تحتوي هذه الصفحة على جميع آيات سورة الأعراف بالإضافة إلى تفسير جميع الآيات من قبل تفسير الوسيط لطنطاوي (محمد سيد طنطاوي). في الجزء الأول يمكنك قراءة سورة الأعراف مرتبة في صفحات تماما كما هو موجود في القرآن. لقراءة تفسير لآية ما انقر على رقمها.
معلومات عن سورة الأعراف
نوع سورة الأعراف: مكية
عدد الآيات في سورة الأعراف: 206
ترتيب سورة الأعراف في القرآن الكريم: 7
ترتيب نزول الوحي: 39
اسم السورة باللغة الإنجليزية: The Heights
أرقام الصفحات في القرآن الكريم: من الصفحة 151 إلى 176
Waith nataqna aljabala fawqahum kaannahu thullatun wathannoo annahu waqiAAun bihim khuthoo maataynakum biquwwatin waothkuroo ma feehi laAAallakum tattaqoona
والآية الكريمة معطوفة على ما سبق من أحوال بنى إسرائيل بتقدير: اذكر.ونتقنا: من النتق وهو الزعزعة والرفع والجذب بشدة، يقال: نتق الشيء ينتقه وينتقه، جذبه واقتلعه.والمراد بالجبل جبل الطور الذي سمع موسى عليه الكلام من ربه.قيل: «إن موسى لما أتى بنى إسرائيل بالتوراة وقرأها عليهم وسمعوا ما فيها من التغليظ كبر ذلك عليهم، وأبوا أن يقبلوا ذلك، فأمر الله الجبل فانقطع من أصله حتى قام على رءوسهم مقدار عسكرهم، فلما نظروا إليه فوق رءوسهم خروا ساجدين، فسجدوا كل واحد منهم على خده وحاجبه الأيسر، وجعل ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل خوفا من أن يسقط فوقهم .أى: واذكر يا محمد وذكر بنى إسرائيل المعاصرين لك وقت أن رفعنا الجبل فوق آبائهم الذين كانوا في عهد موسى حتى صار كأنه غمامة أو سقيفة فوق رءوسهم لنريهم آية من الآيات التي تدل على قدرتنا وعلى صدق نبينا موسى- عليه السلام-.قال بعض العلماء: «ورفع الجبل فوقهم لإرشادهم آية من آيات الله تقوى إيمانهم بأن التوراة منزلة من عند الله، وقوة الإيمان من شأنها أن تدفع إلى العمل بما في الكتاب المنزل بجد واجتهاد» .وقوله وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ أى: ووقع في نفوسهم أن الجبل ساقط عليهم إذا لم يستجيبوا لما أمرهم به نبيهم- عليه السلام-.قال الجمل: وقوله وَظَنُّوا فيه أوجه:أحدها: أنه في محل جر نسقا على نتقنا المخفوض بالظرف تقديرا.والثاني: أنه حال، و «قد» مقدرة عند بعضهم، وصاحب الحال الجبل.أى: كأنه ظلة في حال كونه مظنونا وقوعه بهم.والثالث: أنه مستأنف فلا محل له. والظن هنا على بابه، وقيل بمعنى اليقين» .وقوله خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ مقول لقول محذوف دل عليه المعنى.والتقدير: وقلنا لهم خذوا ما آتيناكم بقوة، أى تمسكوا به واعملوا بما فيه يجد ونشاط، وتقبلوه بحسن استعداد وبدون تقصير أو تردد.والمراد بقوله: ما آتَيْناكُمْ التوراة التي أنزلها الله على موسى لتكون هدى ونورا لهم.وقوله وَاذْكُرُوا ما فِيهِ أى: احفظوه وتدبروه وتدارسوه واعملوا به بلا تعطيل لشيء منه.قال القرطبي: وهذا هو من المقصود من الكتب: العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان فحسب، فقد روى النسائي عن أبى سعيد الخدري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن من شر الناس رجلا فاسقا يقرأ القرآن لا يرعوى إلى شيء منه» .