Allatheena yajtaniboona kabaira alithmi waalfawahisha illa allamama inna rabbaka wasiAAu almaghfirati huwa aAAlamu bikum ith anshaakum mina alardi waith antum ajinnatun fee butooni ommahatikum fala tuzakkoo anfusakum huwa aAAlamu bimani ittaqa
تفسير الآية 32
والله سبحانه وتعالى ملك ما في السموات وما في الأرض؛ ليجزي الذين أساءوا بعقابهم على ما عملوا من السوء، ويجزي الذي أحسنوا بالجنة، وهم الذين يبتعدون عن كبائر الذنوب والفواحش إلا اللمم، وهي الذنوب الصغار التي لا يُصِرُّ صاحبها عليها، أو يلمُّ بها العبد على وجه الندرة، فإن هذه مع الإتيان بالواجبات وترك المحرمات، يغفرها الله لهم ويسترها عليهم، إن ربك واسع المغفرة، هو أعلم بأحوالكم حين خلق أباكم آدم من تراب، وحين أنتم أجنَّة في بطون أمهاتكم، فلا تزكُّوا أنفسكم فتمدحوها وتَصِفُوها بالتقوى، هو أعلم بمن اتقى عقابه فاجتنب معاصيه من عباده.
«الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا الَّلمَمَ» هو صغار الذنوب كالنظرة والقبلة واللمسة فهو استثناء منقطع والمعنى لكن اللمم يغفر باجتناب الكبائر «إن ربك واسع المغفرة» بذلك وبقبول التوبة، ونزل فيمن كان يقول: صلاتنا صيامنا حجنا: «هو أعلم» أي عالم «بكم إذ أنشأكم من الأرض» أي خلق آباكم آدم من التراب «وإذ أنتم أجنة» جمع جنين «في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم» لا تمدحوها على سبيل الإعجاب أما على سبيل الاعتراف بالنعمة فحسن «هو أعلم» أي عالم «بمن اتقى».
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ أي: يفعلون ما أمرهم الله به من الواجبات، التي يكون تركها من كبائر الذنوب، ويتركون المحرمات الكبار، كالزنا، وشرب الخمر، وأكل الربا، والقتل، ونحو ذلك من الذنوب العظيمة، إِلَّا اللَّمَمَ وهي الذنوب الصغار، التي لا يصر صاحبها عليها، أو التي يلم بها العبد، المرة بعد المرة، على وجه الندرة والقلة، فهذه ليس مجرد الإقدام عليها مخرجا للعبد من أن يكون من المحسنين، فإن هذه مع الإتيان بالواجبات وترك المحرمات، تدخل تحت مغفرة الله التي وسعت كل شيء، ولهذا قال: إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ فلولا مغفرته لهلكت البلاد والعباد، ولولا عفوه وحلمه لسقطت السماء على الأرض، ولما ترك على ظهرها من دابة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر" [وقوله:] هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ أي: هو تعالى أعلم بأحوالكم كلها، وما جبلكم عليه، من الضعف والخور، عن كثير مما أمركم الله به، ومن كثرة الدواعي إلى بعض المحرمات، وكثرة الجواذب إليها، وعدم الموانع القوية، والضعف موجود مشاهد منكم حين أنشاكم الله من الأرض، وإذ كنتم في بطون أمهاتكم، ولم يزل موجودا فيكم، وإن كان الله تعالى قد أوجد فيكم قوة على ما أمركم به، ولكن الضعف لم يزل، فلعلمه تعالى بأحوالكم هذه، ناسبت الحكمة الإلهية والجود الرباني، أن يتغمدكم برحمته ومغفرته وعفوه، ويغمركم بإحسانه، ويزيل عنكم الجرائم والمآثم، خصوصا إذا كان العبد مقصوده مرضاة ربه في جميع الأوقات، وسعيه فيما يقرب إليه في أكثر الآنات، وفراره من الذنوب التي يتمقت بها عند مولاه، ثم تقع منه الفلتة بعد الفلتة، فإن الله تعالى أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين أرحم بعباده من الوالدة بولدها، فلا بد لمثل هذا أن يكون من مغفرة ربه قريبا وأن يكون الله له في جميع أحواله مجيبا، ولهذا قال تعالى: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ أي: تخبرون الناس بطهارتها على وجه التمدح هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [فإن التقوى، محلها القلب، والله هو المطلع عليه، المجازي على ما فيه من بر وتقوى، وأما الناس، فلا يغنون عنكم من الله شيئا].
ثم فسر المحسنين بأنهم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ، أي : لا يتعاطون المحرمات والكبائر ، وإن وقع منهم بعض الصغائر فإنه يغفر لهم ويستر عليهم ، كما قال في الآية الأخرى : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ) [ النساء : 31 ] . وقال هاهنا : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) . وهذا استثناء منقطع ; لأن اللمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال .قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العين النظر ، وزنا اللسان النطق ، والنفس تمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " .أخرجاه في الصحيحين ، من حديث عبد الرزاق ، به .وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن ثور حدثنا معمر ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ; أن ابن مسعود قال : " زنا العينين النظر ، وزنا الشفتين التقبيل ، وزنا اليدين البطش ، وزنا الرجلين المشي ، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه ، فإن تقدم بفرجه كان زانيا ، وإلا فهو اللمم " . وكذا قال مسروق ، والشعبي .وقال عبد الرحمن بن نافع - الذي يقال له : ابن لبابة الطائفي - قال : سألت أبا هريرة عن قول الله : ( إلا اللمم ) قال : القبلة ، والغمزة ، والنظرة ، والمباشرة ، فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل ، وهو الزنا .وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( إلا اللمم ) إلا ما سلف . وكذا قال زيد بن أسلم .وقال ابن جرير : حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن مجاهد أنه قال : في هذه الآية : ( إلا اللمم ) قال : الذي يلم بالذنب ثم يدعه ، قال الشاعر :إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما ؟ !وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، في قول الله : ( إلا اللمم ) قال : الرجل يلم بالذنب ثم ينزع عنه ، قال : وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون :إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما ؟ !وقد رواه ابن جرير وغيره مرفوعا .قال ابن جرير : حدثني سليمان بن عبد الجبار ، حدثنا أبو عاصم ، حدثنا زكريا بن إسحاق ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب وقال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما ؟ !وهكذا رواه الترمذي ، عن أحمد بن عثمان أبي عثمان البصري ، عن أبي عاصم النبيل . ثم قال : هذا حديث حسن صحيح غريب ، لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق . وكذا قال البزار : لا نعلمه يروى متصلا إلا من هذا الوجه . وساقه ابن أبي حاتم والبغوي من حديث أبي عاصم النبيل ، وإنما ذكره البغوي في تفسير سورة " تنزيل " وفي صحته مرفوعا نظر .ثم قال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا يونس ، عن الحسن ، عن أبي هريرة - أراه رفعه - : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : " اللمة من الزنا ثم يتوب ولا يعود ، واللمة من السرقة ثم يتوب ولا يعود ، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود " ، قال : " ذلك الإلمام " .