Waith qaloo allahumma in kana hatha huwa alhaqqa min AAindika faamtir AAalaynahijaratan mina alssamai awi itina biAAathabin aleemin
تفسير الآية 32
واذكر -أيها الرسول- قول المشركين من قومك داعين الله: إن كان ما جاء به محمد هو الحق مِن عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب شديد موجع.
«وإذ قالوا اللهم إن كان هذا» الذي يقرؤه محمد «هو الحقَّ» المنزل «من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم» مؤلم على إنكاره قاله النصر، وغيره استهزاءً وإيهاما أنه على بصيرة وجزم ببطلانه.
وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا الذي يدعو إليه محمد هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ قالوه على وجه الجزم منهم بباطلهم، والجهل بما ينبغي من الخطاب. فلو أنهم إذ أقاموا على باطلهم من الشبه والتمويهات ما أوجب لهم أن يكونوا على بصيرة ويقين منه، قالوا لمن ناظرهم وادعى أن الحق معه: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له، لكان أولى لهم وأستر لظلمهم.
وقوله : ( وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) هذا من كثرة جهلهم وعتوهم وعنادهم وشدة تكذيبهم ، وهذا مما عيبوا به ، وكان الأولى لهم أن يقولوا : اللهم ، إن كان هذا هو الحق من عندك ، فاهدنا له ، ووفقنا لاتباعه . ولكن استفتحوا على أنفسهم ، واستعجلوا العذاب ، وتقديم العقوبة كما قال تعالى : ( ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون ) [ العنكبوت : 53 ] ، ( وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ) ، ( سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج ) [ المعارج : 1 - 3 ] ، وكذلك قال الجهلة من الأمم السالفة ، كما قال قوم شعيب له : ( فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين ) [ الشعراء : 187 ] ، وقال هؤلاء : ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم )قال شعبة ، عن عبد الحميد ، صاحب الزيادي ، عن أنس بن مالك قال : هو أبو جهل بن هشام قال : ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) فنزلت ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) الآية .رواه البخاري عن أحمد ومحمد بن النضر ، كلاهما عن عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن شعبة ، به .وأحمد هذا هو : أحمد بن النضر بن عبد الوهاب . قاله الحاكم أبو أحمد ، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري ، والله أعلم .وقال الأعمش ، عن رجل ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) قال : هو النضر بن الحارث بن كلدة ، قال : فأنزل الله : ( سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع ) [ المعارج : 1 - 2 ] وكذا قال مجاهد ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، والسدي : إنه النضر بن الحارث - زاد عطاء : فقال الله تعالى : ( وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ) وقال ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ) [ الأنعام : 94 ] وقال ( سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع ) [ المعارج : 1 ، 2 ] ، قال عطاء : ولقد أنزل فيه بضع عشرة آية من كتاب الله ، عز وجل .وقال ابن مردويه : حدثنا محمد بن إبراهيم ، حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث ، حدثنا أبو غسان حدثنا أبو تميلة ، حدثنا الحسين ، عن ابن بريدة ، عن أبيه قال : رأيت عمرو بن العاص واقفا يوم أحد على فرس ، وهو يقول : اللهم ، إن كان ما يقول محمد حقا ، فاخسف بي وبفرسي .وقال قتادة في قوله : ( وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ) الآية ، قال : قال ذلك سفهة هذه الأمة وجهلتها فعاد الله بعائدته ورحمته على سفهة هذه الأمة وجهلتها .
