المُلك والسلطان في هذا اليوم لله وحده، وهو سبحانه يقضي بين المؤمنين والكافرين. فالذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة، لهم النعيم الدائم في الجنات. والذين جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله وأنكروا آيات القرآن، فأولئك لهم عذاب يخزيهم ويهينهم في جهنم.
«الملك يومئذ» أي يوم القيامة «لله» وحده وما تضمنه من الاستقرار ناصب للظرف «يحكم بينهم» بين المؤمنين والكافرين بما بيّن بعده «فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم» فضلا من الله.
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ أي: يوم القيامة لِلَّهِ تعالى، لا لغيره، يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بحكمه العدل، وقضائه الفصل، فَالَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسله، وما جاءوا به وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ليصدقوا بذلك إيمانهم فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ نعيم القلب والروح والبدن، مما لا يصفه الواصفون، ولا تدركه العقول.
( الملك يومئذ لله يحكم بينهم ) ، كقوله ( مالك يوم الدين ) [ الفاتحة : 4 ] وقوله : ( الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا ) [ الفرقان : 26 ] .( فالذين آمنوا وعملوا الصالحات ) ، أي : آمنت قلوبهم ، وصدقوا بالله ورسوله ، وعملوا بمقتضى ما علموا ، وتوافق قلوبهم وأقوالهم وأعمالهم .( في جنات النعيم ) . أي : لهم النعيم المقيم ، الذي لا يحول ولا يزول ولا يبيد .
ثم بين- سبحانه- مظاهر قدرته، وشمول قهره لغيره فقال: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ.. والتنوين في قوله يَوْمَئِذٍ عوض عن جملة.أى: السلطان القاهر، والتصرف الكامل، يوم تأتيهم الساعة بغتة، أو يوم يأتيهم عذابها يكون لله- تعالى- وحده، كما أن الحكم بين الناس جميعا يكون له وحده- سبحانه- فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الأعمال الصَّالِحاتِ يكونون في هذا اليوم فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
( الملك يومئذ ) يعني يوم القيامة ، ( لله ) وحده من غير منازع ، ( يحكم بينهم ) ثم بين الحكم ، فقال تعالى : ( فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم ) .
قوله تعالى : الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيمقوله تعالى : الملك يومئذ لله يحكم بينهم يعني يوم القيامة هو لله وحده لا منازع له فيه ولا مدافع . والملك هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور . ثم بين حكمه فقال : فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين .قلت : وقد يحتمل أن تكون الإشارة ب ( يومئذ ) ليوم بدر ، وقد حكم فيه بإهلاك الكافر وسعادة المؤمن ؛ وقد قال : عليه السلام - لعمر : وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم .
يقول تعالى ذكره: السلطان والمُلك إذا جاءت الساعة لله وحده لا شريك له ولا ينازعه يومئذ منازع, وقد كان في الدنيا ملوك يُدعون بهذا الاسم ولا أحد يومئذ يدعى ملكا سواه ( يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ) يقول: يفصل بين خلقه المشركين به والمؤمنين؛ فالذين آمنوا بهذا القرآن, وبمن أنزله, ومن جاء به, وعملوا بما فيه من حلاله وحرامه وحدوده وفرائضه في جنات النعيم يومئذ.
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) آذنت الغاية التي في قوله : { حتى تأتيهم الساعة بغتة } [ الحج : 55 ] أن ذلك وقت زوال مرية الذين كفروا ، فكان ذلك منشأ سؤال سائل عن صورة زوال المرية : وعن ماذا يلقونه عند زوالها ، فكان المقام أن يجاب السؤال بجملة { الملك يومئذ لله يحكم بينهم } إلى آخر ما فيها من التفصيل ، فهي استئناف بياني .فقوله { يومئذ } تقدير مضافه الذي عُوّض عنه التنوين : يوم إذ تزول مريتهم بحلول الساعة وظهور أن ما وعدهم الله هو الحق ، أو يوم إذ تأتيهم الساعة بغتة .وجملة { يحكم بينهم } اشتمال من جملة { الملك يومئذ لله }.والحكم بينهم : الحكمُ فيما اختلفوا فيه من ادّعاء كل فريق أنه على الحق وأن ضده على الباطل ، الدال عليه قوله : { وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك } [ الحج : 54 ] وقوله : { ولا يزال الذين كفروا في مرية منه } [ الحج : 55 ] فقد يكون الحكم بالقول ، وقد يكون بظهور آثار الحق لفريق وظهور آثار الباطل لفريق ، وقد فُصل الحكم بقوله : { فالذين آمنوا وعملوا الصالحات } الخ ، وهو تفصيل لأثر الحكم يدلّ على تفصيل أصله ، أي ذلك حكم الله بينهم في ذلك اليوم .وأريد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات عمومه . وخص بالذكر منهم الذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا تنويهاً بشأن الهجرة ، ولأجلها استوى أصحابها في درجات الآخرة سواء منهم من قتل في سبيل الله أو مات في غير قتال بعد أن هاجر من دار الكفر .