وحدثنا ابن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن عوف ، عن الحسن في قول الله : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر ، ثم لا يعود .وحدثني يعقوب ، حدثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن في قول الله : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون : هو الرجل يصيب اللمة من الزنا ، واللمة من شرب الخمر ، فيجتنبها ويتوب منها .وقال ابن جرير ، عن عطاء ، عن ابن عباس : ( إلا اللمم ) يلم بها في الحين . قلت : الزنا ؟ قال : الزنا ثم يتوب .وقال ابن جرير أيضا : حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : ( اللمم ) الذي يلم المرة .وقال السدي : قال أبو صالح : سئلت عن ( اللمم ) فقلت : هو الرجل يصيب الذنب ثم يتوب . وأخبرت بذلك ابن عباس فقال : لقد أعانك عليها ملك كريم . حكاه البغوي .وروى ابن جرير من طريق المثنى بن الصباح - وهو ضعيف - عن عمرو بن شعيب ; أن عبد الله بن عمرو قال : ( اللمم ) : ما دون الشرك .وقال سفيان الثوري ، عن جابر الجعفي ، عن عطاء ، عن ابن الزبير : ( إلا اللمم ) قال : ما بين الحدين : حد الدنيا وعذاب الآخرة . وكذا رواه شعبة ، عن الحكم ، عن ابن عباس ، مثله سواء .وقال العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( إلا اللمم ) كل شيء بين الحدين : حد الدنيا وحد الآخرة ، تكفره الصلوات ، وهو اللمم ، وهو دون كل موجب ، فأما حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا ، وأما حد الآخرة فكل شيء ختمه الله بالنار ، وأخر عقوبته إلى الآخرة . وكذا قال عكرمة ، وقتادة ، والضحاك .وقوله : ( إن ربك واسع المغفرة ) أي : رحمته وسعت كل شيء ، ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها ، كقوله : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) [ الزمر : 53 ] .وقوله : ( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض ) أي : هو بصير بكم ، عليم بأحوالكم وأفعالكم وأقوالكم التي تصدر عنكم وتقع منكم ، حين أنشأ أباكم آدم من الأرض ، واستخرج ذريته من صلبه أمثال الذر ، ثم قسمهم فريقين : فريقا للجنة وفريقا للسعير . وكذا قوله : ( وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ) قد كتب الملك الذي يوكل به رزقه وأجله وعمله ، وشقي أم سعيد .قال مكحول : كنا أجنة في بطون أمهاتنا ، فسقط منا من سقط ، وكنا فيمن بقي ، ثم كنا مراضع فهلك منا من هلك . وكنا فيمن بقي ثم صرنا يفعة ، فهلك منا من هلك . وكنا فيمن بقي ثم صرنا شبابا فهلك منا من هلك . وكنا فيمن بقي ثم صرنا شيوخا - لا أبا لك - فماذا بعد هذا ننتظر ؟ رواه ابن أبي حاتم عنه .وقوله : ( فلا تزكوا أنفسكم ) أي : تمدحوها وتشكروها وتمنوا بأعمالكم ، ( هو أعلم بمن اتقى ) ، كما قال : ( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا ) [ النساء : 49 ] .وقال مسلم في صحيحه : حدثنا عمرو الناقد ، حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : سميت ابنتي برة ، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن هذا الاسم ، وسميت برة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تزكوا أنفسكم ، إن الله أعلم بأهل البر منكم " . فقالوا : بم نسميها ؟ قال : " سموها زينب " .وقد ثبت أيضا في الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال : حدثنا عفان ، حدثنا وهيب ، حدثنا خالد الحذاء ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه قال : مدح رجل رجلا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ويلك ! قطعت عنق صاحبك - مرارا - إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل : أحسب فلانا - والله حسيبه ، ولا أزكي على الله أحدا - أحسبه كذا وكذا ، إن كان يعلم ذلك " .ثم رواه عن غندر ، عن شعبة ، عن خالد الحذاء ، به . وكذا رواه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، وابن ماجه ، من طرق عن خالد الحذاء ، به .وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، وعبد الرحمن قالا : حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن همام بن الحارث قال : جاء رجل إلى عثمان فأثنى عليه في وجهه ، قال : فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب ويقول : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب .ورواه مسلم وأبو داود من حديث الثوري ، عن منصور ، به .
وقوله: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ.. صفة لقوله: الَّذِينَ أَحْسَنُوا أو بدل منه.والمراد بكبائر الإثم: الآثام الكبيرة، والجرائم الشديدة، التي يعظم العقاب عليها. كقتل النفس بغير حق، وأكل أموال الناس بالباطل..والفواحش: جمع فاحشة، وهي ما قبح من الأقوال والأفعال كالزنا، وشرب الخمر ...وعطفها على كبائر الإثم من باب عطف الخاص على العام، لأنها أخص من الكبائر، وأشد إثما.واللمم: ما صغر من الذنوب، وأصله: ما قل قدره من كل شيء: يقال: ألم فلان بالمكان، إذا قل مكثه فيه. وألم بالطعام: إذا قل أكله منه.. وقيل: اللمم، مقاربة الذنب دون الوقوع فيه، من قولهم: ألم فلان بالشيء، إذا قاربه ولم يخالطه..وجمهور العلماء على أن الاستثناء هنا منقطع، وأن اللمم هو الذنوب الصغيرة، كالنظرة الخائنة ولكن بدون مداومة، والإكثار من الممازحة..قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: «واللمم» : صغائر الذنوب، ومحقرات الأعمال، وهذا استثناء منقطع..قال الإمام أحمد: عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم، مما قال أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» .وعن مجاهد أنه قال في هذه الآية إِلَّا اللَّمَمَ الذي يلم بالذنب ثم يدعه، كما قال الشاعر:إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأى عبد لك ما ألماومن العلماء من يرى أن الاستثناء هنا متصل، وأن المراد باللمم ارتكاب شيء من الفواحش، ثم التوبة منها توبة صادقة نصوحا..فعن الحسن أنه قال: اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر، ثم لا يعود ... .ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأن العلماء قسموا الذنوب إلى كبائر وصغائر، وأن اللمم من النوع الثاني الذي لا يدخل تحت كبائر الإثم والفواحش.قال صاحب الكشاف: واللمم: ما قل وصغر ... والمراد به الصغائر من الذنوب، ولا يخلو قوله- تعالى- إِلَّا اللَّمَمَ من أن يكون استثناء منقطعا.. كأنه قيل: كبائر الإثم غير اللمم .وليس المقصود من قوله- تعالى-: إِلَّا اللَّمَمَ فتح الباب لارتكاب صغائر الذنوب، وإنما المقصود فتح باب التوبة، والحض على المبادرة بها، حتى لا ييأس مرتكب الصغائر من رحمة الله- تعالى- وحتى لا يمضى قدما في ارتكاب هذه الصغائر، إذ من المعروف أن ارتكاب الصغائر، قد يجر إلى ارتكاب الكبائر.كذلك من المقصود بهذا الاستثناء أن لا يعامل مرتكب الصغائر، معاملة مرتكب الكبائر.هذا، وقد أفاض الإمام الآلوسي في الحديث عن الكبائر والصغائر، فقال: والآية عند الأكثرين دليل على أن المعاصي منها الكبائر، ومنها الصغائر..