تحتوي هذه الصفحة على جميع آيات سورة النحل بالإضافة إلى تفسير جميع الآيات من قبل تنوير المقباس من تفسير ابن عباس (عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي). في الجزء الأول يمكنك قراءة سورة النحل مرتبة في صفحات تماما كما هو موجود في القرآن. لقراءة تفسير لآية ما انقر على رقمها.
معلومات عن سورة النحل
نوع سورة النحل: مكية
عدد الآيات في سورة النحل: 128
ترتيب سورة النحل في القرآن الكريم: 16
ترتيب نزول الوحي: 70
اسم السورة باللغة الإنجليزية: The Bee
أرقام الصفحات في القرآن الكريم: من الصفحة 267 إلى 281
WayaAAbudoona min dooni Allahi ma la yamliku lahum rizqan mina alssamawati waalardi shayan wala yastateeAAoona
عطف على جملتي التّوبيخ وهو مزيد من التّوبيخ فإن الجملتين المعطوف عليهما أفادتا توبيخاً على إيمانهم بالآلهة الباطل وكفرهم بنعمة المعبود الحقّ .وهذه الجملة المعطوفة أفادت التّوبيخ على شكر ما لا يستحقّ الشكر ، فإن العبادة شكر ، فهم عبدوا ما لا يستحقّ العبادة ولا بيده نعمة ، وهو الأصنام ، لأنها لا تملك ما يأتيهم من الرزق لاحتياجها ، ولا تستطيع رزقهم لعجزها . فمفاد هذه الجملة مؤكّد لمفاد ما قبلها مع اختلاف الاعتبار بموجب التّوبيخ في كلتيهما .وملك الرزق القدرة على إعطائه . والملِك يطلق على القدرة ، كما تقدم في قوله تعالى : { قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم } في سورة العقود ( 17 ).والرزق هنا مصدر منصوب على المفعوليّة ، أي لا يملك أن يرزق .و { مِن } في { من السموات والأرض } ابتدائية ، أي رزقاً موصوفاً بوروده من السماوات والأرض .و { شيئاً } مبالغة في المنفيّ ، أي ولا يملكون جزءاً قليلاً من الرزق ، وهو منصوب على البدلية من { رزقاً }. فهو في معنى المفعول به كأنه قيل : لا يملك لهم شيئاً من الرزق .{ ولا يستطيعون } عطف على { يملك } ، فهو من جملة صلة { ما } ، فضمير الجمع عائد إلى { ما } الموصولة باعتبار دلالتها على جماعة الأصنام المعبودة لهم . وأجريت عليها صيغة جمع العقلاء مجاراة لاعتقادهم أنها تعقل وتشفع وتستجيب .وحذف مفعول { يستطيعون } لقصد التعميم ، أي لا يستطيعون شيئاً لأن تلك الأصنام حجارة لا تقدر على شيء . والاستطاعة : القدرة .
Fala tadriboo lillahi alamthala inna Allaha yaAAlamu waantum la taAAlamoona
تفريع على جميع ما سبق من الآيات والعبر والمنن ، إذ قد استقام من جميعها انفراد الله تعالى بالإلهية ، ونفي الشريك له فيما خلق وأنعم ، وبالأولى نفي أن يكون له ولد وأن يشبه بالحوادث؛ فلا جرم استتبّ للمقام أن يفرع على ذلك زجر المشركين عن تمثيلهم غير الله بالله في شيء من ذلك ، وأن يمثّلوه بالموجودات .وهذا جاء على طريقة قوله تعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربّكم الذي خلقكم } [ سورة البقرة : 21 ] إلى قوله تعالى : { فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون } [ سورة البقرة : 22 ] ، وقوله : { وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم } [ سورة يس : 78 ].و { الأمثال } هنا جمع مَثَل بفتحتين بمعنى المماثل ، كقولهم : شبه بمعنى مشابه . وضرب الأمثال شاع استعماله في تشبيه حالة بحالة وهيئة بهيئة ، وهو هنا استعمال آخر .ومعنى الضرب في قولهم : ضَرب كذا مثلاً ، بَيّنّاه عند قوله تعالى : { إنا لله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما } في سورة البقرة ( 26 ).واللاّم في { لله } متعلقة ب { الأمثال } لا ب { تضربوا } ، إذ ليس المراد أنهم يضربون مَثَل الأصنام بالله ضرباً للناس كقوله تعالى : { ضرب لكم مثلاً من أنفسكم } [ سورة الروم : 28 ].