و «لعل» في قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ إما للتعليل فيكون المعنى: خذوا الكتاب بجد وعزم، واعملوا بما فيه بصدق وطاعة لتتقوا الهلاك في دنياكم وآخرتكم. وإما للترجى، وهو منصرف إلى المخاطبين فيكون المعنى: خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ولا تنسوه وأنتم ترجون أن تكونوا من طائفة المتقين.ولكن بنى إسرائيل لم يذكروا ولم يتدبروا بل نقضوا العهد، ولجوا في المعصية، فاستحقوا لعنة الله وغضبه، وما ربك بظلام للعبيد.وبذلك تكون سورة الأعراف قد حدثتنا- من بين ما حدثتنا- من مطلعها إلى هنا عن هداية القرآن الكريم، وعن يوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب، وجنة ونار، وعن النداءات التي وجهها الله- تعالى- لبنى آدم تذكيرا وتوجيها وتعليما حتى يسعدوا في دينهم ودنياهم، وعن أحوال السعداء والأشقياء في الآخرة وما يدور بينهم من مناقشات ومحاورات، وعن قصة آدم وإبليس وعن قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب مع أقوامهم، ثم أفاضت السورة الكريمة في حديثها عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل.والهدف الأول الذي قصدته السورة مما عرضته من قصص وتوجيهات وإرشادات هو إثبات وحدانية الله، وإخلاص العبادة له، وحمل الناس على السير في الطريق المستقيم، وقد استعملت السورة في عرضها لتلك الحقائق أساليب الترغيب والترهيب، والتذكير بالنعم والتحذير من النقم، وإقامة الحجج ودفع الشبه.ثم بدأت السورة بعد أن انتهت من حديثها عن بنى إسرائيل وحتى نهايتها تحدثنا عن قضية التوحيد من زاوية جديدة عميقة، زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر، ولنتصاحب سويا- أيها القارئ الكريم- متأملين فيما ساقته لنا السورة الكريمة في الربعين الأخيرين منها من آيات تزخر بالأدلة العقلية والمنطقية التي تثبت وحدانية الله وتبطل الشرك والشركاء، مستعينة في ذلك بما تهدى إليه الفطرة البشرية والطبيعة الانسانية.تدبر معى قوله- تعالى-:
Waith akhatha rabbuka min banee adama min thuhoorihim thurriyyatahum waashhadahum AAala anfusihim alastu birabbikum qaloo bala shahidna an taqooloo yawma alqiyamati inna kunna AAan hatha ghafileena
قال صاحب المنار: هذه الآيات بدء سياق جديد في شئون البشر العامة المتعلقة بهداية الله لهم بما أودع في فطرتهم وركب في عقولهم من الاستعداد للايمان به وتمجيده وشكره، في إثر بيان هدايته لهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب في قصة بنى إسرائيل. فالمناسبة بين هذا وما قبله ظاهرة، ولذلك عطف عليه عطف جملة على جملة أو سياق على سياق.قوله وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ الظهور: جمع ظهر وهو العمود الفقرى لهيكل الإنسان الذي هو قوام بنيته.والذرية: سلالة الإنسان من الذكور والإناث.وقوله مِنْ ظُهُورِهِمْ بدل بعض من قوله مِنْ بَنِي آدَمَ وذُرِّيَّتَهُمْ مفعول أخذ.والمعنى: واذكر أيها الرسول وذكر كل عاقل وقت أن استخرج الله- تعالى- من أصلاب بنى آدم ذريتهم، وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها- سبحانه- في أرحام الأمهات، وجعلها علقة ثم مضغة، ثم جعلها بشرا سويا، وخلقا كاملا مكلفا.