سورة الواقعة: الآية 61 - على أن نبدل أمثالكم وننشئكم...

تفسير الآية 61, سورة الواقعة

عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ

الترجمة الإنجليزية

AAala an nubaddila amthalakum wanunshiakum fee ma la taAAlamoona

تفسير الآية 61

نحن قَدَّرنا بينكم الموت، وما نحن بعاجزين عن أن نغيِّر خلقكم يوم القيامة، وننشئكم فيما لا تعلمونه من الصفات والأحوال.

«على» عن «أن نبدل» نجعل «أمثالكم» مكانكم «وننشئكم» نخلقكم «في مالا تعلمون» من الصور كالقردة والخنازير.

عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ

( على أن نبدل أمثالكم ) أي : نغير خلقكم يوم القيامة ، ( وننشئكم في ما لا تعلمون ) أي : من الصفات والأحوال .

وقوله - تعالى - : ( على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ ) متعلق بقوله : ( نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت . . ) .والمراد بتبديل أمثالهم : إيجاد قوم آخرين من ذرية أولئك الذين ماتوا .والمعنى : نحن وحدنا الذين قدرنا بينكم الموت وحددناه على حسب مشيئتنا ونحن الذين فى قدرتنا أن نبدل من الذين ماتوا منكم أشباها لهم ، نوجدهم بقدرتنا - أيضا - كما قال - سبحانه - : ( وَرَبُّكَ الغني ذُو الرحمة إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ) ويصح أن يكون قوله - تعالى - : ( قَدَّرْنَا ) بمعنى قضينا وكتبنا ، ويكون قوله : ( على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ ) متعلق بقوله ( بِمَسْبُوقِينَ ) ، ويكون المراد بتبديل أمثالهم . إيجاد قوم آخرين سواهم .والمعنى : نحن الذين وحدنا كتبنا عليكم ، وقضيناه على جميع الخلق فكل نفس ذائقة الموت ، وما نحن بمغلوبين على إهلاككم ، وعلى خلق أمثالكم بدلا منكم كما قال - تعالى - : ( ياأيها الناس أَنتُمُ الفقرآء إِلَى الله والله هُوَ الغني الحميد إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ ) وقوله - سبحانه - : ( وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) بيان للون آخر من ألوان قدرته - تعالى - .أى : نحن لسنا بعاجزين ولا بمغلوبين . . . على أن نهلككم ونأتى بدلا منكم بغيركم . ولسنا - أيضا - بعاجزين على أن ننشئكم بعد إهلاككم فيما لا تعلمونه من الصور ، والهيئات ، والصفات .قال صاحب الكشاف : قوله - تعالى - : ( نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت ) أى : قدرناه تقديرا ، وقسمناه عليكم قسمة الرزق على اختلاف وتفاوت كما تقتضيه مشيئتنا فاختلف أعماركم من قصير وطويل ومتوسط .وقوله : ( وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ) يقال : سبقته على الشىء إذا أعجزته عنه ، وغلبته عليه ، ولم تمكنه منه ، فمعنى قوله ( وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ ) أنا قادرون على ذلك لا تغلبوننا عليه . وأمثالكم جمع مثل - بسكون الثاء - أى : على أن نبدل منكم ومكانكم أشباهكم من الخلق ( وَ ) على أن ( نُنشِئَكُمْ ) فى خلق لا تعلمونها وما عهدتم مثلها . يعنى أنا نقدر على الأمرين جميعا : على خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم ، فيكف نعجز عن إعادتكم .ويجوز أن يكون أمثالكم جمع مثل ، بفتحتين أى : على أن نبدل ونغير صفاتكم التى أنتم عليها فى خلقكم وأخلاقكم ، وننشئكم فى صفات لا تعلمونها .

فذلك قوله - عز وجل - : ( على أن نبدل أمثالكم ) . يعني : نأتي بخلق مثلكم بدلا منكم ، ( وننشئكم ) نخلقكم ( في ما لا تعلمون ) من الصور ، قال مجاهد : في أي خلق شئنا .وقال الحسن : أي نبدل صفاتكم فنجعلكم قردة وخنازير ، كما فعلنا بمن كان قبلكم يعني : إن أردنا أن نفعل ذلك ما فاتنا ذلك . وقال سعيد بن المسيب : " في ما لا تعلمون " يعني : في حواصل طير سود ، تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف ، وبرهوت واد باليمن .