ووجه كون الإشراك ضرب مثل لله أنهم أثبتوا للأصنام صفات الإلهية وشبّهوها بالخالق ، فإطلاق ضرب المثل عليه مثل قوله تعالى : { وقالوا أءالهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً } [ سورة الزخرف : 58 ]. وقد كانوا يقولون عن الأصنام هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، والملائكة هنّ بنات الله من سروات الجِنّ ، فذلك ضرب مثل وتشبيه لله بالحوادث في التأثّر بشفاعة الأكفاء والأعيان والازدهاء بالبنين .وجملة { إن الله يعلم } تعليل للنّهي عن تشبيه الله تعالى بالحوادث ، وتنبيه على أن جهلهم هو الذي أوقعهم في تلك السخافات من العقائد ، وأن الله إذ نهاهم وزجرهم عن أن يشبّهوه بما شبّهوه إنما نهاهم لعلمه ببطلان اعتقادهم .وفي قوله تعالى : { وأنتم لا تعلمون } استدعاء لإعمال النّظر الصحيح ليصلوا إلى العلم البريء من الأوهام .
Daraba Allahu mathalan AAabdan mamlookan la yaqdiru AAala shayin waman razaqnahu minna rizqan hasanan fahuwa yunfiqu minhu sirran wajahran hal yastawoona alhamdu lillahi bal aktharuhum la yaAAlamoona
أعقب زجرهم عن أن يشبّهوا الله بخلقه أو أن يشبّهوا الخلق بربّهم بتمثيل حالهم في ذلك بحال من مثل عبداً بسيّده في الإنفاق ، فجملة { ضرب الله مثلاً عبداً } الخ مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن قوله تعالى : { ويعبدون من دون الله ما لا يملك رزقاً من السموات والأرض شيئاً ولا يستطيعون } [ سورة النحل : 73 ].فشبّه حال أصنامهم في العجز عن رزقهم بحال مملوك لا يقدر على تصرّف في نفسه ولا يملك مالاً ، وشبّه شأن الله تعالى في رَزقه إيّاهم بحال الغنيّ المالك أمر نفسه بما شاء من إنفاق وغيره ، ومعرفة الحالين المشبّهتين يدلّ عليها المقام ، والمقصود نفي المماثلة بين الحالتيْن ، فكيف يزعمون مماثلة أصنامهم لله تعالى في الإلهية ، ولذلك أعقب بجملة { هل يستوون }.وذيّل هذا التمثيل بقوله تعالى : { بل أكثرهم لا يعلمون } كما في سورة إبراهيم ( 26 ) { ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة } إلى قوله تعالى : { ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة } الآية ، فإن المقصود في المقامين متّحد ، والاختلافُ في الأسلوب إنما يومىء إلى الفرق بين المقصود أولاً والمقصود ثانياً كما أشرنا إليه هنالك .والعبد : الإنسان الذي يملكه إنسان آخر بالأسر أو بالشّراء أو بالإرث .وقد وُصف { عبداً } هنا بقوله : { مملوكاً } تأكيداً للمعنى المقصود وإشعاراً لما في لفظ عبد من معنى المملوكية المقتضية أنه لا يتصرّف في عمله تصرف الحرّية .وانتصب { عبداً } على البدلية من قوله تعالى : { مثلاً } وهو على تقدير مضاف ، أي حال بعد ، لأن المثل هو للهيئة المنتزعة من مجموع هذه الصّفات . وجملة { لا يقدر على شيء } صفة { عبداً } ، أي عاجزاً عن كلّ ما يقدر عليه الناس ، كأن يكون أعمى وزمناً وأصمّ ، بحيث يكون أقل العبيد فائدة .فهذا مَثَل لأصنامهم ، كما قال تعالى : { والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون أموات غير أحياء } [ سورة النحل : 20 ] ، وقوله تعالى : { إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً } [ سورة العنكبوت : 17 ].ومن } موصولة ما صدْقها حُرّ ، بقرينة أنه وقع في مقابلة عبد مملوك ، وأنه وصف بالرزق الحسن فهو ينفق منه سرّاً وجهراً ، أي كيف شاء . وهذا من تصرّفات الأحرار ، لأن العبيد لا يملكون رزقاً في عرف العرب . وأما حكم تملّك العبد مالاً في الإسلام فذلك يرجع إلى أدلّة أخرى من أصول الشريعة الإسلامية ولا علاقة لهذه الآية به .