قال الآلوسى: وإيثار الأخذ على الإخراج للإيذان بشأن المأخوذ إذ ذاك لما فيه من الإنباء عن الاجتباء والاصطفاء وهو السبب في إسناده إلى اسم الرب بطريق الالتفات مع ما فيه من التمهيد للاستفهام الآتي. وقيل إن إيثار الأخذ على الإخراج لمناسبة ما تضمنته الآية من الميثاق، فإن الذي يناسبه هو الأخذ دون الإخراج.والتعبير بالرب لما أن ذلك الأخذ باعتبار ما يتبعه من آثار الربوبية.وقوله: وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أى: أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته، وعجائب خلقه، وغرائب صنعته، وبما أودع في قلوبهم من غريزة الإيمان، وفي عقولهم من مدارك تهديهم إلى معرفة ربهم وخالقهم.وقوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ مقول لقول محذوف: أى: قائلا لهم- بعد أن أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل الوحدانية- ألست بربكم، ومالك أمركم، ومربيكم على الإطلاق، من غير أن يكون لأحد مدخل في شأن من شئونكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أى: قالوا بلى شهدنا على أنفسنا عن عقيدة وإقناع بأنك أنت ربنا وخالقنا ولا رب لنا سواك، فإن آثار رحمتك وعجائب خلقك، ومظاهر قدرتك تجعلنا لا نتردد في هذه الشهادة.وبَلى حرف جواب، وتختص بالنفي فلا تقع إلا جوابه فتفيد إبطاله سواء أكان مجردا أم مقرونا بالاستفهام ولذلك قال ابن عباس وغيره، لو قالوا نعم لكفروا. لأن نعم حرف تصديق للمخبر بنفي أو إيجاب.قال صاحب الكشاف: وقوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى من باب التمثيل ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم: ألست بربكم؟ وكأنهم قالوا: بلى أنت ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك، وباب التمثيل واسع في كلام الله- تعالى- وفي كلام رسوله صلّى الله عليه وسلّم وفي كلام العرب. ونظيره قوله تعالى- إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وقوله فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. ومعلوم أنه لا قول ثم وإنما تمثيل وتصوير للمعنى».والمقصود من الآية الكريمة الاحتجاج على المشركين بمعرفتهم ربوبيته- تعالى- معرفة فطرية لازمة لهم لزوم الإقرار منهم والشهادة. قال- تعالى-: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ.والفطرة هي معرفة ربوبيته- سبحانه-:وقد وردت أحاديث كثيرة تشهد بأن الناس قد فطرهم الله- تعالى- على معرفته، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما من مولود الا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء- أى سالمة الأذن- هل تحسون فيها من جدعاء- أى مقطوعة الأذن.وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم: يقول الله- تعالى- إنى خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم- أى صرفتهم عن دينهم- وحرمت عليهم ما أحللت لهم» .وروى الطبري عن الحسن الأسود بن سريع قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها أو ينصرانها» ولذلك يتبين لنا أن المعنى الإجمالى للآية الكريمة أن الله- تعالى- نصب للناس في كل شيء من مخلوقاته- ومنها أنفسهم- دلائل توحيده وربوبيته، وركز فيهم عقولا وبصائر يتمكنون بها تمكنا تاما من معرفته والاستدلال بها على التوحيد والربوبية حتى صاروا بمنزلة من إذا دعى إلى الإيمان بها سارع إليه بدون شك أو تردد.