وأنكر جماعة من الأئمة هذا الانقسام، وقالوا: سائر المعاصي كبائر.ثم قال: واختلف القائلون بالفرق بين الكبائر والصغائر في حد الكبيرة فقيل: هي كل ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد، بنص كتاب أو سنة..وقيل: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة.واعتمد الواحدي أنه لا حد لها يحصرها ويعرفها العباد به، وقد أخفى الله- تعالى- أمرها ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه، رجاء أن تجتنب الكبائر.. .وقوله- سبحانه-: إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ ... تعليل لاستثناء اللمم، وتنبيه على أن إخراجه عن حكم المؤاخذة، ليس لخلوه عن الذنب في ذاته، بل لسعة رحمة الله ومغفرته.أى: إن ربك- أيها الرسول الكريم- واسع المغفرة والرحمة، لعباده الذين وقعوا فيما نهاهم عنه- سبحانه- ثم تابوا إليه توبة صادقة نصوحا.ثم بين- سبحانه- أن هذه الرحمة الواسعة، صادرة عن علم شامل للظواهر والبواطن،فقال: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ، إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ....والظرف «إذ» متعلق بقوله أَعْلَمُ والأجنة: جمع جنين، ويطلق على ما يكون بداخل الأرحام قبل خروجه منها.وسمى بذلك، لأنه يكون مستترا في داخل الرحم، كما قال- تعالى-: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ...أى: هو- سبحانه- أعلم بكم من وقت إنشائه إياكم من الأرض، ضمن خلقه لأبيكم آدم، ومن وقت أن كنتم أجنة في بطون أمهاتكم، يعلم أطواركم فيها، ويرعاكم برحمته، إلى أن تنفصلوا عنها.وقال- سبحانه- فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ مع أن الجنين لا يكون إلا في بطن أمه، للتذكير برعايته- تعالى- لهم، وهم في تلك الأطوار المختلفة من وقت العلوق إلى حين الولادة، وللحض على مداومة شكره وطاعته.وقوله- تعالى-: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى تحذير من التفاخر بالأعمال والأحساب والأنساب، لأنه- سبحانه- لا يخفى عليه شيء من أحوال الناس، والفاء للتفريع على ما تقدم. أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من عدم مؤاخذتى إياكم على اللمم، فإن ذلك بسبب سعة رحمتي، فلا تمدحوا أنفسكم بأنكم فعلتم كذا وكذا من الأفعال الحسنة، بل اشكروني على سعة رحمتي ومغفرتي، فإنى أنا العليم بسائر أحوالكم، الخبير بالظواهر والبواطن للأتقياء والأشقياء.قالوا: والآية نزلت في قوم من المؤمنين، كانوا يعملون أعمالا حسنة، ثم يتفاخرون بها.قال صاحب الكشاف: قوله: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ... أى فلا تنسبوها إلى زكاء العمل، زيادة الخير. وعمل الطاعات، أو إلى الزكاء والطهارة من المعاصي، ولا تثنوا عليها واهضموها فقد علم الله الزكي منكم والتقى أولا وآخرا، قبل أن يخرجكم من صلب آدم، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم.وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء، فأما من اعتقد أن ما عمله من العمل الصالح، من الله وبتوفيقه وتأييده. ولم يقصد به التمدح، لم يكن من المزكين لأنفسهم، لأن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر لله- تعالى-.وقال الآلوسى: والمراد النهى عن تزكية السمعة أو المدح للدنيا، أو التزكية على سبيل القطع، وأما التزكية لإثبات الحقوق ونحوه- كالإخبار عن أحوال الناس بما يعلم منهم وجربوا فيه من ثقة وعدالة فهي جائزة.وبعد هذا التوجيه الحكيم للنفوس البشرية، والبيان البديع لمظاهر رحمة الله- تعالى- بعباده بعد ذلك أخذت السورة في الحديث مرة أخرى عن الكافرين. وفي الرد على شبهاتهم، وفي بيان مظاهر قدرته- تعالى- فقال- سبحانه-:
ثم وصفهم فقال : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) اختلفوا في معنى الآية ، فقال قوم : هذا استثناء صحيح ، واللمم من الكبائر والفواحش ، ومعنى الآية : إلا أن يلم بالفاحشة مرة ثم يتوب ، ويقع الوقعة ثم ينتهي وهو قول أبي هريرة [ ومجاهد ، والحسن ] ، ورواية عطاء عن ابن عباس .قال عبد الله بن عمرو بن العاص : اللمم ما دون الشرك .وقال السدي قال أبو صالح : سئلت عن قول الله تعالى : " إلا اللمم " ، فقلت : هو الرجل يلم بالذنب ثم لا يعاوده ، فذكرت ذلك لابن عباس فقال : لقد أعانك عليها ملك كريم .وروينا عن عطاء عن ابن عباس في قوله : " إلا اللمم " ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما " .وأصل " اللمم والإلمام " : ما يعمله الإنسان الحين بعد الحين ، ولا يكون إعادة ، ولا إقامة .وقال آخرون : هذا استثناء منقطع ، مجازه : لكن اللمم ، ولم يجعلوا اللمم من الكبائر والفواحش ، ثم اختلفوا في معناه ، فقال بعضهم : هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم الله به ، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين : إنهم كانوا بالأمس يعملون معنا ؟ فأنزل الله هذه الآية . وهذا قول زيد بن ثابت ، وزيد بن أسلم .وقال بعضهم : هو صغار الذنوب كالنظرة والغمزة والقبلة وما كان دون الزنا ، وهو قول ابن مسعود ، وأبي هريرة ، ومسروق ، والشعبي ، ورواية طاوس عن ابن عباس .أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا محمود بن غيلان ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال : ما رأيت أشبه باللمم مما قاله أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العين النظر ، وزنا اللسان النطق ، والنفس تتمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك ويكذبه " .ورواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وزاد : " العينان زناهما النظر ، والأذنان زناهما الاستماع ، واللسان زناه الكلام ، واليد [ زناها ] البطش ، والرجل زناها الخطى " .وقال الكلبي : " اللمم " على وجهين : كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة ، فذلك الذي تكفره الصلوات ما لم يبلغ الكبائر والفواحش ، والوجه الآخر هو الذنب العظيم يلم به المسلم المرة بعد المرة فيتوب منه .وقال سعيد بن المسيب : هو ما لم على القلب أي خطر .وقال الحسين بن الفضل : " اللمم " النظرة من غير تعمد ، فهو مغفور ، فإن أعاد النظرة فليس بلمم وهو ذنب .( إن ربك واسع المغفرة ) قال ابن عباس : لمن فعل ذلك وتاب ، تم الكلام هاهنا ، ثم قال : ( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض ) أي خلق أباكم آدم من التراب ( وإذ أنتم أجنة ) جمع جنين ، سمي جنينا لاجتنانه في البطن ( في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم ) قال ابن عباس : لا تمدحوها . قال الحسن : علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة ، فلا تزكوا أنفسكم ، لا تبرءوها عن الآثام ، ولا تمدحوها بحسن أعمالها .قال الكلبي ومقاتل : كان الناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون : صلاتنا وصيامنا وحجنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ( هو أعلم بمن اتقى ) أي : بر وأطاع وأخلص العمل لله تعالى .