والرزق : هنا اسم للشيء المرزوق به .والحَسن : الذي لا يشوبه قبح في نوعه مثل قِلّة وجدان وقت الحاجة ، أو إسراع فسادٍ إليه كسوس البُرّ ، أو رداءة كالحشف . ووجه الشبه هو المعنى الحاصل في حال المشبّه به من الحقارة وعدم أهليّة التصرّف والعجز عن كل عمل ، ومن حال الحرية والغنى والتصرّف كيف يشاء .وجعلت جملة { فهو ينفق منه } مفرّعة على التي قبلها دون أن تجعل صفة للرزق للدّلالة على أن مضمون كلتا الجملتين مقصودٌ لذاته كمالٌ في موصوفه ، فكونه صاحب رزق حَسَن كمال ، وكونه يتصرّف في رزقه بالإعطاء كمال آخر ، وكلاهما بضدّ نقائص المملوك الذي لا يقدر على شيء من الإنفاق ولا ما ينفق منه .وجعل المسند فعلاً للدّلالة على التقوّي ، أي ينفق إنفاقاً ثابتاً . وجعل الفعل مضارعاً للدّلالة على التجدّد والتكرر . أي ينفق ويزيد .و { سراً وجهراً } حالان من ضمير { ينفق } ، وهما مصدران مؤوّلان بالصّفة ، أي مُسرّاً وجاهراً بإنفاقه . والمقصود من ذكرهما تعميم الإنفاق ، كناية عن استقلال التصرّف وعدم الوقاية من مانع إيّاه عن الإنفاق .وهذا مثَل لغنى الله تعالى وجوده على الناس .وجملة { هل يستوون } بيان لجملة { ضرب الله مثلاً } ، فبُيّن غرض التشبيه بأنّ المثل مراد منه عدم تساوي الحالتين ليستدلّ به على عدم مساواة أصحاب الحالة الأولى لصاحب الصّفة المشبّهة بالحالة الثانية .والاستفهام مستعمل في الإنكار .وأما جملة { الحمد لله } فمعترضة بين الاستفهام المفيد للنفي وبين الإضراب ب { بل } الانتقالية . والمقصود من هذه الجملة أنه تبيّن من المثل اختصاص الله بالإنعام فوجب أن يختصّ بالشكر وأن أصنامهم لا تستحقّ أن تشكر .ولما كان الحمد مظهراً من مظاهر الشكر في مظهر النّطق جعل كناية عن الشكر هنا ، إذ كان الكلام على إخلال المشركين بواجب الشكر إذْ أثنوا على الأصنام وتركوا الثناء على الله ، وفي الحديث « الحمدُ رأس الشّكر » . جيء بهذه الجملة البليغة الدّلالة المفيدة انحصار الحمد في مِلْك الله تعالى ، وهو إما حصر ادّعائي لأن الحمد إنما يكون على نعمة ، وغير الله إذا أنعم فإنما إنعامه مظهر لنعمة الله تعالى التي جرت على يديه ، كما تقدم في صدر سورة الفاتحة ، وإما قصر إضافي قصرَ إفراد للردّ على المشركين إذ قسموا حمدهم بين الله وبين آلهتهم .ومناسبة هذا الاعتراض هنا تقدُّم قوله تعالى : { وبنعمت الله هم يكفرون } [ سورة النحل : 72 ] { ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً } [ سورة النحل : 73 ]. فلما ضرب لهم المثل المبيّن لخطئهم وأعقب بجملة { هل يستوون } ثُني عنان الكلام إلى الحمد لله لا للأصنام .وجملة { بل أكثرهم لا يعلمون } إضراب للانتقال من الاستدلال عليهم إلى تجهيلهم في عقيدتهم .وأسند نفي العلم إلى أكثرهم لأن منهم من يعلم الحقّ ويكابر استبقاء للسيادة واستجلاباً لطاعة دهمائهم ، فهذا ذَمّ لأكثرهم بالصراحة وهو ذمّ لأقلّهم بوصمة المكابرة والعناد بطريق التعريض .وهذا نظير قوله تعالى في سورة الزمر ( 29 ) { ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلَما لرجل هل يستويان مثلاً الحمدُ لله بل أكثرهم لا يعلمون } وإنما جاءت صيغة الجمع في قوله تعالى هل يستوون } لمراعاة أصحاب الهيئة المشبّهة ، لأنها أصنام كثيرة كل واحد منها مشبّه بعبد مملوك لا يقدر على شيء ، فصيغة الجمع هنا تجريد للتمثيلية ، أي هل يستوي أولئك مع الإله الحقّ القادر المتصرّف . وإنما أجري ضمير جمعهم على صيغة جمع العالم تغليباً لجانب أحد التمثيلين وهو جانب الإله القادر .
