Qad kanat ayatee tutla AAalaykum fakuntum AAala aAAqabikum tankisoona
تفسير الآية 66
قد كانت آيات القرآن تُقرأ عليكم؛ لتؤمنوا بها، فكنتم تنفرون من سماعها والتصديق بها، والعمل بها كما يفعل الناكص على عقبيه برجوعه إلى الوراء.
«قد كانت آياتي» من القرآن «تتلى عليكم فكنتم على إعقابكم تنكصون» ترجعون القهقرى.
فكأنه قيل: ما السبب الذي أوصلهم إلى هذا الحال؟ قال: قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ لتؤمنوا بها وتقبلوا عليها، فلم تفعلوا ذلك، بل كُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ أي: راجعين القهقري إلى الخلف، وذلك لأن باتباعهم القرآن يتقدمون، وبالإعراض عنه يستأخرون وينزلون إلى أسفل سافلين.
ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال : ( قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون ) أي : إذا دعيتم أبيتم ، وإن طلبتم امتنعتم; ( ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير ) [ غافر : 12 ] .
ثم بين- سبحانه- الأسباب التي أفضت بهم إلى هذا العذاب المهين، فقال- تعالى-:قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ....والأعقاب: جمع عقب، وهو مؤخر القدم وتَنْكِصُونَ من النكوص، وهو الرجوع إلى الخلف. يقال: فلان نكص على عقبيه، إذا رجع إلى الوراء، وهو هنا كناية عن الإعراض عن الآيات.أى: لا تجأروا ولا تصرخوا، فإن ذلك لن يفيدكم شيئا، بسبب إصراركم على كفركم في حياتكم الدنيا، فقد كانت آياتي الدالة على وحدانيتي تتلى على مسامعكم من نبينا صلّى الله عليه وسلّم ومن المؤمنين به، فكنتم تعرضون عن سماعها أشد الإعراض، وكنتم تستهزءون بها، وتكادون تسطون بالذين يتلونها عليكم.
( قد كانت آياتي تتلى عليكم ) يعني القرآن ، ( فكنتم على أعقابكم تنكصون ) ترجعون القهقرى تتأخرون عن الإيمان .
قوله تعالى : قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون الآيات يريد بها القرآن . تتلى عليكم أي تقرأ . قال الضحاك : قبل أن تعذبوا بالقتل و تنكصون ترجعون وراءكم . مجاهد : تستأخرون ؛ وأصله أن ترجع القهقرى . قال الشاعر :زعموا بأنهم على سبل النجا ة وإنما نكص على الأعقابوهو هنا استعارة للإعراض عن الحق . قرأ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ( على أدباركم ) بدل على أعقابكم ، ( تنكصون ) بضم الكاف .
يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين من قريش: لا تضجوا اليوم وقد نزل بكم سخط الله وعذابه، بما كسبت أيديكم واستوجبتموه بكفركم بآيات ربكم.( قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ ) يعني: آيات كتاب الله، يقول: كانت آيات كتابي تقرأ عليكم فتكذّبون بها وترجعون مولين عنها إذا سمعتموها، كراهية منكم لسماعها. وكذلك يقال لكل من رجع من حيث جاء: نكص فلان على عقبه.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ( فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ ) قال: تستأخرون.حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ ) يقول: تدبرون.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ ) يعني أهل مكة.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن. قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: (تَنْكِصُونَ) قال: تستأخرون.
قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) ويجوز أن يكون المراد بالمترفين جميع المشركين فتكون الإضافة بيانية ويكون ذكر المترفين تهويلاً في التهديد تذكيراً لهم بأن العذاب يزيل عنهم ترفهم؛ فقد كان أهل مكة في ترف ودعة إذ كانوا سالمين من غارات الأقوام لأنهم أهل الحرم الآمن وكانوا تُجْبَى إليهم ثمرات كل شيء وكانوا مكرَّمين لدى جميع القبائل ، قال الأخطل :فأما الناس ما حاشا قريشاً ... فإنا نحن أفضلهم فعالاوكانت أرزاقهم تأتيهم من كل مكان قال تعالى :{ الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } [ قريش : 4 ] ، فيكون المعنى : حتى إذا أخذناهم وهم في ترفهم ، كقوله : { وذرني والمكَذِّبين أولي النعمة ومَهِّلْهم قليلاً } [ المزمل : 11 ] .ويجوز أن يكون المراد حلول العذاب بالمترفين خاصة ، أي بسادتهم وصناديدهم وهو عذاب السيف يوم بدر فإنه قتل يومئذ كبراء قريش وهم أصحاب القليب . قال شداد ابن الأسود :وماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى تزيَّن بالسناموماذا بالقليب قليب بدر ... من القينات والشَّرب الكرام يعني ما ضمنه القليب من رجال كانت سجاياهم الإطعام والطرب واللذات .وضمير { إذا هم يجأرون } على هذا الوجه عائد إلى غير المترفين لأن المترفين قد هلكوا فالبقية يجأرون من التلهف على ما أصاب قومهم والإشفاق أن يستمر القتل في سائرهم فهم يجأرون كلما صرع واحد من سادتهم ولأن أهل مكة عجبوا من تلك المصيبة ورَثَوا أمواتهم بالمراثي والنياحات .ثم الظاهر أن المراد من هذا العذاب عذاب يحل بهم في المستقبل بعد نزول هذه الآية التي هي مكية فيتعين أن هذا عذاب مسبوق بعذاب حل بهم قبله كما يقتضيه قوله تعالى بعد { ولقد أخذناهم بالعذاب } [ المؤمنون : 76 ] الآية . ولذا فالعذاب المذكور هنا عذاب هُددوا به ، وهو إما عذاب الجوع الثاني الذي أصاب أهل مكة بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته . ذلك أنه لما أسلم ثمامة بن أُثال الحنفي عقب سرية خالد بن الوليد إلى بني كلب التي أخذ فيها ثمامة أسيراً وأسلم فمنع صدور الميرة من أرض قومه باليمامة إلى أهل مكة وكانت اليمامة مصدر أقواتهم حتى سميت ريف أهل مكة فأصابهم جوع حتى أكلوا العِلهِز والجيف سبع سنين ، وإما عذاب السيف الذي حل بهم يوم بدر .