هذا محمد صلى الله عليه وسلم، نذير بالحق الذي أنذر به الأنبياء قبله، فليس ببدع من الرسل.
«هذا» محمد «نذير من النذر الأولى» من جنسهم، أي رسول كالرسل قبله أرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم.
هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى أي: هذا الرسول القرشي الهاشمي محمد بن عبد الله، ليس ببدع من الرسل، بل قد تقدمه من الرسل السابقين، ودعوا إلى ما دعا إليه، فلأي شيء تنكر رسالته؟ وبأي حجة تبطل دعوته؟أليست أخلاقه [أعلا] أخلاق الرسل الكرام، أليست دعوته إلى كل خير والنهي عن كل شر؟ ألم يأت بالقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد؟ ألم يهلك الله من كذب من قبله من الرسل الكرام؟ فما الذي يمنع العذاب عن المكذبين لمحمد سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين؟
( هذا نذير ) يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - ( من النذر الأولى ) أي : من جنسهم ، أرسل كما أرسلوا ، كما قال تعالى : ( قل ما كنت بدعا من الرسل ) [ الأحقاف : 9 ] .
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بهذا الإنذار الشديد، فقال- تعالى-: هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى والنذير بمعنى المنذر، وهو من يخبر غيره بخبر فيه مضرة به، لكي يحذره. أى: هذا الرسول الكريم، وما جاء به من قرآن حكيم، نذير لكم- أيها الناس- من جنس الإنذارات الأولى. التي أتى بها الأنبياء السابقون لأممهم فاحذروا مخالفة رسولنا صلى الله عليه وسلم لأن مخالفته تؤدى إلى هلاككم وخسرانكم.فقوله- تعالى-: مِنَ النُّذُرِ على حذف مضاف. أى: من جنس النذر التي سبقت..
( هذا نذير ) يعني : محمدا - صلى الله عليه وسلم - ( من النذر الأولى ) أي : رسول من الرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم ، وقال قتادة : يقول : أنذر محمد كما أنذر الرسل من قبله .
قوله تعالى : هذا نذير من النذر الأولى قال ابن جريج ومحمد بن كعب : يريد أن محمدا صلى الله عليه وسلم نذير بالحق الذي أنذر به الأنبياء قبله ، فإن أطعتموه أفلحتم ، وإلا حل بكم ما حل بمكذبي الرسل السالفة . وقال قتادة : يريد القرآن ، وأنه نذير بما أنذرت به الكتب الأولى . وقيل : أي هذا الذي أخبرنا به من أخبار الأمم الماضية الذين هلكوا تخويف لهذه الأمة من أن ينزل بهم ما نزل بأولئك من النذر أي مثل النذر ; والنذر في قول العرب بمعنى الإنذار كالنكر بمعنى الإنكار ; أي هذا إنذار لكم . وقال أبو مالك : هذا الذي أنذرتكم به من وقائع الأمم الخالية هو في صحف إبراهيم وموسى . وقال السدي : أخبرني أبو صالح قال : هذه الحروف التي ذكر الله تعالى من قوله تعالى : أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم إلى قوله : هذا نذير من النذر الأولى كل هذه في صحف إبراهيم وموسى .
وقوله: ( هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى ) اختلف أهل التأويل في معنى قوله جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم ( هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى ) ووصفه إياه بأنه من النذر الأولى وهو آخرهم, فقال بعضهم: معنى ذلك: أنه نذير لقومه, وكانت النذر الذين قبله نُذرا لقومهم, كما يقال: هذا واحد من بني آدم, وواحد من الناس.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى ) قال: أنذر محمد صلى الله عليه وسلم كما أنذرت الرسل من قبله.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى) إنما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بما بعث الرسل قبله.حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن يمان, عن شريك, عن جابر, عن أبي جعفر ( هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى ) قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم .وقال آخرون: معنى ذلك غير هذا كله, وقالوا: معناه هذا الذي أنذرتكم به أيها القوم من الوقائع التي ذكرت لكم أني أوقعتها بالأمم قبلكم من النذر التي أنذرتها الأمم قبلكم في صحف إبراهيم وموسى.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حُميد. قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن إسماعيل, عن أبي مالك ( هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى ) قال: مما أنذروا به قومهم في صحف إبراهيم وموسى.وهذا الذي ذكرت، عن أبي مالك أشبه بتأويل الآية, وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر ذلك في سياق الآيات التي أخبر عنها أنها في صحف إبراهيم وموسى نذير من النُّذر الأولى التي جاءت الأمم قبلكم كما جاءتكم، فقوله ( هَذَا ) بأن تكون إشارة إلى ما تقدمها من الكلام أولى وأشبه منه بغير ذلك.
هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (56(استئناف ابتدائي أو فذلكةٌ لما تقدم على اختلاف الاعتبارين في مرجع اسم الإِشارة فإن جعلتَ اسم الإِشارة راجعاً إلى القرآن فإنه لحضوره في الأذهان ينزل منزلة شيء محسوس حاضر بحيث يشار إليه ، فالكلام انتقال اقتضابي تنهية لما قبله وابتداءٌ لما بعد اسم الإِشارة على أسلوب قوله تعالى : { هذا بلاغ للناس } [ إبراهيم : 52 ] .والكلام موجه إلى المخاطبين بمعظم ما في هذه السورة فلذلك اقتصر على وصف الكلام بأنه نذير ، دون أن يقول : نذير وبشير ، كما قال في الآية الأخرى { إن أنا إلاّ نذير وبشير لقوم يؤمنون } [ الأعراف : 188 ] .والإِنذار بعضه صريح مثل قوله : { ليجزي الذين أساءوا بما عملوا } [ النجم : 31 ] الخ ، وبعضه تعريض كقوله : { وأنه أهلك عاداً الأولى } [ النجم : 50 ] وقوله : { وأن إلى ربك المنتهى } [ النجم : 42 ] .وإن جعلتَ اسم الإِشارة عائداً إلى ما تقدم من أول السورة بتأويله بالمذكور ، أو إلى ما لم ينبأ به الذي تولى وأعطى قليلاً ، ابتداءً من قوله : { أم لم ينبأ بما في صحف موسى } [ النجم : 36 ] إلى هنا على كلا التأويلين المتقدمين ، فتكون الإِشارة إلى الكلام المتقدم تنزيلاً لحضوره في السمع منزلة حضوره في المشاهدة بحيث يشار إليه .و«النذر» حقيقته المخبر عن حدوث حدث مضرّ بالمخبَر ( بالفتح ( ، وجمعه : نُذر ، هذا هو الأشهر فيه . ولذلك جعل ابن جريج وجمع من المفسرين الإِشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وهو بعيد .ويطلق النذير على الإِنذار وهو خبر المخبِر على طريقة المجاز العقلي . قال أبو القاسم الزجاجي : يطلق النذير على الإِنذار ( يريد أنه اسم مصدر ( ومنه قوله تعالى : { فستعلمون كيف نذير } [ الملك : 17 ] أي إنذاري وجمعه نُذر أيضاً ، ومنه قوله تعالى : { كذبت ثمود بالنذر } [ القمر : 23 ] ، أي بالمنذِرين . وإطلاق نذير على ما هو كلام وهو القرآن أو بعض آياته مجاز عقلي ، أو استعارة على رأي جمهور أهل اللغة وهو حقيقة على رأي الزجاجي .والمراد بالنذر الأولى : السالفة ، أي أن معنى هذا الكلام من معاني الشرائع الأولى كقوله النبي : " إنّ مما أدرك الناسُ من كلام النبوءة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئتَ " أي من كلام الأنبياء قبل الإِسلام .