إن الذين أجرموا كانوا في الدنيا يستهزئون بالمؤمنين، وإذا مروا بهم يتغامزون سخرية بهم، وإذا رجع الذين أجرموا إلى أهلهم وذويهم تفكهوا معهم بالسخرية من المؤمنين. وإذا رأى هؤلاء الكفار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقد اتبعوا الهدى قالوا: إن هؤلاء لتائهون في اتباعهم محمدًا صلى الله عليه وسلم، وما بُعث هؤلاء المجرمون رقباء على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. فيوم القيامة يسخر الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه من الكفار، كما سخر الكافرون منهم في الدنيا.
«وإذا مروا» أي المؤمنون «بهم يتغامزون» يشير المجرمون إلى المؤمنين بالجفن والحاجب استهزاء.
ويتغامزون بهم عند مرورهم عليهم، احتقارا لهم وازدراء، ومع هذا تراهم مطمئنين، لا يخطر الخوف على بالهم،
وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم أي محتقرين لهم.
( وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ) أى : وإذا مر هؤلاء المجرمون بالمؤمنين سخروا منهم ، وتغامزوا فيما بينهم على سبيل الاستهزاء بفقراء المؤمنين .والتغامز : تفاعل من الغمز وهو الإِشارة بالجفون والحواجب على سبيل الطعن والتهكم .أى : يغمز أحدهم الآخر لينبه إلى ما عليه فقراء المسلمين من شظف العيش ، ومن غير ذلك من الأحوال التى لا يرضاها المشركون لجهلهم وغرورهم وبلادة حسهم .
"وإذا مروا بهم"، يعني من فقراء المؤمنين بالكفار، "يتغامزون"، والغمز الإشارة بالجفن والحاجب، أي يشيرون إليهم بالأعين استهزاءً.
وإذا مروا بهم عند إتيانهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتغامزون يغمز بعضهم بعضا ، ويشيرون بأعينهم . وقيل : أي يعيرونهم بالإسلام ويعيبونهم به يقال : غمزت الشيء بيدي ; قال :وكنت إذا غمزت قناة قوم كسرت كعوبها أو تستقيماوقالت عائشة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد غمزني ، فقبضت رجلي . الحديث ; وقد مضى في ( النساء ) . وغمزته بعيني . وقيل : الغمز : بمعنى العيب ، يقال غمزه : أي عابه ، وما في فلان غمزة أي عيب . وقال مقاتل : نزلت في علي بن أبي طالب جاء في نفر من المسلمين إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلمزهم المنافقون ، وضحكوا عليهم وتغامزوا .
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30)يقول تعالى ذكره: وكان هؤلاء الذين أجرموا إذا مرّ الذين آمنوا بهم يتغامزون؛ يقول: كان بعضهم يغمز بعضا بالمؤمن، استهزاء به وسخرية.
وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) بخلاف قوله : { وإذا مرّوا بهم يتغامزون } .واعلم أنه إذا كان سبب الضحك حالة خاصة من أحوال كان المجرور اسم تلك الحالة نحو : { فتبسم ضاحكاً مِن قولها } [ النمل : 19 ] وإذا كان مجموعَ هيئة الشيء كان المجرور اسم الذات صاحبة الأحوال لأن اسم الذات أجمع للمعروف من أحوالها نحو : { وكنتم منهم تضحكون } [ المؤمنون : 110 ] . وقول عبد يغوث الحارث: ... وتَضحك منّي شَيْخَةٌ عبشميّةكأنْ لَم تَرى قبلي أسيراً يمانياً ... والتغامز : تفاعل من الغمز ويُطلق على جسّ الشيء باليد جسّاً مكيناً ، ومنه غمز القناة لتقويمها وإزالةِ كعوبها . وفي حديث عائشة : «لقد رأيتني ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة فإذا أراد أن يسجد غمزَ رِجْلَيَّ فقبضتُهما» .ويطلق الغمز على تحريك الطَّرْف لقصد تنبيه الناظر لما عسى أن يفوته النظر إليه من أحوال في المقام وكلا الإِطلاقين يصح حمل المعنى في الآية عليه .وضمير { مروا } يجوز أن يعود إلى { الذين أجرموا } فيكون ضمير { بهم } عائداً إلى { الذين آمنوا } ، ويجوز العكس ، وأما ضمير { يتغامزون } فمتمحّض للعود إلى { الذين أجرموا } .والمعنى : وإذا مرّ المؤمنون بالذين أجرموا وهم في مجالسهم يتغامز المجرمون حين مرور المؤمنين أوْ وإذا مرّ الذين أجرموا بالذين آمنوا وهم في عملهم وفي عسر حالهم يتغامز المجرمون حين مرورهم ، وإنما يتغامزون من دون إعلان السخرية بهم اتقاء لتطاول المؤمنين عليهم بالسب لأن المؤمنين قد كانوا كثيراً بمكة حين نزول هذه السورة ، فكان هذا دأب المشركين في معاملتهم وهو الذي يُقرَّعُون به يوم القيامة .والإِنقلاب : الرجوع إلى الموضع الذي جيء منه . يقال : انقلب المسافر إلى أهله وفي دعاء السفر : «أعوذُ بك من كآبة المنقلب» . وأصله مستعار من قَلَب الثوب ، إذا صرفه من وجه إلى وجه آخر ، يقال : قلب الشيء ، إذا أرجعه .وأهل الرجل : زوجه وأبناؤه ، وذكر الأهل هنا لأنهم ينبسط إليهم بالحديث فلذلك قيل : { إلى أهلهم } دون : إلى بيوتهم .والمعنى : وإذا رجع الذين أجرموا إلى بيوتهم وخلَصوا مع أهلهم تحدثوا أحاديث الفكاهة معهم بذكر المؤمنين وذمهم .