ويريكم الله تعالى دلائله الكثيرة الواضحة الدالة على قدرته وتدبيره في خلقه، فأي آية من آياته تنكرونها، ولا تعترفون بها؟
«ويريكم آياته فأيَّ آيات الله» أي الدالة على وحدانيته «تنكرون» استفهام توبيخ، وتذكير أي أشهر من تأنيثه.
وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ الدالة على وحدانيته، وأسمائه، وصفاته، وهذا من أكبر نعمه، حيث أشهد عباده، آياته النفسية، وآياته الأفقية، ونعمه الباهرة، وعدَّدَها عليهم، ليعرفوه، ويشكروه، ويذكروه. فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ أي: أي آية من آياته لا تعترفون بها؟ فإنكم، قد تقرر عندكم، أن جميع الآيات والنعم، منه تعالى، فلم يبق للإنكار محل، ولا للإعراض عنها موضع، بل أوجبت لذوي الألباب، بذل الجهد، واستفراغ الوسع، للاجتهاد في طاعته، والتبتل في خدمته، والانقطاع إليه.
قوله جل وعلا "ويريكم آياته" أي حججه وبراهينه في الآفاق وفي أنفسكم "فأي آيات الله تنكرون" أي لا تقدرون على إنكار شيء من آياته إلا أن تعاندوا وتكابروا.
وقوله- تعالى-: يُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَتعجب من غفلتهم عن هذه الآيات المبثوثة في الكون. والتي تدل جميعها على وحدانية الله- تعالى- وقدرته.ولفظ «أى» منصوب بقوله «تنكرون» وقدم وجوبا لأن له صدر الكلام.أى: أنه- سبحانه- في كل وقت وحين يريكم آياته الدالة على قدرته ووحدانيته، فقولوا لي. أية تلك الآيات تنكرون دلالتها على ذلك.إنها جميعا تنطق وتصرح بوجوب إخلاص العبادة لله- عز وجل- فكيف جحدتموها أو غفلتم عنها مع وضوحها؟فالآية الكريمة توبيخ شديد لأولئك الذين استحبوا العمى على الهدى مع أن كل شيء في هذا الكون يدعوهم إلى الإيمان بالله الواحد القهار.
ويريكم آياته أي آياته الدالة على وحدانيته وقدرته فيما ذكر . فأي آيات الله تنكرون نصب " أي " ب " تنكرون " ، لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما قبله ، ولو كان مع الفعل هاء لكان الاختيار في " أي " الرفع ، ولو كان الاستفهام بألف أو هل وكان بعدهما اسم بعده فعل معه هاء لكان الاختيار النصب ، أي : إذا كنتم لا تنكرون أن هذه الأشياء من الله فلم تنكرون قدرته على البعث والنشر .
( وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ) يقول: ويريكم حججه,( فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ) يقول: فأي حجج الله التي يريكم أيها الناس في السماء والأرض تنكرون صحتها, فتكذبون من أجل فسادها بتوحيد الله, وتدعون من دونه إلها.
وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَأَيَّ آَيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (81)عطف على جملة { لَكُمُ الأنعام } [ غافر : 79 ] أي الله الذي يريكم آياته . وهذا انتقال من متعدد الامتنان بما تقدم من قوله : { الله الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الليْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ } [ غافر : 61 ] ، { الله الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَاراً } [ غافر : 64 ] ، { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِن تُرَابٍ } [ غافر : 67 ] ، { الله الَّذِي جَعَلَ لَكمُ الأنعام } [ غافر : 79 ] ، فإن تلك ذكرت في معرض الامتنان تذكيراً بالشكر ، فنبّه هنا على أن في تلك المنن آيات دالة على ما يجب للَّه من الوحدانية والقدرة والحكمة .ولذلك كان قوله : وَيُرِيكُمْ ءاياته } مفيداً مُفاد التذييللِ لما في قوله : { آياته } من العموم لأن الجمع المعرف بالإِضافة من صيغ العموم ، أي يريكم آياته في النعم المذكورات وغيرها من كل ما يدلّ على وجوب توحيده وتصديق رسله ونبذِ المكابرة فيما يأتونهم به من آيات صدقهم .وقد جيء في جانب إراءة الآيات بالفعل المضارع لدلالته على التجدد لأن الإِنسان كلما انتفع بشيء من النعم علم ما في ذلك من دلالة على وحدانية خالقها وقدرته وحكمته . والإِراءة هنا بَصرية ، عُبر بها عن العلم بصفات الله إذ كان طريق ذلك العلم هو مشاهدة تلك الأحوال المختلفة فمن تلك المشاهدة ينتقل العقل إلى الاستدلال ، وفيه إشارة إلى أن دلالة وجود الخالق ووحدانيته وقدرته برهانية تنتهي إلى اليقين والضرورة .وإضافة الآيات إلى ضمير الجلالة لزيادة التنويه بها ، والإرشاد إلى إجادة النظر العقلي في دلائلها ، وأما كونُها جائية من لدن الله وكونُ إضافتها من الإِضافة إلى ما هو في معنى الفاعل ، فذلك أمر مستفاد من إسناد فعل { يريكم } إلى ضميره تعالى . وفرع على إراءة الآيات استفهام إنكاري عليهم من أجل إنكارهم ما دلت عليه تلك الآيات .و ( أيّ ) اسم استفهام يطلب به تمييز شيء عن مشاركه فيما يضاف إليه ( أيُّ ) ، وهو هنا مستعمل في إنكار أن يكون شيء من آيات الله يمكن أن ينكر دون غيره من الآيات فيفيد أن جميع الآيات صالح للدلالة على وحدانية الله وقدرته لا مساغ لادّعاء خفائه وأنهم لا عذر لهم في عدم الاستفادة من إحدى الآيات . والأكثر في استعمال ( أي ) إذا أضيفت إلى اسم مؤنثثِ اللفظ أن لا تلحقها هاء التأنيث اكتفاء بتأنيث ما تضاف إليه لأن الغالب في الأسماء التي ليست بصفات أن لا يُفْرَق بين مذكرها ومؤنثها بالهاء نحو حمار فلا يقال للمؤنث حمارة . و ( أيّ ) اسم ويزيد بما فيه من الإِبهام فلا يفسره إلا المضاف إليه فلذلك قال هنا { فَأَيَّ ءاياتت الله } دون : فأيَّة آيات الله ، لأن إلحاق علامة التأنيث ب ( أي ) في مثل هذا قليل ، ومن غير الغالب تأنيث ( أي ) في قول الكميت: ... بأي كتاب أم بأيَّةِ سُنةتَرى حُبهم عاراً عليَّ وتَحسبُ ...