Wadaraba Allahu mathalan rajulayni ahaduhuma abkamu la yaqdiru AAala shayin wahuwa kallun AAala mawlahu aynama yuwajjihhu la yati bikhayrin hal yastawee huwa waman yamuru bialAAadli wahuwa AAalasiratin mustaqeemin
هذا تمثيل ثاننٍ للحالتين بحالتين باختلاف وجه الشبّه . فاعتبر هنا المعنى الحاصل من حال الأبكم ، وهو العجز عن الإدراك ، وعن العمل ، وتعذّر الفائدة منه في سائر أحواله؛ والمعنى الحاصل من حال الرجل الكامل العقل والنّطق في إدراكه الخيرَ وهديه إليه وإتقاننِ عمله وعمل من يهديه ، ضربه الله مثلاً لكماله وإرشاده الناس إلى الحقّ ، ومثلاً للأصنام الجامدة التي لا تنفع ولا تضرّ .وقد قرن في التمثيل هنا حال الرجلين ابتداء ، ثم فصل في آخر الكلام مع ذكر عدم التّسوية بينهما بأسلوب من نظم الكلام بديع الإيجاز ، إذ حذف من صدر التمثيل ذكر الرجل الثاني للاقتصار على ذكره في استنتاج عدم التسوية تفنّناً في المخالفة بين أسلوب هذا التمثيل وأسلوب سابقه الذي في قوله تعالى : { ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً } [ سورة النحل : 75 ]. ومثْل هذا التفنّن من مقاصد البلغاء كراهية للتكرير لأن تكرير الأسلوب بمنزلة تكرير الألفاظ .والأبكم : الموصوف بالبَكم بفتح الباء والكاف وهو الخَرَس في أصل الخلقة من وقت الولادة بحيث لا يفهم ولا يُفهم . وزيد في وصفه أنه زَمِنٌ لا يقدر على شيء . وتقدّم عند قوله تعالى : { صم بكم عمي } في أول سورة البقرة ( 18 ).والكَلّ بفتح الكاف العالَة على الناس . وفي الحديث مَن تَرَك كَلاّ فعلينا ، أي من ترك عِيالاً فنحن نكفلهم . وأصل الكلّ : الثّقَل . ونشأت عنه معاننٍ مجازية اشتهرت فساوت الحقيقة .والمولى : الذي يلي أمر غيره . والمعنى : هو عالة على كافله لا يدبّر أمر نفسه . وتقدّم عند قوله تعالى : { بل الله مولاكم } في سورة آل عمران ( 15 ) ، وقوله تعالى : { وردّوا إلى الله مولاهم الحقّ } في سورة يونس ( 30 ).ثم زاد وصفه بقلّة الجدوى بقوله تعالى : { أينما يوجّهه } ، أي مولاه في عمل ليعمله أو يأتي به لا يأتتِ بخير ، أي لا يهتدي إلى ما وجّه إليه ، لأن الخير هو ما فيه تحصيل الغرض من الفعل ونفعه .ودلّت صلة { يأمر بالعدل } على أنه حكيم عالم بالحقائق ناصح للناس يأمرهم بالعدل لأنه لا يأمر بذلك إلا وقد علمه وتبصّر فيه .والعدل : الحقّ والصواب الموافق للواقع .والصراط المستقيم : المحجّة التي لا التواء فيها . وأطلق هنا على العمل الصالح ، لأن العمل يشبّه بالسيرة والسلوك فإذا كان صالحاً كان كالسلوك في طريق موصلة للمقصود واضحة فهو لا يستوي مع من لا يعرف هدى ولا يستطيع إرشاداً ، بل هو محتاج إلى من يكفله .فالأول مثَل الأصنام الجامدة التي لا تفقه وهي محتاجة إلى من يحرسها وينفض عنها الغبار والوسخ ، والثاني مثل لكماله تعالى في ذاته وإفاضته الخير على عباده .