فالكلام على سبيل المجاز التمثيلى لكون الناس قد فطرهم الله- تعالى- على معرفته والإيمان به، وجعلهم مستعدين جميعا للنظر المؤدى إلى الاعتراف بوحدانيته، ولا إخراج للذرية ولا قول ولا إشهاد بالفعل.وعلى هذا الرأى سار المحققون من مفسري السلف والخلف:ويرى بعض المفسرين أن معنى الآية الكريمة: أن الله- تعالى- مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته كالذر، وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق، وألهمهم ذلك الإقرار، ثم أعادهم إلى ظهر أبيهم آدم، واستشهدوا لذلك بأحاديث وآثار ليست صحيحة الاسناد، وما حسن إسناده منها فقد أوله العلماء بما يتفق مع منطوق الآية الكريمة.وقد رد أصحاب الرأى الأول على هذا البعض بردود منها: أن الله- تعالى قال: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ولم يقل من آدم، وقال مِنْ ظُهُورِهِمْ ولم يقل من ظهره، وقال ذُرِّيَّتَهُمْ ولم يقل ذريته. قال إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا ولم يكن لهم يومئذ أب مشرك، لأن آدم حاشاه من الشرك بالله- تعالى:قال الإمام ابن كثير بعد أن ساق عددا كبيرا من الأحاديث في هذا المعنى: ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الاشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد كما تقدم في حديث أبى هريرة وعياض والأسود بن سريع وقد فسر الحسن الآية بذلك».ثم بين- سبحانه- سبب الاشهاد وعلله فقال: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أى: فعلنا ما فعلنا كراهة أن تقولوا، أو منعا من أن تقولوا يوم القيامة معتذرين عن شرككم: إنا كنا عن هذا الأمر وهو إفراد الله- تعالى- بالربوبية غافلين لم ننبه إليه، لأنهم ما داموا قد خلقوا على الفطرة، ونصب الله لهم في كل شيء من مخلوقاته ما يدل على وحدانيته، وجاءتهم الرسل فبشرتهم وأنذرتهم. فقد بطل عذرهم، وسقطت حجتهم.
Aw taqooloo innama ashraka abaona min qablu wakunnathurriyyatan min baAAdihim afatuhlikuna bima faAAala almubtiloona
ثم بين- سبحانه- سببا آخر لهذا الاشهاد فقال: أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ.أى. وفعلنا ذلك- أيضا منعا لكم من أن تقولوا يوم الحساب: إن آباءنا هم الذين سنوا هذا الإشراك وساروا عليه فنحن قد اتبعناهم في ذلك بمقتضى أننا أبناؤهم، وننهج نهجهم من بعدهم، فإن قولكم هذا غير مقبول بعد أن هيأ الله لكم من الأسباب ما يفتح قلوبكم لنور الحق لو كنتم مستعدين لقبوله.والاستفهام في قوله أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ للإنكار. أى: أنت يا ربنا حكيم وعادل فهل تؤاخذنا بما فعل آباؤنا من الشرك وأسسوا من الباطل أو بفعل آبائنا الذين أبطلوا تأثير العقول وأقوال الرسل؟ إنك يا ربنا قد وعدت أنك لا تأخذ الأبناء بفعل الآباء ونحن قد سلكنا طريقهم والحجة عليهم بما شرعوا لنا من الباطل فكيف تؤاخذنا؟.والجواب على ذلك أن الإقرار بالربوبية والتوحيد هو في أصل فطرتكم فلم لم ترجعوا إليه عند ما دعاكم رسولنا الكريم إلى وحدانية الله ونبذ الشركاء إن انقيادكم للاباء بعد أن وهبكم الله العقول المفكرة، وأرسل إليكم الرسل مبشرين ومنذرين لن يعفيكم من المسئولية، ولن ينقذكم من العذاب.