قوله تعالى : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش هذا نعت للمحسنين ; أي هم لا يرتكبون كبائر الإثم وهو الشرك ; لأنه أكبر الآثام . وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي ( كبير ) على التوحيد وفسره ابن عباس بالشرك . والفواحش الزنى : وقال مقاتل : كبائر الإثم كل ذنب ختم بالنار والفواحش كل ذنب فيه الحد . وقد مضى في ( النساء ) القول في هذا . ثم استثنى استثناء منقطعا وهيالمسألة الثانية : فقال : إلا اللمم وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه . وقد اختلف في معناها ; فقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي : اللمم كل ما دون الزنى . وذكر مقاتل بن سليمان : أن هذه الآية نزلت في رجل كان يسمى نبهان التمار ; كان له حانوت يبيع فيه تمرا ، فجاءته امرأة تشتري منه تمرا فقال لها : إن داخل الدكان ما هو خير من هذا ، فلما دخلت راودها فأبت وانصرفت فندم نبهان ; فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته إلا الجماع ; فقال : لعل زوجها غاز فنزلت هذه الآية ، وقد مضى في آخر " هود " وكذا قال ابن مسعود وأبو سعيد الخدري وحذيفة ومسروق : إن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة . وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال : زنى العينين النظر ، وزنى اليدين البطش ، وزنى الرجلين المشي ، وإنما يصدق ذلك أو يكذبه الفرج ; فإن تقدم كان زنى وإن تأخر كان لمما . وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة ، فزنى العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه . والمعنى : أن الفاحشة العظيمة والزنى التام الموجب للحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة هو في الفرج وغيره له حظ من الإثم . والله أعلم .وفي رواية أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطى والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه . خرجه مسلم . وقد ذكر الثعلبي حديث طاوس عن ابن عباس فذكر فيه الأذن واليد والرجل ، وزاد فيه بعد العينين واللسان : وزنى الشفتين القبلة . فهذا قول . وقال ابن عباس أيضا : هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب . قال : ألم تسمع النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : إن يغفر الله يغفر جما وأي عبد لك لا ألما رواه عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس . قال النحاس : هذا أصح ما قيل فيه وأجلها إسنادا . وروى شعبة عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس في قول الله عز وجل إلا اللمم قال : هو أن يلم العبد بالذنب ثم لا يعاوده ; قال الشاعر [ أمية بن أبي الصلت ] : إن تغفر اللهم تغفر جماوأي عبد لك لا ألما وكذا قال مجاهد والحسن : هو الذي يأتي الذنب ثم لا يعاوده ، ونحوه عن الزهري ، قال : اللمم أن يزني ثم يتوب فلا يعود ، وأن يسرق أو يشرب الخمر ثم يتوب فلا يعود . ودليل هذا التأويل قوله تعالى : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم الآية .ثم قال : أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم فضمن لهم المغفرة ; كما قال عقيب اللمم : إن ربك واسع المغفرة فعلى هذا التأويل يكون إلا اللمم استثناء متصلا . قال عبد الله بن عمرو بن العاص : اللمم ما دون الشرك . وقيل : اللمم الذنب بين الحدين وهو ما لم يأت عليه حد في الدنيا ، ولا توعد عليه بعذاب في الآخرة تكفره الصلوات الخمس ؛ قاله ابن زيد وعكرمة والضحاك وقتادة . ورواه العوفي والحكم بن عتيبة عن ابن عباس . وقال الكلبي : اللمم على وجهين : كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة ; فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ما لم يبلغ الكبائر والفواحش ، والوجه الآخر : هو الذنب العظيم يلم به الإنسان المرة بعد المرة فيتوب منه . وعن ابن عباس أيضا وأبي هريرة وزيد بن ثابت : هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به . وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين : إنما كنتم بالأمس تعملون معنا فنزلت ، وقاله زيد بن أسلم وابنه ; وهو كقوله تعالى : وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف . وقيل : اللمم هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة ; قاله نفطويه . قال : والعرب تقول ما يأتينا إلا لماما ; أي في الحين بعد الحين . قال : ولا يكون أن يلم ولا يفعل ، لأن العرب لا تقول : ألم بنا إلا إذا فعل الإنسان لا إذا هم ولم يفعله . وفي الصحاح : وألم الرجل من اللمم وهو صغائر الذنوب ، ويقال : هو مقاربة المعصية من غير مواقعة . وأنشد غير الجوهري :بزينب ألمم قبل أن يرحل الركبوقل إن تملينا فما ملك القلبأي : اقرب .وقال عطاء بن أبي رباح : اللمم عادة النفس الحين بعد الحين . وقال سعيد بن المسيب : هو ما ألم على القلب ; أي خطر . وقال محمد ابن الحنفية : كل ما هممت به من خير أو شر فهو لمم . ودليل هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام : إن للشيطان لمة وللملك لمة الحديث . وقد مضى في " البقرة " عند قوله تعالى : الشيطان يعدكم الفقر . وقال أبو إسحاق الزجاج : أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه ; يقال : ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه ، ويقال : ما فعلته إلا لمما وإلماما ; أي : الحين بعد الحين . وإنما زيارتك إلمام ، ومنه إلمام الخيال ; قال الأعشى :ألم خيال من قتيلة بعدما وهى حبلها من حبلنا فتصرماوقيل : إلا بمعنى الواو . وأنكر هذا الفراء وقال : المعنى إلا المتقارب من صغار الذنوب . وقيل : اللمم النظرة التي تكون فجأة .قلت : هذا فيه بعد إذ هو معفو عنه ابتداء غير مؤاخذ به ; لأنه يقع من غير قصد واختيار ، وقد مضى في " النور " بيانه . واللمم أيضا طرف من الجنون ، ورجل ملموم أي به لمم . ويقال أيضا : أصابت فلانا لمة من الجن وهي المس والشيء القليل ; قال الشاعر :فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن إلا كلمة حالم بخيالالثالثة : قوله تعالى : إن ربك واسع المغفرة لمن تاب من ذنبه واستغفر ; قاله ابن عباس . وقال أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل وكان من أفاضل أصحاب ابن مسعود : رأيت في المنام كأني دخلت الجنة فإذا قباب مضروبة ، فقلت : لمن هذه ؟ فقالوا : لذي الكلاع وحوشب ، وكانا ممن قتل بعضهم بعضا ، فقلت : وكيف ذلك ؟ فقالوا : إنهما لقيا الله فوجداه واسع المغفرة . فقال أبو خالد : بلغني أن ذا الكلاع أعتق اثني عشر ألف بنت .