Allatheena yabkhaloona wayamuroona alnnasa bialbukhli waman yatawalla fainna Allaha huwa alghaniyyu alhameedu
تفسير الآية 24
لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا، ولا تفرحوا بما آتاكم فرحَ بطر وأشر. والله لا يحب كل متكبر بما أوتي من الدنيا فخور به على غيره. هؤلاء المتكبرون هم الذين يبخلون بمالهم، ولا ينفقونه في سبيل الله، ويأمرون الناس بالبخل بتحسينه لهم. ومن يتولَّ عن طاعة الله لا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئًا، فإن الله هو الغني عن خلقه، الحميد الذي له كل وصف حسن كامل، وفعل جميل يستحق أن يحمد عليه.
«والذين يبخلون» بما يجب عليهم «ويأمرون الناس بالبخل» به لهم وعيد شديد «ومن يتولى» عما يجب عليه «فإن الله هو» ضمير فصل وفي قراءة بسقوطه «الغني» عن غيره «الحميد» لأوليائه.
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ أي: يجمعون بين الأمرين الذميمين، اللذين كل منهما كاف في الشر البخل: وهو منع الحقوق الواجبة، ويأمرون الناس بذلك، فلم يكفهم بخلهم، حتى أمروا الناس بذلك، وحثوهم على هذا الخلق الذميم، بقولهم وفعلهم، وهذا من إعراضهم عن طاعة ربهم وتوليهم عنها، وَمَنْ يَتَوَلَّ عن طاعة الله فلا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئا، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ الذي غناه من لوازم ذاته، الذي له ملك السماوات والأرض، وهو الذي أغنى عباده وأقناهم، الحميد الذي له كل اسم حسن، ووصف كامل، وفعل جميل، يستحق أن يحمد عليه ويثنى ويعظم.
ثم قال : ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ) أي : يفعلون المنكر ويحضون الناس عليه ، ( ومن يتول ) أي : عن أمر الله وطاعته ( فإن الله هو الغني الحميد ) كما قال موسى عليه السلام : ( إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ) [ إبراهيم : 8 ] .
وقوله- سبحانه- بعد ذلك: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ بدل من قوله- تعالى-: كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ والمراد بالذين يبخلون: كل من يبخل بماله أو بعلمه..فكأنه- تعالى- يقول: والله لا يحب الذين يبخلون بما أعطاهم من فضله، بخلا يجعلهم لا ينفقون شيئا منه في وجوه الخير، لأن حبهم لأموالهم جعلهم يمسكونها ويشحون بها شحا شديدا.. ولا يكنفون بذلك، بل يأمرون غيرهم بالبخل والشح.وعلى رأس هؤلاء الذين لا يحبهم الله- تعالى- المنافقون، فقد كانوا يبخلون بأموالهم عن إنفاق شيء منها في سبيل الله، وكانوا يتواصون بذلك فيما بينهم، فقد قال- سبحانه-في شأنهم: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا. وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ .وقوله- سبحانه-: وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ تذييل المقصود به ذم هؤلاء البخلاء على بخلهم.وجواب الشرط محذوف، أغنت عنه جملة فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ والغنى: هو الموصوف بالغنى- وهي صفة من صفات الله- عز وجل- إذ هو الغنى غنى مطلقا، والخلق جميعا في حاجة إلى عطائه- سبحانه- والحميد: وصف مبالغة من الحمد. والمراد به أنه- تعالى- كثير الحمد والعطاء للمنفقين في وجوه الخير.أى: ومن يعرض عن هدايات الله- تعالى- وعن إرشاداته ... فلن يضر الله شيئا، فإن الله- تعالى- هو صاحب الغنى المطلق الذي لا يستغنى عن عطائه أحد، وهو- سبحانه- كثير الحمد والعطاء لمن استجاب لأمره فأنفق مما رزقه الله بدون اختيال أو تفاخر أو أذى.ثم بين- سبحانه- أن حكمته قد اقتضت أن يرسل رسله إلى الناس، ليهدوهم إلى طريق الحق، وأن الناس منهم من اتبع الرسل، ومنهم من أعرض عنهم، ومنهم من ابتدع أمورا من عند نفسه لم يرعها حق رعايتها.. فقال- تعالى-:
( الذين يبخلون ) قيل : هو في محل الخفض على نعت المختال . وقيل : هو رفع بالابتداء وخبره فيما بعده . ( ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول ) أي : يعرض عن الإيمان ( فإن الله هو الغني الحميد ) قرأ أهل المدينة والشام : " فإن الله الغني " بإسقاط " هو " وكذلك هو في مصاحفهم .