ثم تمضى السورة في حديثها عن رذائل مشركي قريش، فتحكى لونا عجيبا من ألوان عنادهم، وجحودهم للحق. فتقول: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ..وقائل هذا القول: النضر بن الحارث صاحب القول السالف لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا.. ذكر ذلك عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير.وأخرج البخاري عن أنس بن مالك أن قائل ذلك: أبو جهل بن هشام. وأخرجه ابن جرير عن ابن رومان ومحمد بن قيس أن قريشا قال بعضها لبعض: أأكرم الله محمدا صلى الله عليه وسلم من بيننا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء .والمعنى: أن هؤلاء المشركين قد بلغ بهم العناد والجحود أنهم لم يكتفوا بإنكار أن القرآن من عند الله، وأن محمدا قد جاءهم بالحق.. بل أضافوا إلى ذلك قولهم: اللهم إن كان هذا الذي جاءنا به محمد من قرآن وغيره هو الحق المنزل من عندك، فعاقبنا على إنكاره والكفر به، بأن تنزل علينا حجارة من السماء تهلكنا. أو تنزل علينا عذابا أليما يقضى علينا.قال الجمل: قوله: هُوَ الْحَقَّ قرأ العامة «الحق» بالنصب على أنه خبر الكون ولفظ هُوَ للفصل. وقرأ الأعمش وزيد بن على «الحق» بالرفع ووجهها ظاهر برفع لفظ «هو» على الابتداء، والحق خبره، والجملة خبر الكون .وفي إطلاقهم الْحَقَّ على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وجعله من عند الله تهكم بمن يقول ذلك سواء أكان هذا القائل- رسول الله صلى الله عليه وسلم- أو المؤمنين.وأل فيه للعهد: أى الحق الذي ادعى محمد أنه جاء به من عند الله.وقوله: مِنَ السَّماءِ متعلق بمحذوف صفة لقوله حِجارَةً. وفائدة هذا الوصف الدلالة على أن المراد بها حجارة معينة مخصوصة لتعذيب الظالمين.قال صاحب الكشاف: وهذا أسلوب من الجحود بليغ. يعنى إن كان القرآن هو الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل، أو بعذاب آخر. ومرادهم نفى كونه حقا، وإذا انتفى كونه حقا لم يستوجب منكره عذابا، فكان تعليق العذاب بكونه حقا، مع اعتقاد أنه ليس بحق كتعليقه بالمحال في قولك: إن كان الباطل حقا فأمطر علينا حجارة من السماء.فإن قلت: ما فائدة قوله مِنَ السَّماءِ والأمطار لا تكون إلا منها؟قلت: كأنهم يريدون أن يقولوا: فأمطر علينا السجيل وهي الحجارة المسومة للعذاب، فوضع حجارة من السماء موضع السجيل.وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة، فقال الرجل: أجهل من قومي قومك، فقد قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى الحق:إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ... ولم يقولوا: إن كان هذا هو الحق فاهدنا له .ولقد كان هذا الرجل حكيما في رده على معاوية، لأنه كان الأولى بأولئك المشركين أن يقولوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه.. ولكن العناد الجامح الذي استولى عليهم جعلهم يؤثرون الهلاك على الإذعان للحق ويفضلون عبادة الأصنام على اتباع محمد صلى الله عليه وسلم الذي دعاهم إلى عبادة الله وحده.. وهكذا النفوس عند ما تنغمس في الأحقاد وتتمادى في الجحود. وتنقاد للأهواء والشهوات، وتأخذها العزة بالإثم. ترى الباطل حقا، والحق باطلا، وتؤثر العذاب وهي سادرة في باطلها، على الخضوع للحق والمنطق والصواب.
قوله تعالى : ( وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ) الآية نزلت في النضر بن الحارث من بني عبد الدار .قال ابن عباس : لما قص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شأن القرون الماضية ، قال النضر : لو شئت لقلت مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين - أي : ما هذا إلا ما سطره الأولون في كتبهم - فقال له عثمان بن مظعون رضي الله عنه : اتق الله فإن محمدا يقول الحق ، قال : فأنا أقول الحق ، قال عثمان : فإن محمدا يقول لا إله إلا الله ، قال : وأنا أقول : لا إله إلا الله ، ولكن هذه بنات الله ، يعني الأصنام ، ثم قال : اللهم إن كان هذا الذي يقول محمد هو الحق من عندك - " والحق " نصب بخبر كان ، وهو عماد وصلة - ( فأمطر علينا حجارة من السماء ) كما أمطرتها على قوم لوط ، ( أو ائتنا بعذاب أليم ) أي : ببعض ما عذبت به الأمم ، وفيه نزل : " سأل سائل بعذاب واقع " . ( المعارج - 1 ) . .وقال عطاء : لقد نزل في النضر بن الحارث بضع عشرة آية فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر .قال سعيد بن جبير : قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر ثلاثة صبرا من قريش : طعيمة بن عدي وعقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث .وروى أنس رضي الله عنه أن الذي قاله أبو جهل .أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، حدثنا محمد بن يوسف ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا محمد بن النضر ، ثنا عبيد الله بن معاذ ، ثنا أبي ، ثنا شعبة ، عن عبد الحميد صاحب الزيادي ، سمع أنس بن مالك قال : قال أبو جهل : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، فنزلت :( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون وما لهم ألا يعذبهم الله ) .