Walillahi ghaybu alssamawati waalardi wama amru alssaAAati illa kalamhi albasari aw huwa aqrabu inna Allaha AAala kulli shayin qadeerun
كان ممّا حكي من مقالات كفرهم أنهم أقسموا بالله لا يبعث الله من يموت ، لأنهم توهّموا أن إفناء هذا العالم العظيم وإحياء العظام وهي رميم أمر مستحيل ، وأبطل الله ذلك على الفور بأن الله قادر على كل ما يريده .ثم انتقل الكلام عقب ذلك إلى بسط الدلائل على الوحدانية والقدرة وتسلسل البيان ، وتفنّنت الأغراض بالمناسبات ، فكان من ذلك تهديدهم بأن الله لو يؤاخذ الناس بظلمهم ما ترك على الأرض من دابّة ، ولكنه يمهلهم ويؤخّرهم إلى أجل عَيّنه في علمه لحكمته وحذّرهم من مفاجأته ، فثنى عِنان الكلام إلى الاعتراض بالتذكير بأن الله لا يخرج عن قدرته أعظم فعل مما غاب عن إدراكهم وأن أمر الساعة التي أنكروا إمكانها وغرّهم تأخير حلولها هي مما لا يخرج عن تصرّف الله ومشيئته متى شاءه . فذلك قوله تعالى : { ولله غيب السموات والأرض } بحيث لم يغادر شيئاً مما حكي عنهم من كفرهم وجدالهم إلا وقد بيّنه لهم استقصاءً للإعذار لهم .ومن مقتِضيات تأخير هذا أنه يشتمل بصريحه على تعليم ، وبإيمائه إلى تهديد وتحذير .فاللام في قوله : { وللّه غيب السماوات والأرض } لام الملك . والغيب : مصدر بمعنى اسم الفاعل ، أي الأشياء الغائبة . وتقدم في قوله تعالى : { الذين يؤمنون بالغيب } [ سورة البقرة : 3 ]. وهو الغائب عن أعين الناس من الأشياء الخفيّة والعوالم التي لا تصل إلى مشاهدتها حواسّ المخلوقات الأرضية .والإخبار بأنها ملك لله يقتضي بطريق الكناية أيضاً أنه عالم بها .وتقديم المجرور أفاد الحصر ، أي له لا لغيره . ولام الملك أفادت الحصر ، فيكون التقديم مفيداً تأكيد الحصر أو هو للاهتمام .وأمر { الساعة } : شأنها العظيم . فالأمر : الشأن المهمّ ، كما في قوله تعالى : { أتى أمر الله } [ سورة النحل : 1 ] ، وقول أبي بكر رضي الله عنه : ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر ، أي شأن وخطب .و { الساعة } : علم بالغلبة على وقت فناء هذا العالم ، وهي من جملة غيب الأرض .ولمح البصر : توجّهه إلى المرئيّ لأن اللّمح هو النظر . ووجه الشّبه هو كونه مقدوراً بدون كلفة ، لأن لَمح البصر هو أمكن وأسرع حركات الجوارح فهو أيسر وأسرع من نقل الأرجل في المشي ومن الإشارة باليد .وهذا التشبيه أفصح من الذي في قول زهير :فهُنّ ووادي الرّسّ كاليَد للفم ... ووجه الشّبه يجوز أن يكون تحقّق الوقوع بدون مشقّة ولا إنظار عند إرادة الله تعالى وقوعه ، وبذلك يكون الكلام إثباتاً لإمكان الوقوع وتحذيراً من الاغترار بتأخيره .ويجوز أن يكون وجهُ الشّبه السرعةَ ، أي سرعة الحصول عند إرادة الله ، أي ذلك يحصل فَجْأة بدون أمارات كقوله تعالى : { لا تأتيكم إلا بغتة } [ سورة الأعراف : 187 ]. والمقصود : إنذارهم وتحذيرهم من أن تبغتهم الساعة ليقلعوا عمّا هم فيه من وقتتِ الإنذار .ولا يتوهّم أن يكون البصر تشبيهاً في سرعة الحصول إذ احتمال معطّل لأن الواقع حارس منه .