وقال السادة والكبراء المكذبون الرافضون لدعوة التوحيد إمعانًا في العتوِّ والتمرد، محذرين من اتباع شعيب: لئن اتبعتم شعيبًا إنكم إذًا لهالكون.
«وقال الملأ الذين كفروا من قومه» أي قال بعضهم لبعض «لئن» لام قسم «اتبعتم شعيبا إنكم إذًا الخاسرون».
وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ْ محذرين عن اتباع شعيب، لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ْ هذا ما سولت لهم أنفسهم أن الخسارة والشقاء في اتباع الرشد والهدى، ولم يدروا أن الخسارة كل الخسارة في لزوم ما هم عليه من الضلال والإضلال، وقد علموا ذلك حين وقع بهم النكال.
خبر تعالى عن شدة كفر قوم شعيب وتمردهم وعتوهم ، وما هم فيه من الضلال ، وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق ، ولهذا أقسموا وقالوا ( لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ) فلهذا عقب ذلك بقوله :
وهنا نلمح أن الملأ من قوم شعيب قد يئسوا من استمالة شعيب وأتباعه إلى ملتهم، فأخذوا يحذرون الناس من السير في طريقه، ويحكى القرآن ذلك بأسلوبه الحكيم فيقول: وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ، لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ.أى: قال الأشراف الكافرون من قوم شعيب لغيرهم: لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ لشرفكم ومجدكم، بإيثار ملته على ملة آبائكم وأجدادكم، وخاسرون لثروتكم وربحكم المادي. لأن اتباعكم له سيحول بينكم وبين التطفيف في الكيل والميزان وهو مدار غناكم واتساع أموالكم.وقولهم هذا يقصدون به تنفير الناس من دعوة شعيب، وتثبيطهم عن الإيمان به، وإغرائهم بالبقاء على عقائدهم الباطلة، وتقاليدهم البالية التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، فهم لم يكتفوا بضلالهم في أنفسهم، بل عملوا على إضلال غيرهم. وقولهم هذا معطوف على قوله- تعالى- فيما سبق: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ. وليس ردا على شعيب، لأنه لو كان كذلك لجاء مفصولا بدون عطف، وقد أكدوا قولهم بعدة مؤكدات منها اللام الموطئة للقسم، والجملة الاسمية المصدرة بإن. وذلك لكي يخدعوا السامعين بأنهم ما يريدون إلا خيرهم وعدم خسرانهم.وحذف متعلق الخسران ليعم كل أنواعه الدينية والدنيوية.قال صاحب الكشاف: فإن قلت: أين جواب القسم الذي وطأته اللام في قوله: لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ وجواب الشرط؟ قلت: قوله: إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ساد مسد الجوابين» .
( وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا ) وتركتم دينكم ، ( إنكم إذا لخاسرون ) مغبونون ، وقال عطاء : جاهدون . قال الضحاك : عجزة .
قوله تعالى وقال الملأ الذين كفروا من قومه أي قالوا لمن دونهم لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون أي هالكون .
القول في تأويل قوله : وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: وقالت الجماعة من كفرة رجال قوم شعيب= وهم " الملأ " (14) = الذين جحدوا آيات الله ، وكذبوا رسوله ، وتمادوا في غيِّهم، لآخرين منهم: لئن أنتم اتبعتم شُعَيبًا على ما يقول ، وأجبتموه إلى ما يدعوكم إليه من توحيد الله ، والانتهاء إلى أمره ونهيه ، وأقررتم بنبوَّته=( إنكم إذًا لخاسرون ) ، يقول: لمغبونون في فعلكم، وترككم ملتكم التي أنتم عليها مقيمون ، إلى دينه الذي يدعوكم إليه= وهالِكُون بذلك من فعلكم. (15)------------------الهوامش :(14) انظر تفسير"الملأ" فيما سلف ص561 ، تعليق: 22 والمراجع هناك.(15) انظر تفسير"الخسارة" فيما سلف ص: 481 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
عُطفت جملة : { وقال الملأ } ولم تفصل كما فصلت التي قبلها لانتهاء المحاورة المقتضية فصل الجمل في حكاية المحاورة ، وهذا قول أنف وجه فيه الملأ خطابهم إلى عامة قومهم الباقين على الكفر تحذيراً لهم من اتباع شعيب خشية عليهم من أن تحيك في نفوسهم دعوة شعيب وصدْق مجادلته ، فلما رأوا حجته ساطعة ولم يستطيعوا الفلج عليه في المجادلة ، وصمموا على كفرهم ، أقبلوا على خطاب الحاضرين من قومهم ليحذروهم من متابعة شعيب ويهددوهم بالخسارة .وذِكْرُ { المَلأ } إظهار في مقام الإضمار لبعد المعاد . وإنّما وصف الملأ بالموصول وصلته دون أن يكتفي بحرف التعريف المقتضي أن الملأ الثاني هو الملأ المذكور قبله ، لقصد زيادة ذم الملأ بوصف الكفر ، كما ذم فيما سبق بوصف الاستكبار .ووصف { الملأ } هنا بالكفر لمناسبة الكلام المحكي عنهم ، الدال على تصلبّهم في كفرهم ، كما وصفوا في الآية السابقة بالاستكبار لمناسبة حال مجادلتهم شعيباً ، كما تقدم ، فحصل من الآيتين أنّهم مُستكبرون كافرون .والمخاطب في قوله : { لئن اتّبعتم شعيباً } هم الحاضرون حين الخطاب لدى الملإِ ، فحُكي كلام الملأ كما صدر منهم ، والسياق يفسر المعنيين بالخطاب ، أعني عامّة قوم شعيب الباقين على الكفر .( واللام ) موطّئة للقسم . و { إنكم إذا لخاسرون } جواب القسم وهو دليل على جواب الشرط محذوف ، كما هو الشأن في مثل هذا التركيب .والخُسران تقدم عند قوله تعالى : { قد خسر الذين قتلوا أولادهم } في سورة الأنعام ( 140 ). وهو مستعار لحصول الضر من حيث أريد النفع ، والمراد به هنا التحذير من أضرار تحصل لهم في الدنيا من جراء غضب آلهتهم عليهم ، لأن الظاهر أنّهم لا يعتقدون البعث ، فإن كانوا يعتقدونه ، فالمراد الخسران الأعم ، ولكن الأهم عندهم هو الدنيوي .