قوله تعالى : الذين يبخلون أي : لا يحب المختالين الذين يبخلون ف " الذين " في موضع خفض نعتا للمختال . وقيل : رفع بابتداء أي : الذين يبخلون فالله غني عنهم . قيل : أراد رؤساء اليهود الذين يبخلون ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم التي في كتبهم ، لئلا يؤمن به الناس فتذهب مأكلتهم ، قال السدي والكلبي . وقال سعيد بن جبير : الذين يبخلون يعني بالعلم ويأمرون الناس بالبخل أي : بألا يعلموا الناس شيئا . زيد بن أسلم : إنه البخل بأداء حق الله عز وجل . وقيل : إنه البخل بالصدقة والحقوق ، قال عامر بن عبد الله الأشعري . وقال طاوس : إنه البخل بما في يديه . وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى . وفرق أصحاب الخواطر بين البخل والسخاء بفرقين ، أحدهما : أن البخيل الذي يلتذ بالإمساك . والسخي الذي يلتذ بالإعطاء . الثاني : أن البخيل الذي يعطي عند السؤال ، والسخي الذي يعطي بغير سؤال .ومن يتول أي : عن الإيمان فإن الله غني عنه . ويجوز أن يكون لما حث على الصدقة أعلمهم أن الذين يبخلون بها ويأمرون الناس بالبخل بها فإن الله غني عنهم . وقراءة العامة بالبخل بضم الباء وسكون الخاء . وقرأ أنس وعبيد بن عمير ويحيى بن يعمر ومجاهد وحميد وابن محيصن وحمزة والكسائي " بالبخل " بفتحتين وهي لغة الأنصار . وقرأ أبو العالية وابن السميفع " بالبخل " بفتح الباء وإسكان الخاء . وعن نصر بن عاصم " البخل " بضمتين ، وكلها لغات مشهورة . وقد تقدم الفرق بين البخل والشح في آخر ( آل عمران ) .وقرأ نافع وابن عامر " فإن الله الغني الحميد " بغير " هو " . والباقون هو الغني على أن يكون فصلا . ويجوز أن يكون مبتدأ والغني خبره ، والجملة خبر " إن " . ومن حذفها فالأحسن أن يكون فصلا ، لأن حذف الفصل أسهل من حذف المبتدإ .