وقال الطبري : المعنى نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من جنسكم ، وما نحن بمسبوقين في آجالكم ، أي : لا يتقدم متأخر ، ولا يتأخر متقدم .وننشئكم في ما لا تعلمون من الصور والهيئات . قال الحسن : أي : نجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بأقوام قبلكم . وقيل : المعنى ننشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا ، فيجمل المؤمن ببياض وجهه ، ويقبح الكافر بسواد وجهه . سعيد بن جبير : قوله تعالى : فيما لا تعلمون يعني في حواصل طير سود تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف ، وبرهوت واد في اليمن . وقال مجاهد : فيما لا تعلمون في أي خلق شئنا . وقيل : المعنى ننشئكم في عالم لا تعلمون ، وفي مكان لا تعلمون .

وقوله: (عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ ) يقول: على أن نُبَدّل منكم أمْثالَكَمْ بعد مهلككم فنجيء بآخرين من جنسكم.وقوله: (وَنُنْشِئَكُمْ فِيمَا لا تَعْلَمُونَ ) يقول: ونبدلكم عما تعلمون من أنفسكم فيما لا تعلمون منها من الصور.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (وَنُنْشِئَكُمْ ) في أي خلق شئنا.

عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61({ ] .ومعنى : { أن نبدل أمثالكم } : نبدل بكم أمثالكم ، أي نجعل أمثالكم بدلاً .وفعل ( بدّل ( ينصب مفعولاً واحداً ويتعدى إلى ما هو في معنى المفعول الثاني بحرف الباء ، وهو الغالب أو ب ( مِن ( البدلية فإن مفعول ( بدّل ( صالح لأن يكون مُبدَلاً ومبدَلا منه ، وقد تقدم في سورة البقرة ( 61 ( قوله تعالى : { أتستبدلون الذي هو أدنى } وفي سورة النساء ( 2 ( عند قوله : ولا تَتَبَدّلوا الخبيث بالطّيب ، فالتقدير هنا : على أن نبدّل منكم أمثالكم ، فحذف ، متعلق نبدل } وأبقي المفعول لأن المجرور أولى بالحذف .والأمثال : جمع مِثْل بكسر الميم وسكون المثلثة وهو النظير ، أي نخلق ذوات مماثلة لذواتكم التي كانت في الدنيا ونودع فيها أرواحكم .وهذا يؤذن بأن الإِعادة عن عدم لا عن تفريق . وقد تردد في تعيين ذلك علماء السنة والكلام .ويجوز أن يفيد معنى التهديد بالاستئصال ، أي لو شئنا استئصالكم لما أعجزتمونا فيكون إدماجاً للتهديد في أثناء الاستدلال ويكون من باب قوله تعالى : { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } [ إبراهيم : 19 ] .{ وننشئكم } عطف على { نبدل } ، أي ما نحن بمغلوبين على إنشائكم .وهذا العطف يحتمل أن يكون عطف مغاير بالذات فيكون إنشاؤهم شيئاً آخر غير تبديل أمثالهم ، أي نحن قادرون على الأمرين جميعاً ، فتبديل أمثالهم خلق أجساد أخرى تودع فيها الأرواح ، وأما إنشاؤهم فهو نفخ الأرواح في الأجساد الميتة الكاملة وفي الأجساد البالية بعد إعادتها بجمع متفرقها أو بإنشاء أمثالها من ذواتها مثل : عَجب الذنب ، وهذا إبطال لاستبعادهم البعث بعد استقرار صور شبهتهم الباعثة على إنكار البعث .ويحتمل أن يكون عطف مغاير بالوصف بأن يراد من قوله : { وننشئكم في ما لا تعلمون } الإِشارة إلى كيفية التبديل إشارة على وجه الإِبهام .وعطف بالواو دون الفاء لأنه بمفرده تصوير لقدرة الله تعالى وحكمته بعدما أفاده قوله : { أن نبدل أمثالكم } من إثبات أن الله قادر على البعث .و { ما } من قوله : { في ما لا تعلمون } صادقة على الكيفية ، أو الهيئة التي يتكيّف بها الإنشاء ، أي في كيفية لا تعلمونها إذ لم تحيطوا علماً بخفايا الخلقة . وهذا الإجمال جامع لجميع الصور التي يفرضها الإمكان في بعث الأجساد لإيداع الأرواح .والظرفية المستفادة من { في } ظرفية مجازية معناها قوة الملابسة الشبيهة بإحاطة الظرف بالمظروف كقوله : { فعدلك في أي صورة ما شاء ركّبك } [ الانفطار : 7 ، 8 ] .ومعنى { لا تعلمون } : أنهم لا يعلمون تفاصيل تلك الأحوال .
الآية 61 - سورة الواقعة: (على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون...)