قوله تعالى وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم القراء على نصب الحق على خبر كان . ودخلت هو للفصل . ويجوز " هو الحق " بالرفع .من عندك قال الزجاج : ولا أعلم أحدا قرأ بها . ولا اختلاف بين النحويين في إجازتها ولكن القراءة سنة ، لا يقرأ فيها إلا بقراءة مرضية . واختلف فيمن قال هذه المقالة ; فقال مجاهد وابن جبير : قائل هذا هو النضر بن الحارث . أنس بن مالك : قائله أبو جهل ; رواه البخاري ومسلم . ثم يجوز أن يقال : قالوه لشبهة كانت في صدورهم ، أو على وجه العناد والإبهام على الناس أنهم على بصيرة ، ثم حل بهم يوم بدر ما سألوا . حكي أن ابن عباس لقيه رجل من اليهود ; فقال اليهودي : ممن أنت ؟ قال : من قريش . فقال : أنت من القوم الذين قالوا : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية . فهلا عليهم أن يقولوا : إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ! إن هؤلاء قوم يجهلون . قال ابن عباس : وأنت يا إسرائيلي ، من القوم الذين لم تجف أرجلهم من بلل البحر الذي أغرق فيه فرعون وقومه ، وأنجى موسى وقومه ; حتى قالوا : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فقال لهم موسى : إنكم قوم تجهلون فأطرق اليهودي مفحما .فأمطر أمطر في العذاب . ومطر في الرحمة ; عن أبي عبيدة . وقد تقدم .
القول في تأويل قوله : وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واذكر، يا محمد، أيضًا ما حلّ بمن قال: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم "، إذ مكرت بهم, فأتيتهم بعذاب أليم= (70) وكان ذلك العذاب، قتلُهم بالسيف يوم بدر.* * *وهذه الآية أيضًا ذكر أنها نزلت في النضر بن الحارث.* ذكر من قال ذلك.15981 - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا أبو بشر, عن سعيد بن جبير, في قوله: " وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء "، قال: نزلت في النضر بن الحارث. (71)15982 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: " إن كان هذا هو الحق من عندك "، قال: قول النضر بن الحارث= (72) أو: ابن الحارث بن كَلَدة.15983- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك "، قول النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة، من بني عبد الدار.15984- ......قال، أخبرنا إسحاق قال، أخبرنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " إن كان هذا هو الحق من عندك "، قال: هو النضر بن الحارث بن كلدة.15985 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا طلحة بن عمرو, عن عطاء قال: قال رجل من بني عبد الدار, يقال له النضر بن كلدة: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم "، فقال الله: وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [سورة ص: 16]، وقال: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [سورة الأنعام: 94]، وقال: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ [سورة المعارج: 1-2]. قال عطاء: لقد نزل فيه بضعَ عشرة آية من كتاب الله.15986 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: فقال= يعني النضر بن الحارث =: اللهم إن كان ما يقول محمد هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم! قال