وما يستوي الأعمى والبصير، وكذلك لا يستوي المؤمنون الذين يُقِرُّون بأن الله هو الإله الحق لا شريك له، ويستجيبون لرسله ويعملون بشرعه، والجاحدون الذين ينكرون أن الله هو الإله الحق، ويكذبون رسله ولا يعملون بشرعه. قليلا ما تتذكرون -أيها الناس- حجج الله، فتعتبرون، وتتعظون بها.
«وما يستوي الأعمى والبصير و» لا «الذين آمنوا وعملوا الصالحات» وهو المحسن «ولا المسيء» فيه زيادة لا «قليلا ما يتذكرون» يتعظون بالياء والتاء، أي تذكرهم قليل جدا.
أي: كما لا يستوي الأعمى والبصير، كذلك لا يستوي من آمن بالله وعمل الصالحات، ومن كان مستكبرًا على عبادة ربه، مقدمًا على معاصيه، ساعيًا في مساخطه، قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ أي: تذكركم قليل وإلا، فلو تذكرتم مراتب الأمور، ومنازل الخير والشر، والفرق بين الأبرار والفجار، وكانت لكم همة عليه، لآثرتم النافع على الضار، والهدى على الضلال، والسعادة الدائمة، على الدنيا الفانية.
ثم قال : ( وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء ) أي كما لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئا ، والبصير الذي يرى ما انتهى إليه بصره ، بل بينهما فرق عظيم ، كذلك لا يستوي المؤمنون الأبرار والكفرة الفجار ، ( قليلا ما تتذكرون ) أي : ما أقل ما يتذكر كثير من الناس .
وقوله- تعالى- وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ ... نفى لعدم المساواة بين الأخيار والأشرار. والمتقين والفجار..أى: كما أنه لا يصح في عرف أى عاقل المساواة بين الأعمى والبصير. كذلك لا تصح المساواة بين المؤمنين الذين قدموا في دنياهم العمل الصالح، وبين الكافرين والفاسقين الذين لطخوا حياتهم بالعمل السيئ، والفعل القبيح..ولفظ «قليلا» في قوله- تعالى- قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ مفعول مطلق، وهو صفة لموصوف محذوف، و «ما» مزيدة للتأكيد. أى تذكرا قليلا تتذكرون.
قوله تعالى : ( وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون ) قرأ أهل الكوفة " تتذكرون " بالتاء ، وقرأ الآخرون بالياء ، لأن أول الآيات وآخرها خبر عن قوم .
قوله تعالى : وما يستوي الأعمى والبصير أي المؤمن والكافر والضال والمهتدي . والذين آمنوا وعملوا الصالحات أي ولا يستوي العامل للصالحات ولا المسيء الذي يعمل السيئات . قليلا ما تتذكرون قراءة العامة بياء على الخبر واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ، لأجل ما قبله من الخبر وما بعده . وقرأ الكوفيون بالتاء على الخطاب .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ (58)وما يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئا, وهو مثل الكافر الذي لا يتأمل حجج الله بعينيه, فيتدبرها ويعتبر بها, فيعلم وحدانيته وقُدرته على خلق ما شاء من شيء, ويؤمن به ويصدّق. والبصير الذي يرى بعينيه ما شخص لهما ويبصره, وذلك مثل للمؤمن الذي يرى بعينيه حجج الله, فيتفكَّر فيها ويتعظ, ويعلم ما دلت عليه من توحيد صانعه, وعظيم سلطانه وقُدرته على خلق ما يشاء; يقول جلّ ثناؤه: كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن.( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) يقول جلّ ثناؤه: ولا يستوي أيضا كذلك المؤمنون بالله ورسوله, المطيعون لربهم, ولا المسيء, وهو الكافر بربه, العاصي له, المخالف أمره ( قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ ) يقول جل ثناؤه: قليلا ما تتذكرون أيها الناس حجج الله, فتعتبرون وتتعظون; يقول: لو تذكرتم آياته واعتبرتم, لعرفتم خطأ ما أنتم عليه مقيمون من إنكاركم قدرة الله على إحيائه من فني من خلقه من بعد الفناء, وإعادتهم لحياتهم من بعد وفاتهم, وعلمتم قبح شرككم من تشركون في عبادة ربكم.واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( تَتَذَكَّرُونَ ) فقرأت ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة: " يَتَذَكَّرُونَ" بالياء على وجه الخبر, وقرأته عامة قرّاء الكوفة: ( تَتَذَكَّرُونَ ) بالتاء على وجه الخطاب, والقول في ذلك أن القراءة بهما صواب.
وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (58)لما نزّلهم منزلة من لا يعلم ضرب مثلاً لهم وللمؤمنين ، فمثَل الذين يجادلون في أمر البعث مع وضوح إمكانه مَثَل الأعمى ، ومثل المؤمنين الذين آمنوا به حال البصير ، وقد علم حال المؤمنين من مفهوم صفة { أكثر الناس } لأن الأكثرين من الذين لا يعلمون يقابلهم أقلون يعلمون . والمعنى : لا يستوي الذين اهتدوا والذين هم في ضلال ، فإطلاق الأعمى والبصير استعارة للفريقين الذين تضمنهما قوله : { ولكنَّ أكثرَ النَّاسسِ لا يعلَمون } [ غافر : 57 ] .( ونفيُ الاستواء بينهما يقتضي تفضيل أحدهما على الآخر كما قدمنا في قوله تعالى : { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } الآية في سورة [ النساء : 95 ] ، ومن المتبادر أن الأفضل هو صاحب الحال الأفضل وهو البصير إذ لا يختلف الناس في أن البصَر أشرف من العمى في شخص واحد ، ونفي الاستواء بدون متعلِّق يقتضي العموم في متعلقاته ، لكنه يُخص بالمُتعلِّقات التي يدل عليها سياق الكلام وهي آيات الله ودلائل صفاته ، ويسمى مثل هذا العموم العمومَ العرفي ، وتقدم نظيرها في سورة فاطر [ 19 ] .وقوله : { والذينَ ءامنوا وعَمِلُوا الصَّالحاتتِ ولا المُسِيء } زيادة بيان لفضيلة أهل الإِيمان بذكر فضيلتهم في أعمالهم بعد ذكر فضلهم في إدراك أدلة إمكان البعث ونحوه من أدلة الإِيمان . والمعنى : وما يستوي الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيئون ، أي في أعمالهم كما يؤذن بذلك قوله : { وعَمِلُوا الصَّالِحَاتتِ وَلا المُسِيء } ، وفيه إيماء إلى اختلاف جزاء الفريقين وهذا الإِيماء إدماج للتنبيه على الثواب والعقاب .والواو في قوله : { والذين ءامنوا } عاطفةٌ الجملةَ على الجملة بتقدير : وما يستوي الذين آمنوا .والواو في قوله : { ولا المُسِيء } عاطفة { المسيء } على { الذين آمنوا } عطفَ المفرد على المفرد ، فالعطف الأول عطف المجموع مثل قوله تعالى : { هو الأول والآخر والظاهر والباطن } [ الحديد : 3 ] .وإنما قدم ذكر الأعمى على ذكر البصير مع أن البصر أشرف من العمى بالنسبة لذات واحدة ، والمشبهَ بالبصير أشرفُ من المشبه بالأعمى إذ المشبه بالبصير المؤمنون ، فقدم ذكر تشبيه الكافرين مراعاة لكون الأهمّ في المقام بيانَ حال الذين يجادلون في الآيات إذ هم المقصود بالموعظة .وأما قوله : { والذين ءامنوا وعَمِلوا الصَّالحاتتِ ولا المُسِيء } فإنما رتب فيه ذكر الفريقين على عكس ترتيبه في التشبيه بالأعمى والبصير اهتماماً بشرف المؤمنين .وأعيدت ( لا ) النافية بعد واو العطف على النفي ، وكان العطف مغنياً عنها فإعادتها لإِفادة تأكيد نفي المساواة ومقام التوبيخ يقتضي الإِطناب ، ولذلك تُعدّ ( لا ) في مثله زائدة كما في «مغني اللبيب» ، وكان الظاهر أن تقع ( لا ) قبل ( الذين آمنوا ) ، فعدُل عن ذلك للتنبيه على أن المقصود عدم مساواة المسيء لمن عَمِل الصالحات ، وأن ذكر الذين آمنوا قبل المسيء للاهتمام بالذين آمنوا ولا مُقتضي للعدول عنه بعد أن قُضي حق الاهتمام بالذين سبق الكلام لأجل تمثيلهم ، فحصل في الكلام اهتمامان .وقريب منه ما في سورة فاطر في أربع جمل : اثنتين قُدّم فيهما جانب تشبيه الكافرين ، واثنتين قُدّم فيهما تشبيه جانب المؤمنين ، وذلك قوله تعالى : { وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات } [ فاطر : 19 22 ] .و { قليلاً } حال من { أكْثَرَ النَّاسِ } في قوله تعالى قبله : { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ، و ( ما ) في قوله : { مَّا يَتَذَكَّرون } مصدرية وهي في محل رفع على الفاعلية . وهذا مؤكد لمعنى قوله : { ولكنَّ أكثر النَّاس لا يعْلَمُون } لأن قلة التذكر تؤول إلى عدم العلم ، والقلةُ هنا كناية عن العدم وهو استعمال كثير ، كقوله تعالى : { فقليلاً ما يؤمنون } [ البقرة : 88 ] ، ويجوز أن تكون على صريح معناها ويكون المراد بالقلة عدم التمام ، أي لا يعلمون فإذا تذكروا تذكروا تذكراً لا يتممونه فينقطعون في أثنائه عن التعمّق إلى استنباط الدلالة منه فهو كالعدم في عدم ترتب أثره عليه .وقرأ الجمهور { يَتَذَكَّرون بياء الغيبة جرياً على مقتضى ظاهر الكلام ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف تتذكرون } بتاء الخطاب على الالتفات ، والخطاب للذين يجادلون في آيات الله .وكون الخطاب لجميع الأمة من مؤمنين ومشركين وأن التذكر القليل هو تذكر المؤمنين فهو قليل بالنسبة لعدم تذكر المشركين بعيد عن سياق الردّ ولا يلاقي الالتفات .