و { أو } في { أو هو أقرب } للإضراب الانتقالي ، إضراباً عن التشبيه الأول بأن المشبّه أقوى في وجه الشبّه من المشبّه به ، فالمتكلّم يخيّل للسامع أنه يريد تقريب المعنى إليه بطريق التّشبيه ، ثم يعرض عن التّشبيه بأن المشبّه أقوى في وجه الشّبه وأنه لا يجد له شبيهاً فيصرّح بذلك فيحصل التقريب ابتداء ثم الإعراب عن الحقيقة ثانياً .ثم المراد بالقرب في قوله تعالى : { أقرب } على الوجه الأول في تفسير لمح البصر هو القرب المكاني كناية عن كونه في المقدوريّة بمنزلة الشيء القريب التّناول كقوله تعالى : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } [ سورة ق : 16 ].وعلى الوجه الثاني في تفسيره يكون القرب قرب الزمان ، أي أقرب من لمح البصر حصّة ، أي أسرع حُصولاً .والتذييل بقوله تعالى : { إن الله على كل شيء قدير } صالح لكلا التفسيرين .
WaAllahu akhrajakum min butooni ommahatikum la taAAlamoona shayan wajaAAala lakumu alssamAAa waalabsara waalafidata laAAallakum tashkuroona
عود إلى إكثار الدلائل على انفراد الله بالتصرّف وإلى تعداد النّعم على البشر عطفاً على جملة { والله جعل لكم من أنفسكم } [ النحل : 72 ] بعدما فصل بين تعداد النّعم بما اقتضاه الحال من التذكير والإنذار .وقد اعتبر في هذه النّعم ما فيها من لطف الله تعالى بالناس ليكون من ذلك التخلّص إلى الدعوة إلى الإسلام وبيان أصول دعوة الإسلام في قوله تعالى : { كذلك يتمْ نعمته عليكم لعلّكم تسلمون } [ سورة النحل : 81 ] إلى آخره .والمعنى : أنه كما أخرجكم من عدم وجعل فيكم الإدراك وما يتوقّف عليه الإدراك من الحياة فكذلك ينشئكم يوم البعث بعد العدم .وإذ كان هذا الصّنع دليلاً على إمكان البعث فهو أيضاً باعث على شكر الله بتوحيده ونبذ الإشراك فإن الإنعام يبعث العاقل على الشكر .وافتتاح الكلام باسم الجلالة وجعل الخبر عنه فعلاً تقدم بيانه عند قوله تعالى : { والله أنزل من السماء ماء } [ سورة النحل : 65 ] والآيات بعدهُ .والإخراج الإبراز من مكان إلى آخر .والأمّهات : جمع أمّ . وقد تقدم عند قوله تعالى : { حرّمت عليكم أمّهاتكم } في سورة النساء ( 23 ).والبَطن : ما بين ضلوع الصدر إلى العانة ، وفيه الأمعاء والمعدة والكبد والرحم .وجملة { لا تعلمون شيئاً } حال من الضمير المنصوب في { أخرجكم }. وذلك أن الطفل حين يولد لم يكن له علم بشيء ثم تأخذ حواسّه تنقل الأشياء تدريجاً فجعل الله في الطفل آلات الإدراك وأصول التفكّر .فقوله تعالى : { وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } تفسيره أنه أوجد فيكم إدراك السمع والبصر والعقل ، أي كوّنها في الناس حتى بلغت مبلغ كمالها الذي ينتهي بها إلى علم أشياء كثيرة ، كما دلّت عليه مقابلته بقوله تعالى : { لا تعلمون شيئاً } ، أي فعلمتم أشياء .ووجه إفراد السّمع وجمع الأبصار تقدم عند قوله تعالى : { أمّن يملك السمع والأبصار } في سورة يونس ( 31 ) ، وقوله تعالى : { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } في سورة الأنعام ( 46 ).و { الأفئدة } : جمع الفؤاد ، وأصله القلب . ويطلق كثيراً على العقل وهو المراد هنا . فالسمع والبصر أعظم آلات الإدراك إذ بهما إدراك أهم الجزئيّات ، وهما أقوى الوسائل لإدراك العلوم الضرورية .