يقول تعالى ذكره: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ، الباخلين بما أوتوا في الدنيا على اختيالهم به وفخرهم بذلك على الناس، فهم يبخلون بإخراج حق الله الذي أوجبه عليهم فيه، ويشِحُّون به، وهم مع بخلهم به أيضا يأمرون الناس بالبخل.وقوله: (وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) يقول تعالى ذكره: ومن يُدْبرْ مُعرضًا عن عظة الله، (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) يقول تعالى ذكره: ومن يدبر معرضا عن عظة الله، تاركا العمل بما دعاه إليه من الإنفاق في سبيله، فرِحا بما أوتي من الدنيا، مختالا به فخورا يخيلا فإن الله هو الغنيّ عن ماله ونفقته، وعن غيره من سائر خلقه، الحميد إلى خلقه بما أنعم به عليهم من نعمه.واختلف أهل العربية في موضع جواب قوله: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ )، فقال بعضهم: استغنى بالأخبار التي لأشباههم، ولهم في القرآن، كما قال وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى , ولم يكن في ذا الموضع خبر. والله أعلم بما ينزل، هو كما أنزل، أو كما أراد أن كون. وقال غيره من أهل العربية: الخبر قد جاء في الآية التي قبل هذه (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) عطف بجزاءين على جزاء، وجعل جوابهما واحدا، كما تقول: إن تقم وإن تحسن آتك، لا أنه حذف الخبر.واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ )، فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة ( فإنَّ اللهَ الغَنِيُّ ) بحذف " هو " من الكلام، وكذلك ذلك في مصاحفهم بغير " هو "، وقرأته عامة قرّاء الكوفة (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ )، بإثبات هو في القراءة، وكذلك " هو " في مصاحفهم.والصواب من القول أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)يجوز أن يكون { الذين يبخلون } ابتداء كلام على الاستئناف لأن الكلام الذي قبله ختم بالتذييل بقوله : { والله لا يحب كل مختال فخور } [ الحديد : 23 ] فيكون { الذين يبخلون } مبتدأ وخبره محذوفاً يدل عليه جواب الشرط وهو { فإن الله هو الغني الحميد } . والتقدير : فإن الله غني عنهم وحامد للمنفقين .ويجوز أن يكون متصلاً بما قبله على طريقة التخلص فيكون { الذين يبخلون } بدلاً من { كل مختال فخور } ، أو خبراً لِمبتدأ محذوف هو ضمير { كل مختال فخور } . تقديره : هم الذين يبخلون ، وعلى هذا الاحتمال الأخير فهو من حذف المسند إليه اتّباعا للاستعمال كما سماه السكاكي ، وفيه وجوه آخر لا نطوِّل بها .والمراد ب { الذين يبخلون } : المنافقون ، وقد وصفهم الله بمثل هذه الصلة في سورة النساء ، وأمرهم الناس بالبخل هو الذي حكاه الله عنهم بقوله : { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } [ المنافقون : 7 ] ، أي على المؤمنين .وجملة { ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد } تذييل لأن { من يتولّ } يعم { الذين يبخلون } وغيرهم فإنّ { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } أي في سبيل الله وفي النفقات الواجبه قد تولوا عن أمر الله و ( مَن ) شرطية عامة .وجملة { فإن الله هو الغني الحميد } قائمة مقام جواب الشرط لأن مضمونها علة للجواب ، فالتقدير : ومن يتولّ فلا يضر الله شيئاً ولا يضر الفقير لأن الله غني عن مال المتولّين ، ولأن له عباداً يطيعون أمره فيحمدهم .والغنيّ : الموصوف بالغنى ، أي عدم الاحتياج . ولما لم يذكر له متعلق كان مفيداً الغنى العام .والحميد : وصف مبالغة ، أي كثير الحمد للمنفقين على نحو قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } [ المائدة : 54 ] الآية .ووصفه ب { الحميد } هنا نظير وصفه ب«الشكور» وفي قوله : { إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم } [ التغابن : 17 ] ، فإن اسمه { الحميد } صالح لمعنى المحمود فيكون فعيلاً بمعنى مفعول ، وصالح لمعنى كثير الحمد ، فيكون من أمثلة المبالغة لأن الله يثيب على فعل الخير ثواباً جزيلاً ويُثني على فاعله ثناء جميلاً فكان بذلك كثير الحمد . وقد حمله على كلا المعنيين ابن يَرَّجَان الأشبيلي في «شرحه لأسماء الله الحسنى» ووافقه كلام ابن العربي في «أحكام القرآن» في سورة الأعراف ، وهو الحق . وقصره الغزالي في «المقصد الأسنى» على معنى «المحمود» .وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر { فإن الله الغني الحميد } بدون ضمير فصل ، وكذلك هو مرسوم في مصحف المدينة ومصحف الشام . وقرأه الباقون { فإن الله هو الغني الحميد } بضمير فصل بعد اسم الجلالة وكذلك هو مرسوم في مصاحف مكة والبصرة والكوفة ، فهما روايتان متواترتان .والجملة مفيدة للقصر بدون ضمير فصل لأن تعريف المسند إليه والمسند من طرق القصر ، فالقراءة بضمير الفصل تفيد تأكيد القصر .