ثم قال- تعالى- وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أى: ومثل هذا التفصيل البليغ نفصل لبنى آدم الآيات والدلائل ليستعملوا عقولهم، ولعلهم يرجعون إلى فطرتهم وما استكن فيها من ميثاق، وإلى خلقتهم وما كمن فيها من ناموس. فالرجوع إلى الفطرة القويمة كفيل بغرس عقيدة التوحيد في القلوب، وردها إلى بارئها الواحد القهار الذي فطرها على الحق، وصرفها عن الجهل والتقليد.هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآيات أمورا من أهمها:1- فساد التقليد في الدين، وأنه- تعالى- قد أزاح العذر، وأزال العلل بحيث أصبح لا يعذر أحد بكفره أو شركه.2- أن معرفته- تعالى- فطرية ضرورية. قال- تعالى- وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ.وروى الترمذي عن عمران بن الحصين قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لأبى: يا حصين كم إلها تعبد اليوم. قال أبى: سبعة ستة في الأرض وواحدا في السماء قال. فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك.قال: الذي في السماء.فالله- تعالى- فطر الخلق كلهم على معرفة فطرة التوحيد، حتى من خلق مجنونا لا يفهم شيئا ما يحلف إلا به. ولا يلهج لسانه بأكثر من اسمه المقدس.ثم ضرب- سبحانه- مثلا لمن لا يعمل بعلمه فقال- تعالى-:
قال صاحب المنار: هذا مثل ضربه الله- تعالى للمكذبين بآيات الله المنزلة على رسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم وهو مثل من آتاه الله آياته فكان عالما بها حافظا لقواعدها وأحكامها قادرا على بيانها والجدل بها، ولكنه لم يؤت العمل مع العلم، بل كان عمله مخالفا تمام المخالفة لعلمه فسلب هذه الآيات، لأن العلم الذي لا يعمل به لا يلبث أن يزول فأشبه الحية التي تنسلخ من جلدها وتخرج منه وتتركه على الأرض، أو كان في التباين بين علمه وعمله كالمنسلخ من العلم التارك له، كالثوب الخلق يلقيه صاحبه، والثعبان يتجرد من جلده حتى لا تبقى له به صلة على حد قول الشاعر:خلقوا، وما خلقوا لمكرمة ... فكأنهم خلقوا وما خلقوارزقوا، وما رزقوا سماح يد ... فكأنهم رزقوا وما رزقوافحاصل معنى المثل: أن المكذبين بآيات الله المنزلة على رسوله مع إيضاحها بالحجج والدلائل كالعالم الذي حرم ثمرة الانتفاع من علمه، لأن كلا منهما لم ينظر في الآيات نظر تأمل واعتبار وإخلاص».وقوله- تعالى- وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها أى: اقرأ على قومك يا محمد ليعتبروا ويتعظوا خبر ذلك الإنسان الذي آتيناه آياتنا بأن علمناه إياه، وفهمناه مراميها، فانسلخ من تلك الآيات انسلاخ الجلد من الشاة، أو الحية من جلدها.والمراد أنه خرج منه بالكلية بأن كفر بها، ونبذها وراء ظهره، ولم ينتفع بما اشتملت عليه من عظات وإرشادات.وحقيقة السلخ كشط الجلد وإزالته بالكلية عن المسلوخ عنه، ويقال لكل شيء فارق شيئا على أتم وجه انسلخ منه. وفي التعبير به ما لا يخفى من المبالغة وقوله: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ أى: فلحقه الشيطان وأدركه فصار هذا الإنسان بسبب ذلك من زمرة الضالين الراسخين في الغواية، مع أنه قبل ذلك كان من المهتدين:وفي التعبير بقوله فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ مبالغة في ذم هذا الإنسان وتحقيره، جعل كأنه إمام للشيطان والشيطان يتبعه، فهو على حد قول الشاعر:وكان فتى من جند إبليس فارتقى ... به الحال حتى صار إبليس من جندهقال الجمل: أتبعه فيه وجهان:أحدهما: أنه متعد لواحد بمعنى أدركه ولحقه، وهو مبالغة في حقه حيث جعل إماما للشيطان.وثانيهما: أن يكون متعديا لاثنين لأنه منقول بالهمزة من تبع، والمفعول الثاني محذوف تقديره: فأتبعه الشيطان خطواته، أى جعله تابعا لها:
