ولقد نادانا نبينا نوح؛ لننصره على قومه، فلنعم المجيبون له نحن.
(ولقد نادانا نوح) بقوله "" رب إني مغلوب فانتصر "" (فلنعم المجيبون) له نحن: أي دعانا على قومه فأهلكناهم بالغرق.
يخبر تعالى عن عبده ورسوله نوح عليه السلام، أول الرسل، أنه لما دعا قومه إلى اللّه، تلك المدة الطويلة فلم يزدهم دعاؤه، إلا فرارا، أنه نادى ربه فقال: رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا الآية.
لما ذكر تعالى عن أكثر الأولين أنهم ضلوا عن سبيل النجاة ، شرع يبين ذلك مفصلا فذكر نوحا - عليه السلام - وما لقي من قومه من التكذيب ، وأنه لم يؤمن منهم إلا القليل مع طول المدة ، [ فإنه ] لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، فلما طال عليه ذلك واشتد عليه تكذيبهم ، وكلما دعاهم ازدادوا نفرة ، فدعى ربه أني مغلوب فانتصر ، فغضب الله لغضبه عليهم ; ولهذا قال : ( ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ) أي : فلنعم المجيبون له .
وقصة نوح- عليه السلام- قد وردت في القرآن الكريم في سور متعددة منها: سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة نوح، وسورة المؤمنون.وهنا يحدثنا القرآن عن جانب من النعم التي أنعم بها الله- تعالى- على نبيه نوح- عليه السلام- حيث أجاب له دعاءه، ونجاه وأهله من الكرب العظيم وأهلك أعداءه المكذبين.واللام في قوله: وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ ... واقعة في جواب قسم محذوف والمراد بالنداء الدعاء الذي تضرع به نوح- عليه السلام- وطلب منا أن ننصره على قومه الكافرين فاستجبنا له أحسن إجابة، ونعم المجيبون نحن، فقد أهلكنا أعداءه بالطوفان.أخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: كان النبي- صلّى الله عليه وسلم- إذا صلّى في بيتي فمر بهذه الآية، قال: «صدقت ربنا، أنت أقرب من دعى، وأقرب من بغى- أى طلب لإجابة الدعاء- فنعم المدعو أنت، ونعم المعطى أنت. ونعم المسئول أنت ربنا ونعم النصير» .
قوله عز وجل : ( ولقد نادانا نوح ) دعا ربه على قومه فقال : " إني مغلوب فانتصر " ( القمر - 10 ) ( فلنعم المجيبون ) نحن ، يعني : أجبنا دعاءه وأهلكنا قومه .
قوله تعالى : ولقد نادانا نوح من النداء الذي هو الاستغاثة ، ودعا قيل بمسألة هلاك قومه فقال : رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا . فلنعم المجيبون قال الكسائي : أي : فلنعم المجيبون له كنا .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75)يقول تعالى ذكره: لقد نادانا نوح بمسألته إيانا هلاك قومه، فقال: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا ...إلى قوله رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا وقوله ( فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ) يقول: فلنعم المجيبون كنا له إذ دعانا، فأجبنا له دعاءه، فأهلكنا قومه .
وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) أتبع التذكير والتسلية من جانب النظر في آثار ما حلّ بالأمم المرسَل إليهم ، وما أخبر عنه من عاقبتهم في الآخرَة ، بتذكير وتسلية من جانب الإِخبار عن الرسل الذين كذّبهم قومهم وآذَوهم وكيف انتصر الله لهم ليزيد رسول صلى الله عليه وسلم تثبيتاً ويُلْقِم المشركين تبْكيتاً . وذكر في هذه السورة ست قصص من قصص الرسل مع أقوامهم لأن في كل قصة منها خاصيةً لها شبَهٌ بحال الرسول صلى الله عليه وسلم مع قومه وبحاله الأكمل في دعوته ، ففي القِصص كلّها عبرة وأسوة وتحذير كما سيأتي تفصيله عند كل قصة منها ، ويجمعها كلّها مقاومة الشرك ومقاومة أهلها . واختير هؤلاء الرسل الستة : لأن نوحاً القدْوة الأولى ، وإبراهيم هو رسول الملة الحنيفية التي هي نواة الشجرة الطيبة شجرة الإِسلام ، وموسى لشبه شريعته بالشريعة الإِسلامية في التفصيل والجمع بين الدين والسلطان ، فهؤلاء الرسل الثلاثة أصول . ثم ذكر ثلاثة رسل تفرّعوا عنهم وثلاثتهم على ملّة رسل من قبلهم . فأما لوط فهو على ملة إبراهيم ، وأما إلياس ويونس فعلى ملة موسى .وابتدى بقصة نوح مع قومه فإنه أول رسول بعثه الله إلى الناس وهو الأسوة الأولى والقدوة المثلى . وابتداء القصة بذكر نداء نوح ربه موعظة للمشركين ليحذروا دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ربه تعالى بالنصر عليهم كما دعا نوح على قومه وهذا النداء هو المحكي في قوله : { قال رب انصرني بما كذبون } [ المؤمنون : 26 ] ، وقوله : { قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خساراً } الآيات من سورة [ نوح : 21 ] .والفاء في قوله : { فلَنِعْمَ المُجِيبونَ } تفريع على { نادَانَا ، } أي نادانا فأجبناه ، فحذف المفرّع لدلالة { فلنعم المجيبون } عليه لتضمنه معنى فأجبناه جواب من يقال فيه : نعم المجيب . والمخصوص بالمدح محذوف ، أي فلَنِعْم المجيبون نحن . وضمير المتكلم المشارَك مستعمل في التعظيم كما هو معلوم . وتأكيد الخبر وتأكيد ما فرع عليه بلام القسم لتحقيق الأمرين تحذيراً للمشركين بعد تنزيلهم منزلة من ينكر أن نوحاً دعا فاستجيب له .