا ( يذكرهم يقال له إبراهيم )قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف ، حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن قابوس [ عن أبيه ] ، عن ابن عباس قال : ما بعث الله نبيا إلا شابا ، ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب ، وتلا هذه الآية : ( قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ) .
قالُوا أى: بعضهم وهم الذين سمعوا من إبراهيم قوله: «وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين» . سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ والمراد بالذكر هنا: الذكر بالسوء والذم.أى: سمعنا فتى يذكرهم بالنقص والذم والتهديد بالكيد، وهذا الفتى يقال له إبراهيم، ولعله هو الذي فعل بهم ما فعل.
( قالوا ) يعني الذين سمعوا قول إبراهيم : ( وتالله لأكيدن أصنامكم ) ، ( سمعنا فتى يذكرهم ) يعيبهم ويسبهم ، ( يقال له إبراهيم ) هو الذي نظن صنع هذا ، فبلغ ذلك نمرود الجبار وأشراف قومه .
سمعنا فتى يذكرهم وهذا هو جواب من فعل هذا . والضمير في قالوا للقوم الضعفاء الذين سمعوا إبراهيم ، أو الواحد على ما تقدم . ومعنى يذكرهم يعيبهم ويسبهم فلعله الذي صنع هذا . واختلف الناس في وجه رفع إبراهيم ؛ فقال الزجاج يرتفع على معنى يقال له هو إبراهيم ؛ فيكون خبر مبتدأ محذوف ، والجملة محكية . قال : ويجوز أن يكون رفعا على النداء وضمه بناء ، وقام له مقام ما لم يسم فاعله . وقيل : رفعه على أنه مفعول ما لم يسم فاعله ؛ على أن يجعل إبراهيم غير دال على الشخص ، بل يجعل النطق به دالا على بناء هذه اللفظة . أي يقال له هذا القول وهذا اللفظ ، كما تقول زيد وزن فعل ، أو زيد ثلاثة أحرف ، فلم تدل بوجه الشخص ، بل دللت بنطقك على نفس اللفظة . وعلى هذه الطريقة تقول : قلت إبراهيم ، ويكون مفعولا صحيحا نزلته منزلة قول وكلام ؛ فلا يتعذر بعد ذلك أن يبنى الفعل فيه للمفعول . هذا اختيار ابن عطية في رفعه . وقال الأستاذ أبو الحجاج الأشبيلي الأعلم : هو رفع على الإهمال . قال ابن عطية : لما رأى وجوه الرفع كأنها لا توضح المعنى الذي قصدوه ، ذهب إلى رفعه بغير شيء ، كما قد يرفع التجرد والعرو عن العوامل الابتداء . والفتى الشاب والفتاة الشابة . وقال ابن عباس : ما أرسل الله نبيا إلا شابا . ثم قرأ : سمعنا فتى يذكرهم .
( قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ) يقول: قال الذين سمعوه يقول وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ سمعنا فتى يذكرهم بعيب يقال له إبراهيم.كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج ( قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ) قال ابن جُرَيج: يذكرهم يعيبهم.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله ( سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ) سمعناه يسبها ويعيبها ويستهزئ بها، لم نسمع أحدا يقول ذلك غيره، وهو الذي نظن صنع هذا بها.
قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) { قالوا سمعنا فتى يذكرهم } هم الذين توعد إبراهيم الأصنام بمسمع منهم .والفتى : الذكر الذي قوي شبابه . ويكون من الناس ومن الإبل . والأنثى : فتاة ، وقد يطلقونه صفة مدح دالة على استكمال خصال الرجل المحمودة .والذكر : التحدث بالكلام .وحذف متعلق «يذكر» لدلالة القرينة عليه ، أي يذكرهم بتوعد . وهذا كقوله تعالى : { أهذا الذي يذكر آلهتكم } [ الأنبياء : 36 ] كما تقدم .وموضع جملتي { يذكرهم } و { يقال له } في موضع الصفة ل { فتىً }.وفي قولهم يقال له إبراهيم } دلالة على أن المنتصبين للبحث في القضية لم يكونوا يعرفون إبراهيم ، أو أن الشهداء أرادوا تحقيره بأنه مجهول لا يعرف وإنما يُدعى أو يسمى إبراهيم ، أي ليس هو من الناس المعروفين . ورُفع { إبراهيمُ } على أنه نائب فاعللِ { يُقال ، } لأن فعل القول إذا بني إلى المجهول كثيراً ما يضمن معنى الدعوة أو التسمية ، فلذلك حصلت الفائدة من تعديته إلى المفرد البحت وإن كان شأن فعل القول أن لا يتعدّى إلا إلى الجملة أو إلى مفرد فيه معنى الجملة مثل قوله تعالى : { كلا إنها كلمة هو قائلها } [ المؤمنون : 100 ].