ويُسْألُ الأشقياء في النار: كم بقيتم في الدنيا من السنين؟ وكم ضيَّعتم فيها من طاعة الله؟
«قال» تعالى لهم بلسان مالك وفي قراءة قل «كم لبثتم في الأرض» في الدنيا وفي قبوركم «عدد سنين» تمييز.
قَالَ لهم على وجه اللوم، وأنهم سفهاء الأحلام، حيث اكتسبوا في هذه المدة اليسيرة كل شر أوصلهم إلى غضبه وعقوبته، ولم يكتسبوا ما اكتسبه المؤمنون [من] الخير، الذي يوصلهم إلى السعادة الدائمة ورضوان ربهم. كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ
يقول تعالى منبها لهم على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة الله تعالى وعبادته وحده ، ولو صبروا في مدة الدنيا القصيرة لفازوا كما فاز أولياؤه المتقون ، ( قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين ) أي : كم كانت إقامتكم في الدنيا؟
أى: قال الله- تعالى- لهم بعد أن زجرهم وأمرهم أن يسكتوا سكوت هوان وذلة: كم عدد السنين التي لبثتموها في دنياكم التي تريدون الرجوع إليها؟ولا شك أن الله- تعالى- يعلم مقدار الزمن الذي لبثوه، ولكنه سألهم ليبين لهم قصر أيام الدنيا، بالنسبة لما هم فيه من عذاب مقيم، وليزيد في حسرتهم وتوبيخهم.
( قال كم لبثتم ) قرأ حمزة والكسائي : " قل كم لبثتم " على الأمر . ومعنى الآية : قولوا أيها الكافرون ، فأخرج الكلام مخرج الواحد ، والمراد منه الجماعة ، إذ كان معناه مفهوما ، ويجوز أن يكون الخطاب لكل واحد منهم ، أي قل يا أيها الكافرون ، وقرأ ابن كثير : قل كم ، على الأمر ، وقال " أن " على الخبر ، لأن الثانية جواب ، وقرأ الآخرون : " قال " فيهما جميعا ، أي : قال الله عز وجل للكفار يوم البعث : كم لبثتم؟ ( في الأرض ) أي : في الدنيا وفي القبور ( عدد سني)
قوله تعالى : قال كم لبثتم في الأرض عدد سنينقوله تعالى : قال كم لبثتم في الأرض قيل : يعني في القبور . وقيل : هو سؤال لهم عن مدة حياتهم في الدنيا . وهذا السؤال للمشركين في عرصات القيامة أو في النار . عدد سنين بفتح النون على أنه جمع مسلم ، ومن العرب من يخفضها وينونها .
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ) وفي قوله: ( لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة على وجه الخبر: ( قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ ) ، وكذلك قوله: ( قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ ). ووجه هؤلاء تأويل الكلام إلى أن الله قال لهؤلاء الأشقياء من أهل النار وهم في النار: ( كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ) ؟ وأنهم أجابوا الله فقالوا: ( لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) ، فنسِي الأشقياء؛ لعظيم ما هم فيه من البلاء والعذاب مدة مكثهم التي كانت في الدنيا، وقَصُرَ عندهم أمد مكثهم الذي كان فيها؛ لما حلّ بهم من نقمة الله، حتى حسبوا أنهم لم يكونوا مكثوا فيها إلا يوما أو بعض يوم. ولعلّ بعضهم كان قد مكث فيها الزمان الطويل، والسنين الكثيرة.وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة على وجه الأمر لهم بالقول، كأنه قال لهم: قولوا كم لبثتم في الأرض؟ وأخرج الكلام مخْرج الأمر للواحد، والمعنيُّ به الجماعة، إذ كان مفهوما معناه، وإنما اختار هذه القراءة من اختارها من أهل الكوفة؛ لأن ذلك في مصاحفهم: " قُلْ" بغير ألف، وفي غير مصاحفهم بالألف.وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ ذلك: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ) على وجه الخبر، لأن وجه الكلام لو كان ذلك أمرا، أن يكون قولوا على وجه الخطاب للجمع; لأن الخطاب فيما قبل ذلك وبعده، جرى لجماعة أهل النار، فالذي هو أولى أن يكون كذلك قوله قولوا لو كان الكلام جاء على وجه الأمر، وإن كان الآخر جائزا، أعني التوحيد، لما بيَّنت من العلة لقارئ ذلك كذلك، وجاء الكلام بالتوحيد في قراءة جميع القراء، كان معلوما أن قراءة ذلك على وجه الخبر عن الواحد أشبه، إذ كان ذلك هو الفصيح المعروف من كلام العرب، فإذا كان ذلك ذلك، فتأويل الكلام: قال الله كم لبثتم في الدنيا من عدد سنين؟ قالوا مجيبين له: لبثنا فيها يوما أو بعض يوم، فاسأل العادّين، لأنا لا ندري، قد نسينا ذلك.واختلف أهل التأويل في المعني بالعادين، فقال بعضهم: هم الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم، ويُحْصُون عليهم ساعاتهم.*ذكر من قال ذلك:
قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قرأ الجمهور : { قال كم لبثتم } بصيغة الماضي فيتعين أن هذا القول يقع عند النفخ في الصور وحياة الأموات من الأرض ، فالأظهر أن يكون هو جواب ( إذا ) في قوله فيما سبق { فإذا نفخ في الصور } [ المؤمنون : 101 ] . والتقدير : قال الله لهم إذا نفخ في الصور . كم لبثتم في الأرض عدد سنين . وما بينهما اعتراضات نشأت بالتفريع والعطف والحال والمقاولات العارضة في خلال ذلك كما علمته مما تقدم في تفسير تلك الآي . وليس من المناسب أن يكون هذا القول حاصلاً بعد دخول الكافرين النار ، والمفسرون الذين حملوه على ذلك تكلفوا ما لا يناسب انتظام المعاني .وقرأه ابن كثير وحمزة و الكسائي { قل } بصيغة الأمر . والخطاب للملَك الموكل بإحياء الأموات .وجملة : { فسئل العادين } تفريع على جملة : { لبثنا يوماً أو بعض يوم } لما تضمنته من ترددهم في تقدير مدة لبثهم في الأرض . وأرى في تفسير ذلك أنهم جاءوا في كلامهم بما كان معتادهم في حياتهم في الدنيا من عدم ضبط حساب السنين إذ كان علم موافقة السنين القمرية للسنين الشمسية تقوم به بنو كنانة الذين بيدهم النسيء ويلقبون بالنسَأة ، قال الكناني: ... ونحن الناسئون على معدّشهور الحل نجعلها حراما ... والمفسرون جعلوا المراد من العادّين الملائكة أو الناس الذين يتذكرون حساب مدة المكث . ولكن القرطبي قال : أي سللِ الحُسَّاب الذين يعرفون ذلك فإنا نسيناه .وقوله : { قال إن لبثتم إلا قليلاً } قرأه الجمهور كما قرأوا الذي قبله فهو حكاية للمحاورة فلذلك لم يعطف فعل { قال إن لبثتم إلا قليلاً } وهي طريقة حكاية المحاورات كما في قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } في سورة البقرة ( 30 ) . وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي بصيغة الأمر كالذي قبله .والاستفهام عن عدد سنوات المكث في الأرض مستعمل في التنبيه ليظهر لهم خطؤهم إذ كانوا يزعمون أنهم إذا دفنوا في الأرض لا يخرجون منها .وانتصب { عدد سنين } على التمييز ل { كم } الاستفهامية والتمييز إنما هو { سنين } . وإضافة لفظ { عدد } إليه تأكيد لمضمون ( كم ) لأن ( كم ) اسم استفهام عن العدد فذكر لفظ { عدد } معها تأكيد لبعض مدلولها .وجوابهم يقتضي أنهم تحققوا أنهم كانوا في الأرض وأنهم لم يتذكروا طول مدة مكثهم على تفاوت فيها .