قوله تعالى : هو أعلم بكم من أنفسكم إذ أنشأكم من الأرض يعني أباكم آدم من الطين وخرج اللفظ على الجمع . قال الترمذي أبو عبد الله : وليس هو كذلك عندنا ، بل وقع الإنشاء على التربة التي رفعت من الأرض ، وكنا جميعا في تلك التربة وفي تلك الطينة ، ثم خرجت من الطينة المياه إلى الأصلاب مع ذرو النفوس على اختلاف هيئتها ، ثم استخرجها من صلبها على اختلاف الهيئات ; منهم كالدر يتلألأ ، وبعضهم أنور من بعض ، وبعضهم أسود كالحممة ، وبعضهم أشد سوادا من بعض ; فكان الإنشاء واقعا علينا وعليه .حدثنا عيسى بن حماد العسقلاني قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عرض علي الأولون والآخرون بين يدي حجرتي هذه الليلة فقال قائل : يا رسول الله ، ومن مضى من الخلق ؟ قال : نعم ، عرض علي آدم فمن دونه فهل كان خلق أحد قالوا : ومن في أصلاب الرجال وبطون الأمهات ؟ قال : نعم ، مثلوا في الطين فعرفتهم كما علم آدم الأسماء كلها .قلت : - وقد تقدم في أول ( الأنعام ) - أن كل إنسان يخلق من طين البقعة التي يدفن فيها .وإذ أنتم أجنة جمع جنين وهو الولد ما دام في البطن ، سمي جنينا لاجتنانه واستتاره . قال عمرو بن كلثوم :هجان اللون لم تقرأ جنيناوقال مكحول : كنا أجنة في بطون أمهاتنا فسقط منا من سقط وكنا فيمن بقي ، ثم صرنا رضعا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي ، ثم صرنا يفعة فهلك منا من هلك ، وكنا فيمن بقي ثم صرنا شبابا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي ، ثم صرنا شيوخا - لا أبا لك ! - فما بعد هذا ننتظر ؟ ! .وروى ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال : كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبي صغير : هو صديق ; فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد فأنزل الله تعالى عند ذلك هذه الآية : هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض إلى آخرها . ونحوه عن عائشة : كان اليهود ، بمثله .فلا تزكوا أنفسكم أي لا تمدحوها ولا تثنوا عليها ، فإنه أبعد من الرياء وأقرب إلى الخشوع .هو أعلم بمن اتقى أي أخلص العمل واتقى عقوبة الله ; عن الحسن وغيره . قال الحسن : قد علم الله سبحانه كل نفس ما هي عاملة ، وما هي صانعة ، وإلى ما هي صائرة . وقد مضى في ( النساء ) الكلام في معنى هذه الآية عند قوله تعالى : ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم فتأمله هناك . وقال ابن عباس : ما من أحد من هذه الأمة أزكيه غير رسول الله صلى الله عليه وسلم . والله تعالى أعلم .
وقوله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم ) يقول : الذين يبتعدون عن كبائر [ ص: 532 ] الإثم التي نهى الله عنها وحرمها عليهم فلا يقربونها ، وذلك الشرك بالله ، وما قد بيناه في قوله ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) .وقوله ( والفواحش ) وهي الزنا وما أشبهه ، مما أوجب الله فيه حدا .وقوله ( إلا اللمم ) اختلف أهل التأويل في معنى" إلا " في هذا الموضع ، فقال بعضهم : هي بمعنى الاستثناء المنقطع ، وقالوا : معنى الكلام : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ، إلا اللمم الذي ألموا به من الإثم والفواحش في الجاهلية قبل الإسلام ، فإن الله قد عفا لهم عنه ، فلا يؤاخذهم به .ذكر من قال ذلك :حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) يقول : إلا ما قد سلف .حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : المشركون إنما كانوا بالأمس يعملون معناه ، فأنزل الله عز وجل ( إلا اللمم ) ما كان منهم في الجاهلية . قال : واللمم : الذي ألموا به من تلك الكبائر والفواحش في الجاهلية قبل الإسلام ، وغفرها لهم حين أسلموا .حدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية ، عن ابن عياش ، عن ابن عون ، عن محمد قال : سأل رجل زيد بن ثابت ، عن هذه الآية ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) فقال : حرم الله عليك الفواحش ما ظهر منها وما بطن .حدثني يونس بن عبد الأعلى قال : أخبرنا ابن وهب قال : أخبرني عبد الله بن عياش قال : قال زيد بن أسلم في قول الله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : كبائر الشرك والفواحش : الزنى ، تركوا ذلك [ ص: 533 ] حين دخلوا في الإسلام ، فغفر الله لهم ما كانوا ألموا به وأصابوا من ذلك قبل الإسلام .وكان بعض أهل العلم بكلام العرب ممن يوجه تأويل " إلا " في هذا الموضع إلى هذا الوجه الذي ذكرته عن ابن عباس يقول في تأويل ذلك : لم يؤذن لهم في اللمم ، وليس هو من الفواحش ، ولا من كبائر الإثم ، وقد يستثنى الشيء من الشيء ، وليس منه على ضمير قد كف عنه فمجازه ، إلا أن يلم بشيء ليس من الفواحش ولا من الكبائر ، قال : الشاعر :وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيسواليعافير : الظباء ، والعيس : الإبل وليسا من الناس ، فكأنه قال : ليس به أنيس ، غير أن به ظباء وإبلا . وقال بعضهم : اليعفور من الظباء الأحمر ، والأعيس : الأبيض .وقال بنحو هذا القول جماعة من أهل التأويل . [ ص: 534 ]ذكر من قال ذلك :حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، أن ابن مسعود قال : زنى العينين : النظر ، وزنى الشفتين : التقبيل ، وزنى اليدين : البطش ، وزنى الرجلين : المشي ، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه ، فإن تقدم بفرجه كان زانيا ، وإلا فهو اللمم .حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر قال : وأخبرنا ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدركه ذلك لا محالة ، فزنى العينين النظر ، وزنى اللسان المنطق ، والنفس تتمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " .حدثني أبو السائب قال : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق في قوله ( إلا اللمم ) قال : إن تقدم كان زنى ، وإن تأخر كان لمما .حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : ثنا ابن علية قال : ثنا منصور بن عبد الرحمن ، قال : سألت الشعبي ، عن قول الله ( يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : هو ما دون الزنى ، ثم ذكر لنا عن ابن مسعود قال : " زنى العينين : ما نظرت إليه ، وزنى اليد : ما لمست ، وزنى الرجل : ما مشت والتحقيق بالفرج .حدثني محمد بن معمر قال : ثنا يعقوب قال : ثنا وهيب قال : ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم بن عمرو القاري قال : ثني عبد الرحمن بن نافع الذي يقال له ابن لبابة الطائفي قال : سألت أبا هريرة عن قول الله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : القبلة ، والغمزة ، والنظرة والمباشرة ، إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل ، وهو الزنى .