الله: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ .15987 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن ليث, عن مجاهد في قوله: " إن كان هذا هو الحق من عندك " الآية، قال: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ .15988 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك "، الآية قال: قال ذلك سُفَّهُ هذه الأمة وجهلتها, (73) فعاد الله بعائدته ورحمته على سَفَهة هذه الأمة وجهلتها. (74)15989 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: ثم ذكر غِرَّة قريش واستفتاحهم على أنفسهم, إذ قالوا: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك "، أي: ما جاء به محمد= " فأمطر علينا حجارة من السماء "، كما أمطرتها على قوم لوط = " أو ائتنا بعذاب أليم "، أي: ببعض ما عذبت به الأمم قبلنا. (75)* * *واختلف أهل العربية في وجه دخول " هو " في الكلام.فقال بعض البصريين: نصب " الحق ", لأن " هو " والله أعلم، حُوِّلت زائدة في الكلام صلةَ توكيدٍ، كزيادة " ما ", ولا تزاد إلا في كل فعل لا يستغني عن خبر, وليس هو بصفة، ل " هذا "، لأنك لو قلت: " رأيت هذا هو "، لم يكن كلامًا. ولا تكون هذه المضمرة من صفة الظاهرة, ولكنها تكون من صفة المضمرة, نحو قوله: وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [سورة الزخرف: 76] و خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا [سورة المزمل: 20].لأنك تقول: " وجدته هو وإياي"، فتكون " هو " صفة. (76)وقد تكون في هذا المعنى أيضا غير صفة, ولكنها تكون زائدة، كما كان في الأول. وقد تجري في جميع هذا مجرى الاسم, فيرفع ما بعدها، إن كان بعدها ظاهرًا أو مضمرًا في لغة بني تميم, يقولون في قوله: " إن كان هذا هو الحق من عندك "، " ولكن كانوا هم الظالمون "، (77) و " تجدوه عند الله هو خيرٌ وأعظم أجرًا " (78) كما تقول: " كانوا آباؤهم الظالمون ", جعلوا هذا المضمر نحو " هو " و " هما " و " أنت " زائدًا في هذا المكان، ولم تجعل مواضع الصفة, لأنه فصْلٌ أراد أن يبين به أنه ليس ما بعده صفةً لما قبله, ولم يحتج إلى هذا في الموضع الذي لا يكون له خبر.* * *وكان بعض الكوفيين يقول: لم تدخل " هو " التي هى عماد في الكلام، (79) إلا لمعنى صحيح. وقال: كأنه قال: " زيد قائم "، فقلت أنت: " بل عمرو هو القائم " ف " هو " لمعهود الاسم، و " الألف واللام " لمعهود الفعل، (80) [ " والألف واللام "] التي هي صلة في الكلام، (81) مخالفة لمعنى " هو ", لأن دخولها وخروجها واحد في الكلام. وليست كذلك " هو ". وأما التي تدخل صلة في الكلام, فتوكيدٌ شبيه بقولهم: " وجدته نفسَه "، تقول ذلك, وليست بصفة " كالظريف " و " العاقل ". (82)--------------------الهوامش :(70) في المطبوعة والمخطوطة : " مكرت لهم " ، وليست بشيء .(71) الأثر : 15981 - " أبو بشر " ، هو " جعفر بن إياس " ، " جعفر بن أبي وحشية " ، مضى مرارًا كثيرة . وكان في تعليق ابن كثير ، الذي نقلته في التعليق على الخبر السالف " جعفر بن أبي دحية " ، وهو خطأ محض .(72) الأثر : 15982 - في المطبوعة : " النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة " .والصواب ما في المخطوطة ، لأن الاختلاف في نسبة هكذا : " النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار " أو : " النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار " انظر سيرة ابن هشام 2 : 320 ، 321 . وقد غير ما في المخطوطة بلا حرج ولا ورع .(73) في المطبوعة : " سفهة هذه الأمة " ، غير ما في المخطوطة ، طرح الصواب المحض يقال : " سفيه " ، والجمع " سفهاء " " وسفاه " ( بكسر السين ) و " سفه " ، بضم السين وتشديد الفاء المفتوحة . والذي في كتب اللغة أن " سفاه " و " سفه " ، و " سفائه " جمع " سفيهة " . وسيأتي في المخطوطة بعد قليل " سفهه " ، وكأنها جائزة أيضًا .(74) هكذا في المخطوطة أيضًا " سفهة " ، فتركتها على حالها . انظر التعليق السالف . وكأنه إتباع لقوله " جهلة " ، وهذا من خصائص العربية .(75) الأثر : 15989 - سيرة ابن هشام 2 : 325 ، وهو تبع الأثر السالف رقم : 15975 .وكان في المطبوعة : " ثم ذكر غيرة قريش " ، وهو لا معنى له ، صوابه من المخطوطة وابن هشام . يعني : اغترارهم بأمرهم ، وغفلتهم عن الحق .(76) " الصفة " ، هو " ضمير الفصل " ، وانظر التعليق التالي رقم : 4 .(77) في المطبوعة : " هم الظالمين " ، خالف المخطوطة وأساء .(78) في المطبوعة والمخطوطة : " هو خيرًا " ، ولا شاهد فيه ، وصوابه ما أثبت .(79) " العماد " ، اصطلاح الكوفيين ، والبصريون يقولون : " ضمير الفصل " ، ويقال له أيضًا : " دعامة " و " صفة " . انظر ما سلف 2 : 312 ، تعليق 2 ، ثم ص 313 ، 374 ثم 7 : 429، تعليق : 2 .(80) " الفعل " ، يعني الخبر .(81) ما بين القوسين ، مكانه بياض في المخطوطة ، ولكن ناشر المطبوعة ضم الكلام بعضه إلى بعض . وأثبت ما بين القوسين استظهارًا ، وكأنه الصواب إن شاء الله . وقوله : " صلة " ، أي : زيادة ، انظر تفسير ذلك فيما سلف 1 : 190، 405 ، 406 ، 548 4 : 282 5 : 460 ، 462 7 : 340 ، 341 .(82) انظر مبحث ضمير " العماد " في معاني القرآن للفراء 1 : 50 - 52 ، 104 ، 248 ، 249 ، 409 ، 410 .وما سلف من التفسير 2 : 312 ، 313 7 : 429 ، 430 ، وغيرها في فهارس مباحث العربية والنحو وغيرهما .
عطف على { وإذ يمكر بك الذين كفروا } [ الأنفال : 30 ] أو على { قالوا قد سمعنا } [ الأنفال : 31 ] وقائل هذه المقالة هو النضر بن الحارث صاحب المقالة السابقة ، وقالها أيضاً أبو جهل وإسناد القول إلى جميع المشركين للوجه الذي أسند له قولُ النضر { قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا } [ الأنفال : 31 ] فارجع إليه ، وكذلك طريق حكاية كلامهم إنما هو جار على نحو ما قررته هنالك من حكاية المعنى .وكلامهم هذا جار مجرى القَسَم ، وذلك أنهم يقسمون بطريقة الدعاء على أنفسهم إذا كان ما حصل في الوجود على خلاف ما يحكونه أو يعتقدونه ، وهم يحسبون أن دعوة المرء على نفسه مستجابة ، وهذه طريقة شهيرة في كلامهم قال النابغة: ... ما إنْ أتيتُ بشيء أنتَ تكرههإذَنْ فلا رَفَعَتْ سَوطي إِليَّ يدي ... وقال معدان بنُ جَواس الكِندي ، أو حُجَيّة بن المضرب السَّكوني: ... إن كان ما بُلِّغْت عني فلامنيصديقي وشَلَّتْ من يديّ الأنامل ... وكَفّنْتُ وحدي مُنذراً برِدائِهوصادَفَ حَوْطاً من أعاديّ قاتل ... وقال الأشتر النّخَعي: ... بُقَّيْتُ وفْري وانحرفتُ عن العلاولقيتُ أضيافي بوجهِ عبوسِ ... إنْ لم أَشُنّ على ابن حرب غارةلم تخلُ يوماً من نهاب نفوس ... وقد ضَمّن الحريري في «المقامة العاشرة» هذه الطريقة في حكاية يمين وجّهها أبو زيد السروجي على غُلامه المزعوم لدى والي رَحبة مالك بن طوْق حتى اضطرَّ الغلامَ إلى أن يقول : «الاصطلاء بالبلية ، ولا الابتلاءُ بهذه الإِلِيّة» .