وأنه سبحانه أمات مَن أراد موته مِن خلقه، وأحيا مَن أراد حياته منهم، فهو المتفرِّد سبحانه بالإحياء والإماتة.
«وأنه هو أمات» في الدنيا «وأحيا» للبعث.
وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا أي: هو المنفرد بالإيجاد والإعدام، والذي أوجد الخلق وأمرهم ونهاهم، سيعيدهم بعد موتهم، ويجازيهم بتلك الأعمال التي عملوها في دار الدنيا.
( وأنه هو أمات وأحيا ) ، كقوله : ( الذي خلق الموت والحياة ) [ الملك : 2 ] ،
وقوله: وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا أى: وأنه- تعالى- بقدرته وحدها، هو الذي أحيا من يريد إحياءه من مخلوقاته، وأمات من يريد إماتته منهم.وهذا رد على أولئك الجاهلين الذين أنكروا ذلك، وقالوا- كما حكى القرآن عنهم- ... ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا، وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ.. .
" وأنه هو أمات وأحيا "، أي: أمات في الدنيا وأحيا بالبعث. وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء. وقيل: أمات الكافر بالنكرة وأحيا المؤمن بالمعرفة.
وأنه هو أمات وأحيا أي قضى أسباب الموت والحياة . وقيل : خلق الموت والحياة كما قال : الذي خلق الموت والحياة قاله ابن بحر . وقيل : أمات الكافر بالكفر وأحيا المؤمن بالإيمان ; قال الله تعالى : أو من كان ميتا فأحييناه الآية . وقال : إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله على ما تقدم ، وإليه يرجع قول عطاء : أمات بعدله وأحيا بفضله . وقول من قال : أمات بالمنع والبخل وأحيا بالجود والبذل . وقيل : أمات النطفة وأحيا النسمة . وقيل : أمات الآباء وأحيا الأبناء . وقيل : يريد بالحياة الخصب وبالموت الجدب . وقيل : أنام وأيقظ . وقيل : أمات في الدنيا وأحيا للبعث .
القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44)يقول تعالى ذكره: وأنه هو أمات من مات من خلقه, وهو أحيا من حَيا منهم. وعنى بقوله ( أَحْيَا ) نفخ الروح في النطفة الميتة, فجعلها حية بتصييره الروح فيها.
وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44(انتقل من الاعتبار بانفراد الله بالقدرة على إيجاد أسباب المسرة والحزن وهما حالتان لا تخلو عن إحداهما نفس الإِنسان إلى العبرة بانفراده تعالى بالقدرة على الإِحياء والإِماتة ، وهما حالتان لا يخلو الإِنسان عن إحداهما فإن الإِنسان أول وجوده نطفة ميتة ثم علقة ثم مضغة ( قطعة ميتة وإن كانت فيها مادة الحياة إلا أنها لم تبرز مظاهر الحياة فيها ( ثم ينفخ فيه الروح فيصير إلى حياة وذلك بتدبير الله تعالى وقدرته .ولعل المقصود هو العبرة بالإِماتة لأنها أوضح عبرة وللرد عليهم قولهم : { وما يهلكنا إلا الدهر } [ الجاثية : 24 ] ، وأن عطف { وأحيا تتميم واحتراس كما في قوله : { الذي خلق الموت والحياة } [ الملك : 2 ] . ولذلك قدم { أمات على أحيا } مع الرعاية على الفاصلة كما تقدم في { أضحك وأبكى } [ النجم : 43 ] .وموقع الجملة كموقع جملة { وأن سعيه سوف يرى } [ النجم : 40 ] . فإن كان مضمونها مما شملته صحف إبراهيم كان المحكي بها من كلام إبراهيم ما حكاه الله عنه بقوله : { والذي يميتني ثم يحيين } [ الشعراء : 81 ] .وفعلا { أمات وأحيا } منزلان منزلة اللازم كما تقدم في قوله : { وأنه هو أضحك وأبكى } [ النجم : 43 ] إظهاراً لبديع القدرة على هذا الصنع الحكيم مع التعريض بالاستدلال على كيفية البعث وإمكانه حيث أحاله المشركون ، وشاهدُه في خلق أنفسهم .وضمير الفصل للقصر على نحو قوله : { وأنه هو أضحك وأبكى } [ النجم : 43 ] رداً على أهل الجاهلية الذين يسندون الإِحياء والإِماتة إلى الدهر فقالوا { وما يهلكنا إلا الدهر } [ الجاثية : 24 ] . فليس المراد الحياة الآخرة لأن المتحدث عنهم لا يؤمنون بها ، ولأنها مستقبلة والمتحدث عنه ماض .وفي هذه الآية محسن الطباق أيضاً لما بين الحياة والموت من التضاد .