وقال آخرون : بل ذلك استثناء صحيح ، ومعنى الكلام : الذين يجتنبون [ ص: 535 ] كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إلا أن يلم بها ثم يتوب .ذكر من قال ذلك :حدثني سليمان بن عبد الجبار قال : ثنا أبو عاصم قال : أخبرنا زكريا بن إسحاق ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب ; قال : وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألماحدثني ابن المثنى قال : ثنا محمد بن جعفر قال ثنا شعبة ، عن منصور ، عن مجاهد ، أنه قال في هذه الآية ( إلا اللمم ) قال : الذي يلم بالذنب ثم يدعه ، وقال الشاعر :إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألماحدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال : ثنا يونس ، عن الحسن ، عن أبي هريرة ، أراه رفعه : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : اللمة من الزنى ، ثم يتوب ولا يعود ، واللمة من السرقة ، ثم يتوب ولا يعود ; واللمة من شرب الخمر ، ثم يتوب ولا يعود ، قال : فتلك الإلمام .حدثنا ابن بشار قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن عوف ، عن الحسن ، [ ص: 536 ] في قول الله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : اللمة من الزنى أو السرقة ، أو شرب الخمر ، ثم لا يعود .حدثني يعقوب قال : ثنا ابن أبي عدي عن عوف ، عن الحسن في قول الله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : اللمة من الزنى ، أو السرقة ، أو شرب الخمر ثم لا يعود .حدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن في قوله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : قد كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون : هذا الرجل يصيب اللمة من الزنا ، واللمة من شرب الخمر ، فيخفيها فيتوب منها .حدثنا ابن حميد قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ( إلا اللمم ) يلم بها فى الحين ، قلت الزنى ، قال : الزنى ثم يتوب .حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور قال : قال معمر : كان الحسن يقول في اللمم : تكون اللمة من الرجل : الفاحشة ثم يتوب .حدثنا ابن حميد قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن إسماعيل ، عن أبي صالح قال : الزنى ثم يتوب .قال : ثنا مهران ، عن أبي جعفر ، عن قتادة ، عن الحسن ( إلا اللمم ) قال : أن يقع الوقعة ثم ينتهي .حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : اللمم : الذي تلم المرة .حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد قال : أخبرني يحيى بن أيوب ، عن المثنى بن الصباح ، عن عمرو بن شعيب ، أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : اللمم : ما دون الشرك . [ ص: 537 ]حدثنا ابن بشار قال : ثنا أبو عامر قال : ثنا مرة ، عن عبد الله بن القاسم في قوله ( إلا اللمم ) قال : اللمة يلم بها من الذنوب .حدثنا ابن حميد قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد في قوله ( إلا اللمم ) قال : الرجل يلم بالذنب ثم ينزع عنه . قال : وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون :إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألماوقال آخرون ممن وجه معنى" إلا " إلى الاستثناء المنقطع : اللمم : هو دون حد الدنيا وحد الآخرة ، قد تجاوز الله عنه .ذكر من قال ذلك :حدثنا ابن حميد قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن جابر ، عن عطاء ، عن ابن الزبير ( إلا اللمم ) قال : ما بين الحدين ، حد الدنيا ، وعذاب الآخرة .حدثنا ابن المثنى قال : ثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن ابن عباس أنه قال : اللمم : ما دون الحدين : حد الدنيا والآخرة .حدثنا ابن المثنى قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن الحكم وقتادة ، عن ابن عباس بمثله ، إلا أنه قال : حد الدنيا ، وحد الآخرة .حدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية قال : أخبرنا شعبة ، عن الحكم بن عتيبة قال : قال ابن عباس : اللمم ما دون الحدين ، حد الدنيا وحد الآخرة .حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : كل شيء بين الحدين ، حد الدنيا وحد الآخرة تكفره الصلوات ، وهو اللمم ، وهو دون كل موجب ; فأما حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا; وأما حد الآخرة فكل شيء ختمه الله بالنار ، وأخر عقوبته إلى الآخرة . [ ص: 538 ]حدثنا ابن حميد قال : ثنا يحيى قال : ثنا الحسين ، عن يزيد ، عن عكرمة في قوله : ( إلا اللمم ) يقول : ما بين الحدين ، كل ذنب ليس فيه حد في الدنيا ولا عذاب في الآخرة ، فهو اللمم .حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) واللمم : ما كان بين الحدين لم يبلغ حد الدنيا ولا حد الآخرة ، موجبة قد أوجب الله لأهلها النار ، أو فاحشة يقام عليه الحد في الدنيا .وحدثنا ابن حميد قال : ثنا مهران ، عن أبي جعفر ، عن قتادة قال : قال بعضهم : اللمم : ما بين الحدين : حد الدنيا ، وحد الآخرة .حدثنا أبو كريب ويعقوب قالا : ثنا إسماعيل بن إبراهيم قال : ثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة عن ابن عباس قال : اللمم : ما بين الحدين : حد الدنيا ، وحد الآخرة .حدثنا ابن حميد قال : ثنا مهران ، عن سفيان قال : قال الضحاك ( إلا اللمم ) قال : كل شيء بين حد الدنيا والآخرة فهو اللمم يغفره الله .وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال " إلا " بمعنى الاستثناء المنقطع ، ووجه معنى الكلام إلى ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) بما دون كبائر الإثم ، ودون الفواحش الموجبة للحدود في الدنيا ، والعذاب في الآخرة ، فإن ذلك معفو لهم عنه ، وذلك عندي نظير قوله جل ثناؤه : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ) فوعد جل ثناؤه باجتناب الكبائر ، العفو عما دونها من السيئات ، وهو اللمم الذي قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " العينان تزنيان ، واليدان تزنيان ، والرجلان تزنيان ، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه " ، وذلك أنه لا حد فيما دون ولوج الفرج في الفرج ، وذلك هو العفو من الله في الدنيا عن عقوبة العبد عليه ، والله جل ثناؤه أكرم من أن يعود فيما قد عفا عنه ، كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - واللمم في كلام العرب : [ ص: 539 ] المقاربة للشيء ، ذكر الفراء أنه سمع العرب تقول : ضربه ما لمم القتل يريدون ضربا مقاربا للقتل . قال : وسمعت من آخر : ألم يفعل في معنى : كاد يفعل .