Walaw shina larafaAAnahu biha walakinnahu akhlada ila alardi waittabaAAa hawahu famathaluhu kamathali alkalbi in tahmil AAalayhi yalhath aw tatrukhu yalhath thalika mathalu alqawmi allatheena kaththaboo biayatina faoqsusi alqasasa laAAallahum yatafakkaroona
وقوله وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها كلام مستأنف مسوق لبيان ما ذكر من الانسلاخ وما يتبعه.والضمير في قوله لَرَفَعْناهُ يعود إلى الشخص المعبر عنه بالاسم الموصول الَّذِي والضمير في قوله بِها يعود إلى الآيات. ومفعول المشيئة محذوف.أى: ولو شئنا رفعه بسبب تلك الآيات إلى درجات الكمال والعرفان لرفعناه لأننا لا يستعصى على قدرتنا شيء، ولكننا لم نفعل ذلك لأن سنتنا جرت أن نرفع من عنده الاستعداد لذلك أما الذين استحبوا العمى على الهدى فنذرهم في ضلالهم يعمهون.وقد بين القرآن هذا المعنى في قوله: وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ أخلد إلى الأرض: أى ركن إليها. وأصل الإخلاد اللزوم للمكان من الخلود.أى: ولو شئنا لرفعنا هذا الإنسان إلى منازل الأبرار بسبب تلك الآيات ولكنه هو الذي ركن إلى الدنيا، واطمأن بها، واستحوذت بشهواتها على نفسه، واختار لنفسه طريق التسفل المنافى للرفعة، واتبع هواه في ذلك فلم ينتفع بشيء من الآيات التي آتيناه إياه.أى: أن مقتضى هذه الآيات أن ترفع صاحبها إلى أعلى عليين، ولكن هذا المقتضى عارضه مانع وهو إخلاد من أوتى هذه الآيات إلى الأرض واتباعه للهوى، فتغلب المانع على المقتضى، فهو كما قال القائل:قالوا فلان عالم فاضل ... فأكرموه مثلما يقتضىفقلت: لما لم يكن عاملا ... تعارض المانع والمقتضىقال الآلوسى: وما ألطف نسبة إتيان الآيات والرفع إليه- تعالى- ونسبة الانسلاخ والإخلاد إلى العبد، مع أن الكل من الله- تعالى-، إذ فيه من تعليم العباد حسن الأدب ما فيه. ومن هنا قال صلّى الله عليه وسلّم اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك» .وقوله فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ.اللهث: إدلاع اللسان بالنفس الشديد. يقال: لهث الكلب يلهث- كسمع ومنع- لهثا ولهاثا، إذا أخرج لسانه في التنفس.والمعنى: فمثل هذا الإنسان الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها وأصبح إيتاء الآيات وعدمها بالنسبة له سواء، مثله كمثل الكلب إن شددت عليه وأتبعته لهث، وإن تركته على حاله لهث- أيضا-، فهو دائم اللهث في الحالين. لأن اللهث طبيعة فيه، وكذلك حال الحريص على الدنيا، المعرض عن الآيات بعد إيتائها، إن وعظته فهو لإيثاره الدنيا على الآخرة لا يقبل الوعظ، وإن تركت وعظه فهو حريص- أيضا- على الدنيا وشهواتها.والإشارة في قوله ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ إلى وصف الكلب أو إلى المنسلخ من الآيات، أى:ذلك المثل البعيد الشأن في الغرابة مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا من الجاحدين المستكبرين المنسلخين عن الهدى بعد أن كان في حوزتهم.وقوله فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ أى: إذا ثبت ذلك، فاقصص على قومك أيها الرسول الكريم المقصوص عليك من جهتنا لعلهم يتفكرون فينزجرون عما هم عليه من الكفر والضلال.والفاء في قوله فَاقْصُصِ لترتيب ما بعدها على ما قبلها. والقصص مصدر بمعنى اسم المفعول، واللام فيه للعهد، وجملة الترجي في محل نصب على أنها حال من ضمير المخاطب أو في موضع المفعول له. أى فاقصص القصص راجيا لتفكرهم، أو رجاء لتفكرهم.