فالمراد بالسمع : الإحساس الذي به إدراك الأصوات الذي آلته الصمّاخ ، وبالإبصار : الإحساسُ المدرك للذّوات الذي آلته الحدقة . واقتصر عليهما من بين الحواس لأنهما أهمّ ، ولأن بهما إدراك دلائل الاعتقاد الحقّ .ثم ذكر بعدهما الأفئدة ، أي العقل مقرّ الإدراك كلّه ، فهو الذي تنقل إليه الحواس مدركاتِها ، وهي العلم بالتصوّرات المفردة .وللعقل إدراك آخر وهو إدراك اقتران أحد المعلومين بالآخر ، وهو التصديقات المنقسمة إلى البديهيّات : ككون نفي الشيء وإثباته من سائر الوجوه لا يجتمعان ، وككون الكلّ أعظم من الجزء .وإلى النظريات وتُسمّى الكسبيّات ، وهي العلم بانتساب أحد المعلومين إلى الآخر بعد حركة العقل في الجمع بينهما أو التّفريق ، مثل أن يحضر في العقل : أن الجسم ما هو ، وأن المحدَث بفتح الدال ما هو .فإن مجرد هذين التصوّرين في الذهن لا يكفي في جزم العقل بأن الجسم محدث بل لا بد فيه من علوم أخرى سابقة وهي ما يدلّ على المقارنة بين ماهية الجسمية وصفةِ الحدوث .فالعلوم الكسبية لا يمكن اكتسابها إلا بواسطة العلوم البديهية . وحصول هذه العلوم البديهية إنما يحصل عند حدوث تصوّر موضوعاتها وتصوّر محمولاتها . وحدوث هذه التصوّرات إنما هو بسبب إعانة الحواس على جزئياتها ، فكانت الحواس الخمس هي السبب الأصلي لحدوث هذه العلوم ، وكان السمع والبصر أول الحواس تحصيلاً للتصوّرات وأهمّها .وهذه العلوم نعمة من الله تعالى ولطف ، لأن بها إدراك الإنسان لما ينفعه وعمَلَ عقله فيما يدلّه على الحقائق ، ليسلم من الخطأ المفضي إلى الهلاك والأرزاء العظيمة ، فهي نعمة كبرى . ولذلك قال تعالى عقب ذكرها { لعلكم تشكرون } ، أي هي سبب لرجاء شكرهم واهبَها سبحانه .والكلام على معنى { لعلكم تشكرون } مضى غير مرة في نظيره ومماثله .
Alam yaraw ila alttayri musakhkharatin fee jawwi alssamai ma yumsikuhunna illa Allahu inna fee thalika laayatin liqawmin yuminoona
موقع هذه الجملة موقع التّعليل والتّدليل على عظيم قدرة الله وبديع صنعه وعلى لطفه بالمخلوقات ، فإنه لما ذكر موهبة العقل والحواس التي بها تحصيل المنافع ودفع الأضرار نبّه الناس إلى لطف يشاهدونه أجلَى مشاهدةً لأضعف الحيوان ، بأن تسخير الجوّ للطير وخلْقَها صالحة لأن ترفرف فيه بدون تعليم هو لطف بها اقتضاه ضعف بنيّاتها ، إذ كانت عادمة وسائل الدفاع عن حياتها ، فجعل الله لها سرعة الانتقال مع الابتعاد عن تناول ما يعدو عليها من البشر والدوابّ .فلأجل هذا الموقع لم تعطف الجملة على التي قبلها لأنها ليس في مضمونها نعمةٌ على البشر ، ولكنها آية على قدرة الله تعالى وعلمه ، بخلاف نظيرتها في سورة المُلك ( 19 ) { أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافّات } فإنها عُطفت على آيات دالّة على قدرة الله تعالى من قوله : { ولقد زيّنا السماء الدنيا بمصابيح } [ الملك : 5 ] ، ثم قال : { وللذين كفروا بربّهم عذاب جهنّم وبئس المصير } [ الملك : 6 ] ثم قال : { أأمنتم من السماء أن يخسف بكم الأرض } [ سورة الملك : 16 ] ثم قال : أو لم يروا إلى الطير الآية . ولذلك المعنى عقبت هذه وحدها بجملة إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون .والتّسخير : التّذليل للعمل . وقد تقدّم عند قوله تعالى : { والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره } في سورة الأعراف ( 54 ).والجوّ : الفضاء الذي بين الأرض والسماء ، وإضافته إلى السماء لأنه يبدو متّصلاً بالقبّة الزرقاء في ما يخال النّاظر .والإمساك : الشدّ عن التفّلّت . وتقدم في قوله تعالى : { فإمساك بمعروف } في سورة البقرة ( 229 ).والمراد هنا : ما يمسكهنّ عن السقوط إلى الأرض من دون إرادتها ، وإمساك الله إيّاها خلقه الأجنحة لها والأذنَاب ، وجعله الأجنحة والأذناب قابلة للبسط ، وخلق عظامها أخفّ من عظام الدوابّ بحيث إذا بسطت أجنحتها وأذنابها ونهضت بأعصابها خفّتْ خفّة شديدة فسبحت في الهواء فلا يصلح ثقلها لأن يخرق ما تحتها من الهواء إلا إذا قبضت من أجنحتها وأذنابها وقوّست أعصاب أصلابها عند إرادتها النّزول إلى الأرض أو الانخفاضَ في الهواء . فهي تحوم في الهواء كيف شاءت ثم تقع متى شاءت أو عييت . فلولا أن الله خلقها على تلك الحالة لما استمسكت ، فسُمّي ذلك إمساكاً على وجه الاستعارة ، وهو لطف بها .والرؤية : بصرية . وفعلها يتعدّى بنفسه ، فتعديته بحرف إلى لتضمين الفعل معنى ( ينظروا ).ومسخرات } حال . وجملة { ما يمسكهن إلا الله } حال ثانية .وقرأ الجمهور { ألم يروا } بياء الغائب على طريقة الالتفات عن خطاب المشركين في قوله تعالى : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم } [ سورة النحل : 78 ].وقرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب وخلف { ألم تَرَوْا } بتاء الخطاب تبعاً للخطاب المذكور .والاستفهام إنكاري . معناه : إنكار انتفاء رؤيتهم الطير مسخّرات في الجوّ بتنزيل رؤيتهم إيّاها منزلة عدم الرؤية ، لانعدام فائدة الرؤية من إدراك ما يدلّ عليه المرئيّ من انفراد الله تعالى بالإلهية .وجملة { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } مستأنفة استئنافاً بيانياً ، لأن الإنكار على المشركين عدم الانتفاع بما يرونه من الدلائل يثير سؤالاً في نفس السامع : أكان عدم الانتفاع بدلالة رؤية الطير عاماً في البشر ، فيجاب بأن المؤمنين يستدلّون من ذلك بدلالات كثيرة .والتأكيد ب { إنّ } مناسب لاستفهام الإنكار على الذين لم يروا تلك الآيات ، فأكّدت الجملة الدّالة على انتفاع المؤمنين بتلك الدّلالة ، لأن الكلام موجّه للذين لم يهتدوا بتلك الدّلالة ، فهم بمنزلة من ينكر أن في ذلك دلالة للمؤمنين لأن المشركين ينظرون بمرآة أنفسهم .وبين الإنكار عليهم عدم رؤيتهم تسخير الطير وبين إثبات رؤية المؤمنين لذلك محسّن الطباق . وبين نفي عدم رؤية المشركين وتأكيد إثبات رؤية المؤمنين لذلك محسّن الطباق أيضاً . وبين ضمير { يروا } وقوله : «قوم يؤمنون» التضادّ أيضاً ، فحصل الطباق ثلاث مرّات . وهذا أبلغ طباق جاء محوياً للبيان .وجمع الآيات لأن في الطير دلائل مختلفة : من خلقة الهواء ، وخلقة أجساد الطير مناسبة للطيران في الهواء ، وخلق الإلهام للطير بأن يسبح في الجو ، وبأن لا يسقط إلى الأرض إلا بإرادته . وخصّت الآيات بالمؤمنين لأنهم بخلُق الإيمان قد ألفوا إعمال تفكيرهم في الاستدلال على حقائق الأشياء ، بخلاف أهل الكفر فإن خلق الكفر مطبوع على النفرة من الاقتداء بالنّاصحين وعلى مكابرة الحقّ .