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32(وقوله : { الذين يجتنبون كبائر الإثم } الخ صفة ل { الذين أحسنوا } ، أي الذين أحسنوا واجتنبوا كبائر الإِثم والفواحش ، أي فعلوا الحسنات واجتنبوا المنهيات ، وذلك جامع التقوى . وهذا تنبيه على أن اجتناب ما ذكر يعُدّ من الإِحسان لأن فعل السيئات يُنافي وصفهم بالذين أحسنوا فإنهم إذا أتوا بالحسنات كلها ولم يتركوا السيئات كان فعلهم السيئات غير إحسان ولو تركوا السيئات وتركوا الحسنات كان تركهم الحسنات سيئات .وقرأ الجمهور { كبائر الإثم } بصيغة جمع ( كبيرة ( . وقرأ حمزة والكسائي { كبيرَ الإِثم } بصيغة الإِفراد والتذكير لأن اسم الجنس يستوي فيه المفرد والجمع .والمراد بكبائر الإِثم : الآثام الكبيرة فيما شرع الله وهي ما شدد الدين التحذير منه أو ذكر له وعيداً بالعذاب أو وصف على فاعله حداً .قال إمام الحرمين : «الكبائر كل جريمة تؤذن بقلة اكتراثثِ مرتكبها بالدين وبرقة ديانته» .وعطف الفواحش يقتضي أن المعطوف بها مغاير للكبائر ولكنها مغايرة بالعموم والخصوص الوجهي ، فالفواحش أخص من الكبائر وهي أقوى إثماً .والفواحش : الفعلات التي يعد الذي فعلها متجاوزاً الكبائر مثل الزنى والسرقة وقتل الغيلة ، وقد تقدم تفسير ذلك في سورة الأنعام عند قوله تعالى : { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن } [ الأعراف : 33 ] الآية وفي سورة النساء ( 31 ( في قوله : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } واستثناء اللمم استثناء منقطع لأن اللمم ليس من كبائر الإِثم ولا من الفواحش .فالاستثناء بمعنى الاستدراك . ووجهه أن ما سمي باللمم ضرب من المعاصي المحذر منها في الدين ، فقد يظن الناس أن النهي عنها يلحقها بكبائر الإِثم فلذلك حق الاستدراك ، وفائدة هذا الاستدراك عامة وخاصة : أما العامة فلكي لا يعامِل المسلمون مرتكب شيء منها معاملة من يرتكب الكبائر ، وأما الخاصة فرحمة بالمسلمين الذين قد يرتكبونها فلا يَقُل ارتكابها من نشاط طاعة المسلم ، ولينصرف اهتمامه إلى تجنب الكبائر . فهذا الاستدراك بشارة لهم ، وليس المعنى أن الله رخص في إتيان اللمم . وقد أخطأ وضاح اليَمن في قوله الناشىء عن سوء فهمه في كتاب الله وتطفله في غير صناعته :فما نوَّلَتْ حتى تضرعتُ عندها ... وأنبأتُها ما رَخَّص الله في اللَّممواللمم : الفعل الحرام الذي هو دون الكبائر والفواحش في تشديد التحريم ، وهو ما يندر ترك الناس له فيكتفى منهم بعدم الإكثار من ارتكابه . وهذا النوع يسميه علماء الشريعة الصغائر في مقابلة تسمية النوع الآخر بالكبائر .فمثلوا اللمم في الشهوات المحرمة بالقبلة والغمزة . سمي : اللمم ، وهو اسم مصدر أَلمَّ بالمكان إلماماً إذا حلّ به ولم يُطل المكث ، ومن أبيات الكتاب :قريشي منكمُ وَهَوَايَ مَعْكُم ... وإن كانت زيارتكم لِمامَاوقد قيل إن هذه الآية نزلت في رجل يسمى نَبْهان التَمَّار كان له دُكان يبيع فيه تمراً ( أي بالمدينة ( فجاءته امرأة تشتري تمراً فقال لها : إنّ داخل الدُكان ما هو خير من هذا ، فلما دخلت راودها على نفسها فأبت فندم فأتى النبي وقال : ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته ( أي غصباً عليها ( إلا الجماع ، فنزلت هذه الآية ، أي فتكون هذه الآية مدنية أُلحقت بسورة النجم المكية كما تقدم في أول السورة .والمعنى : أن الله تجاوز له لأجل توبته . ومن المفسرين من فسر اللَّمم بِالهَمّ بالسيئة ولا يفعل فهو إلمام مجازي .وقوله : إن ربك واسع المغفرة } تعليل لاستثناء اللمم من اجتنابهم كبائر الإِثم والفواحش شرطاً في ثبوت وصف { الذين أحسنوا } لهم .وفي بناء الخبر على جعل المسند إليه { ربك } دون الاسم العلم إشعار بأن سعة المغفرة رفق بعباده الصالحين شأن الرب مع مربوبه الحق .وفي إضافة ( رب ( إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم دون ضمير الجماعة إيماء إلى أن هذه العناية بالمحسنين من أمته قد حصلت لهم ببركته .والواسع : الكثير المغفرة ، استعيرت السعة لكثرة الشمول لأن المكان الواسع يمكن أن يحتوي على العدد الكثير ممن يحلّ فيه قال تعالى : { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً } وتقدم في سورة غافر ( 7 ( .هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الارض وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أمهاتكم فَلاَ تزكوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى } .الخطاب للمؤمنين ، ووقوعه عقب قوله : { ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } ينبىء عن اتصال معناه بمعنى ذلك فهو غير مُوجه لليهود كما في «أسباب النزول» للواحدي وغيره . وأصله لعبد الله بن لهيعة عن ثابت بن حارث الأنصاري . قال : " كانت اليهود إذا هلك لهم صبي صغير يقولون : هو صدِّيق ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : كذبت يهود ، ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد " فأنزل الله هذه الآية . وعبد الله بن لهيعة ضَعفه ابن معين وتَركه وكيع ويحيى القطان وابن مهدي . وقال الذهبي : العَمل على تضعيفه ، قلت : لعل أحد رواة هذا الحديث لم يضبط فقال : فأنزل الله هذه الآية ، وإنما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذاً بعموم قوله : { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض } الخ ، حجة عليهم ، وإلاّ فإن السورة مكية والخوض مع اليهود إنما كان بالمدينة .وقال ابن عطية : حكى الثعلبي عن الكلبي ومقاتل أنها نزلت في قوم من المؤمنين فخروا بأعمالهم .وكأنَّ الباعث على تطلب سبب لنزولها قصد إبداء وجه اتصال قوله : { فلا تزكوا أنفسكم } بما قبله وما بعده وأنه استيفاء لمعنى سعة المغفرة ببيان سعة الرحمة واللطف بعباده إذْ سلك بهم مسلك اليسر والتخفيف فعفا عمّا لو آخذهم به لأحرجهم فقوله : { هو أعلم بكم } نظير قوله : { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً } [ الأنفال : 66 ] الآية ثم يجيء الكلام في التفريع بقوله : { فلا تزكوا أنفسكم } .