Saa mathalan alqawmu allatheena kaththaboo biayatina waanfusahum kanoo yathlimoona
وقوله: ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا استئناف مسوق لبيان كمال قبحهم بعد البيان السابق. وساءَ بمعنى بئس وفاعلها مضمر. ومَثَلًا تمييز مفسر له، والمخصوص بالذم قوله- تعالى- الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا.أى: ساء مثلا مثل أولئك القوم الذين كذبوا بآياتنا حيث شبهوا بالكلاب إما في استواء الحالتين في النقصان وأنهم ضالون وعظوا أم لم يوعظوا، وإما في الخسة، فإن الكلاب لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة، فمن خرج عن خير الهدى والعلم وأقبل على هواه صار شبيها بالكلب، وبئس المثل مثله ولهذا ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:«ليس لنا مثل السوء. العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه» .وقوله وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ معطوف على كَذَّبُوا داخل معه في حكم الصلة بمعنى أنهم جمعوا بين أمرين قبيحين: التكذيب وظلمهم أنفسهم أو منقطع عنه بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم وحدها بارتكابهم تلك الموبقات والخطيئات. فإن العقوبة لا تقع إلا عليهم لا على غيرهم.هذا، والذي ذهب إليه المحققون من العلماء أن هذه الآيات الكريمة المثل فيها مضروب لكل إنسان أوتى علما ببعض آيات الله، ولكنه لم يعمل بمقتضى علمه، بل كفر بها ونبذها وراء ظهره وصار هو والجاهل سواء.وقيل: إن الآيات الكريمة واردة في شخص معين، واختلفوا في هذا المعين.فبعضهم قال إنها في أمية بن أبى الصلت، فإنه كان قد قرأ الكتب، وعلم أن الله مرسل رسولا وتمنى أن يكون هو هذا الرسول، فلما أرسل الله- تعالى- نبيه محمدا صلّى الله عليه وسلّم حسده ومات كافرا.وبعضهم قال: نزلت في أبى عامر الراهب الذي سماه النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الفاسق» كان يترهب في الجاهلية فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام، وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار والشقاق.وبعضهم قال: إنها في منافقي أهل الكتاب، كانوا يعرفون صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم ومخرجه، فلما بعثه الله- تعالى- كفروا به.وبعضهم قال: إنها نزلت لتحكى قصة رجل من علماء اليهود اسمه بلعم ابن باعوراء أوتى علم بعض كتب الله ثم انسلخ منها بأن كفر بها ونبذها بعد أن رشاه اليهود.والذي نراه أن الرأى الأول الذي عليه المحققون من المفسرين هو الراجح، وأن هؤلاء الذين ذكروا يندرجون تحته، لأنه لم يرد نص صحيح يعين اسم الذي وردت الآيات في حقه، فوجب أن نحملها على أنها وارد في شأن كل من علم الحق فأعرض عنه واتبع هواه.ثم يعقب القرآن على هذا المثل ببيان أن الهداية والضلال من الله وأن هناك أقواما من الجن والإنس قد خلقوا لجهنم بسبب إيثارهم طريق الشر على طريق الخير قال- تعالى-:
Man yahdi Allahu fahuwa almuhtadee waman yudlil faolaika humu alkhasiroona
قوله مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي أى: من يوفقه الله- تعالى- إلى سلوك طريق الهدى باستعمال عقله وحواسه بمقتضى سنة الفطرة فهو المهتدى حقا، الواصل إلى رضوان الله صدقا.وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ أى: ومن يخذله- سبحانه- بالحرمان من هذا التوفيق بسبب إيثاره السير في طريق الهوى والشيطان على طريق الهدى والإيمان، فأولئك هم الخاسرون لدنياهم وآخرتهم.وأفرد- سبحانه- المهتدى في الجملة الأولى مراعاة للفظ مَنْ، وجمع الخاسرين في الثانية مراعاة لمعناها فإنها من صيغ العموم.وحكمة إفراد المهتدى للإشارة إلى أن الحق واحد لا يتعدد ولا يتنوع، وحكمة جمع الثاني وهو قوله الْخاسِرُونَ للإشارة إلى تعدد أنواع الضلال، وتنوع وسائله وأساليبه.