إن الذين أجرموا كانوا في الدنيا يستهزئون بالمؤمنين، وإذا مروا بهم يتغامزون سخرية بهم، وإذا رجع الذين أجرموا إلى أهلهم وذويهم تفكهوا معهم بالسخرية من المؤمنين. وإذا رأى هؤلاء الكفار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقد اتبعوا الهدى قالوا: إن هؤلاء لتائهون في اتباعهم محمدًا صلى الله عليه وسلم، وما بُعث هؤلاء المجرمون رقباء على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. فيوم القيامة يسخر الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه من الكفار، كما سخر الكافرون منهم في الدنيا.
«وإذا رأوْهم» أي المؤمنين «قالوا إن هؤلاء لضالون» لإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وهذا من أعظم ما يكون من الاغترار، أنهم جمعوا بين غاية الإساءة والأمن في الدنيا، حتى كأنهم قد جاءهم كتاب من الله وعهد، أنهم من أهل السعادة، وقد حكموا لأنفسهم أنهم أهل الهدى، وأن المؤمنين ضالون، افتراء على الله، وتجرأوا على القول عليه بلا علم.
أي لكونهم على غير دينهم.
وقوله : ( وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالوا إِنَّ هؤلاء لَضَالُّونَ ) أى : أن هؤلاء الذين أجرموا ، لا يكتفون بغمز المؤمنين ولمزهم وجعلهم مادة السخرية فى أحاديثهم مع أهليهم .بل إنهم تجاوزوا ذلك ، فهم عندما يرون المؤمنين يقولون عنهم : هؤلاء هم الضالون ، لأنهم تركوا دين آبائهم وأجدادهم ، ودخلوا فى دين آخر .فمرادهم بالضلال : فساد الرأى . وعدم البقاء على دينهم القديم .وهكذا الأشرار يرون أن أهل الحق والتقى فى ضلال .
"وإذا رأوهم"، رأوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، "قالوا إن هؤلاء لضالون"، يأتون محمداً صلى الله عليه وسلم يرون أنهم على شيء.
وإذا رأوهم أي إذا رأى هؤلاء الكفار أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - قالوا إن هؤلاء لضالون في اتباعهم محمدا - صلى الله عليه وسلم -
وقوله: ( وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ) يقول تعالى ذكره: وإذا رأى المجرمون المؤمنين قالوا لهم: إن هؤلاء لضالون عن محجة الحقّ، وسبيل القصد .
وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وجملة : { وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون } حكت ما يقوله الذين أجرموا في المؤمنين إذا شاهدوهم أي يجمعون بين الأذى بالإِشارات وبالهيئة وبسوء القول في غيبتهم وسوء القول إعلاناً به على مسامع المؤمنين لعلهم يرجعون عن الإِسلام إلى الكفر ، أم كان قولاً يقوله بعضهم لبعض إذا رأوا المؤمنين كما يفكهون بالحديث عن المؤمنين في خلواتهم ، وبذلك أيضاً فارق مضمون هذه الجملة مضمون الجمل التي قبلها مع ما في هذه الجملة من عموم أحوال رؤيتهم سواء كانت في حال المرور بهم أو مشاهدة في مقرهم .ومرادهم بالضلال : فساد الرأي . لأن المشركين لا يعرفون الضلال الشرعي ، أي هؤلاء سيئوا الرأي إذِ اتبعوا الإِسلام وانسلخوا عن قومهم ، وفرطوا في نعيم الحياة طمعاً في نعيم بعد الموت وأقبلوا على الصلاة والتخلّق بالأخلاق التي يراها المشركون أوهاماً وعنتاً لأنهم بمعزل عن مقدرة قَدْر الكمال النفساني وما همهم إلا التلذذ الجثماني .وكلمة { إذا } في كل جملة من الجمل الثلاث ظرف متعلّق بالفعل الموالي له في كل جملة .ولم يعرج أحد من المفسّرين على بيان مفاد جملة : { وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون } مع ما قبلها . وقال المهايمي في «تبصرة الرحمان» : «وإذا رأوهم يُؤْثِرون الكمالاتتِ الحقيقية على الحسية» فقدَّر مفعولاً محذوفاً لفعل { رأوهم } لإِبداء المغايرة بين مضمون هذه الجملة ومضمون الجُمل التي قبلها وقد علمت عدم الاحتياج إليه ولقد أحسن في التنبيه عليه .وتأكيد الخبر بحرف التأكيد ولام الابتداء لقصد تحقيق الخبر .