فينبغي أن تحل جملة { هو أعلم بكم } إلى آخرها استئنافاً بيانياً لجملة { إن ربك واسع المغفرة } لما تضمنته جملة { إن ربك واسع المغفرة } من الامتنان ، فكأن السامعين لما سمعوا ذلك الامتنان شكروا الله وهجس في نفوسهم خاطر البحث عن سبب هذه الرحمة بهم فأجيبوا بأن ربهم أعلم بحالهم من أنفسهم فهو يدبر لهم ما لا يخطر ببالهم ، ونظيره ما في الحديث القدسي قال الله تعالى : " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر خيراً من بَلْه ما أطَّلَعتم عليه " . وقوله : { إذ أنشأكم } ظرف متعلق ب ( أعلم ( ، أي هو أعلم بالناس من وقت إنشائه إياهم من الأرض وهو وقت خلق أصلهم آدم .والمعنى : أن إنشاءهم من الأرض يستلزم ضعف قدرهم عن تحمل المشاق مع تفاوت أطوار نشأة بني آدم ، فالله علم ذلك وعلم أن آخر الأمم وهي أمة النبي صلى الله عليه وسلم أضعف الأمم . وهذا المعنى هو الذي جاء في حديث الإِسراء من قول موسى لمحمد عليهما الصلاة والسلام حين فرض الله على أمته خمسين صلاة «إن أمتك لا تطيق ذلك وإني جربت بني إسرائيل» أي وهم أشد من أمتك قوة ، فالمعنى أن الضعف المقتضي لسعة التجاوز بالمغفرة مقرر في علم الله من حين إنشاء آدم من الأرض بالضعف الملازم لجنس البشر على تفاوت فيه قال تعالى : { وخلق الإِنسان ضعيفاً } [ النساء : 28 ] ، فإن إنشاء أصل الإِنسان من الأرض وهي عنصر ضعيف يقتضي ملازمة الضعف لجميع الأفراد المنحدرة من ذلك الأصل . ومنه قوله النبي : " إن المرأة خُلقت من ضِلَع أعوج " . وقوله : { وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم } يختص بسعة المغفرة والرفق بهذه الأمة وهو متقضى قوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [ البقرة : 185 ] .والأجنة : جمع جنين ، وهو نسل الحيوان ما دام في الرحم ، وهو فعيل بمعنى مفعول لأنه مستور في ظلمات ثلاث .وفي { بطون أمهاتكم } صفة كاشفة إذ الجنين لا يقال إلا على ما في بطن أمه . وفائدة هذا الكشف أن فيه تذكيراً باختلاف أطوار الأجنة من وقت العلوق إلى الولادة ، وإشارة إلى إحاطة علم الله تعالى بتلك الأطوار .وجملة { فلا تزكوا أنفسكم } اعتراض بين جملة { هو أعلم بكم } وجملة{ أفرأيت الذي تولى } [ النجم : 33 ] الخ ، والفاء لتفريع الاعتراض ، وهو تحذير للمؤمنين من العُجب بأعمالهم الحسنة عجباً يحدثه المرء في نفسه أو يدخله أحدٌ على غيره بالثناء عليه بعمله .و { تزكوا } مضارع زكى الذي هو من التضعيف المراد منه نسبة المفعول إلى أصل الفعل نحو جَهَّله ، أي لا تنسبوا لأنفسكم الزكاة .فقوله : { أنفسكم } صادق بتزكية المرء نفسه في سره أو علانيته فرجع الجمع في قوله : { فلا تزكوا } إلى مقابلة الجمع بالجمع التي تقتضي التوزيع على الآحاد مثل : ركب القوم دوابهم .والمعنى : لا تحسبوا أنفسكم أزكياء وابتغوا زيادة التقرب إلى الله أولاً تثقوا بأنكم أزكياء فيدخلكم العجب بأعمالكم ويشمل ذلك ذكر المرء أعماله الصالحة للتفاخر بها ، أو إظهارها للناس ، ولا يجوز ذلك إلا إذا كان فيه جلب مصلحة عامة كما قال يوسف : { اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم } [ يوسف : 55 ] . وعن الكلبي ومقاتل : كان ناس يعملون أعمالاً حسنة ثم يقولون : صلاتنا وصيامنا وحجنا وجهادنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .ويشمل تزكية المرء غيره فيرجع { أنفسكم } إلى معنى قَومكم أو جماعتكم مثل قوله تعالى : { فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم } [ النور : 61 ] أي ليسلم بعضكم على بعض . والمعنى : فلا يثني بعضكم على بعض بالصلاح والطاعة لئلا يغيرُه ذلك .وقد ورد النهي في أحاديث عن تزكية الناس بأعمالهم . ومنه حديث أم عطية حين مات عثمان بن مظعون في بيتها ودخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أم عطية : « رحمةُ الله عليك أبا السائب ( كنية عثمان بن مظعون ( فشهادتي عليك لقد أكرمكَ الله فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يُدريك أن الله أكرمه ، فقالت : إذا لم يُكرمه الله فمنْ يكرمهُ الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هو فقد جاءه اليقين وإني لأرجو له الخير وإني والله ما أدري وأنا رسولُ الله ما يُفعل بي » . قالت أم عطية : فلا أزكي أحداً بعدَ ما سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شاع من آداب عصر النبوة بين الصحابة التحرز من التزكية وكانوا يقولون إذا أثنوا على أحد لا أعلم عليه إلا خيراً ولا أزكي على الله أحداً .وروى مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : « سميت ابنتي بَرة فقالت لي زينب بنت بن سلمة إن رسول الله نهى عن هذا الإسم ، وسُمِّيتُ برة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزكوا أنفسكم إن الله أعلم بأهل البر منكم ، قالوا : بم نسميها؟ قال : سموها زينب » . وقد ظهر أن النهي متوجه إلى أن يقول أحد ما يفيد زكاء النفس ، أي طهارتها وصلاحها ، تفويضاً بذلك إلى الله لأن للناس بواطن مختلفةَ الموافقةِ لظواهرهم وبين أنواعها بَون .وهذا من التأديب على التحرز في الحكم والحيطة في الخِبرة واتهام القرائن والبوارق .فلا يدخل في هذا النهي الإِخبارُ عن أحوال الناس بما يعلم منهم وجربوا فيه من ثقة وعدالة في الشهادة والرواية وقد يعبر عن التعديل بالتزكية وهو لفظ لا يراد به مثل ما أريد من قوله تعالى : { فلا تزكوا أنفسكم } بل هو لفظ اصطلح عليه الناس بعد نزول القرآن ومرادهم منه واضح .ووقعت جملة { هو أعلم بمن اتقى } موقع البيان لسبب النهي أو لأهمِّ أسبابه ، أي فوضوا ذلك إلى الله إذ هو أعلم بمن اتقى ، أي بحال من اتقى من كمال تقوى أو نقصها أو تزييفها . وهذا معنى ما ورد في الحديث أن يقول من يخبر عن أحد بخير : « لا أزكي على الله أحداً » أي لا أزكى أحداً معتلياً حق الله ، أي متجاوزاً قدري .