فمعنى كلامهم : إن هذا القرآن ليس حقاً من عندك فإن كان حقاً فأصبنا بالعذاب ، وهذا يقتضي أنهم قد جزموا بأنه ليس بحق وليسَ الشرط على ظاهره حتى يفيد ترددهم في كونه حقاً ولكنه كناية عن اليمين وقد كانوا لجهلهم وضلالهم يحسبون أن الله يتصدى لمخاطرتهم ، فإذا سألوه أن يمطر عليهم حجارة إن كان القرآن حقاً منه أمطر عليهم الحجارة وأرادوا أن يظهروا لقومهم صحة جزمهم بعدم حقية القرآن فأعلنوا الدعاء على أنفسهم بأن يصيبهم عذاب عاجل إن كان القرآن حقاً من الله ليستدلوا بعدم نزول العذاب على أن القرآن ليس من عند الله ، وذلك في معنى القسم كما علمت .وتعليق الشرط بحرف { إن } لأن الأصل فيها عدم اليقين بوقوع الشرط ، فهم غير جازمين بأن القرآن حق ومنزل من الله بل هم موقنون بأنه غير حق واليقين بأنه غير حق أخص من عدم اليقين بأنه حق .وضمير { هو } ضميرُ فصل فهو يقتضي تقوي الخبر أي : إن كان هذا حقاً ومن عندك بلا شك .وتعريف المسند بلام الجنس يقتضي الحصر فاجتمع في التركيب تقو وحصر وذلك تعبيرهم يحكون به أقوال القرآن المنوهة بصدقه كقوله تعالى : { إن هذا لَهو القصص الحق } [ آل عمران : 62 ] وهم إنما أرادوا إن كان القرآن حقاً ولا داعي لهم إلى نفي قوة حقيته ولا نفي انحصار الحقية فيه ، وإن كان ذلك لازماً لكونه حقاً ، لأنه إذا كان حقاً كان ما هم عليه باطلاً فصح اعتبار انحصار الحقية فيه انحصاراً إضافياً ، إلاّ أنه لا داعي إليه لولا أنهم أرادوا حكاية الكلام الذي يبطلونه .وهذا الدعاء كناية منهم عن كون القرآن ليس كما يوصف به ، للتلازم بين الدعاء على أنفسهم وبين الجزم بانتفاء ما جعلوه سبب الدعاء بحسب عرف كلامهم واعتقادهم .و { من عندك } حال من الحق أي منزلاً من عندك فهم يطْعنون في كونه حقاً وفي كونه منزلاً من عند الله .وقوله : { من السماء } وصف لحجارة أي حجارةَ مخلوقة لعذاب مَن تصيبه لأن الشأن أن مطر السماء لا يكون بحجارة كقوله تعالى : { فصَب عليهم ربك سوط عذابٍ } [ الفجر : 13 ] ( والصب قريب من الأمطار ).وذكروا عذاباً خاصاً وهو مطر الحجارة ثم عمموا فقالوا : { أو ائِتنا بعذاب أليم } ويريدون بذلك كله عذاب الدنيا لأنهم لا يؤمنون بالآخرة . ووصفوا العذاب بالأليم زيادة في تحقيق يقينهم بأن المحلوف عليه بهذا الدعاء ليس منزلاً من عند الله فلذلك عرضوا أنفسهم لخَطر عظيم على تقدير أن يكون القرآن حقاً ومنزلاً من عند الله .وإذ كان هذا القول إنما يلزم قائله خاصة ومن شاركه فيه ونطقَ به مثل النضر وأبي جهل ومَن التزم ذلك وشارك فيه من أهل ناديهم ، كانوا قد عرضوا أنفسهم به إلى تعذيب الله إياهم انتصاراً لنبيه وكتابه ، وكانت الآية نزلت بعد أن حق العذاب على قائلي هذا القول وهو عذاب القتل المُهين بأيدي المسلمين يومَ بدر ، قال تعالى : { يُعذبْهُم الله بأيديكم ويُخْزِهم وينْصُرْكم عليهم } [ التوبة : 14 ] وكان العذاب قد تأخر عنهم زمناً اقتضته حكمة الله ، بين الله لرسوله في هذه الآية سبب تأخر العذاب عنهم حين قالوا ما قالوا ، وأيقظ النفوس إلى حلوله بهم وهم لا يشعرون .