سورة السجدة (32): مكتوبة كاملة مع التفسير التحميل

تحتوي هذه الصفحة على جميع آيات سورة السجدة بالإضافة إلى تفسير جميع الآيات من قبل تنوير المقباس من تفسير ابن عباس (عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي). في الجزء الأول يمكنك قراءة سورة السجدة مرتبة في صفحات تماما كما هو موجود في القرآن. لقراءة تفسير لآية ما انقر على رقمها.

معلومات عن سورة السجدة

سُورَةُ السَّجۡدَةِ
الصفحة 417 (آيات من 21 إلى 30)

وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ ۚ إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِۦ ۖ وَجَعَلْنَٰهُ هُدًى لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَٰكِنِهِمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍ ۖ أَفَلَا يَسْمَعُونَ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَٰمُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِيمَٰنُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ
417

الاستماع إلى سورة السجدة

تفسير سورة السجدة (تنوير المقباس من تفسير ابن عباس: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي)

الترجمة الإنجليزية

Walanutheeqannahum mina alAAathabi aladna doona alAAathabi alakbari laAAallahum yarjiAAoona

وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)إخبار بأن لهم عذاباً آخر لا يبلغ مبلغ عذاب النار الموعودين به في الآخرة فتعين أن العذاب الأدنى عذاب الدنيا . والمقصود من هذا : التعريضُ بتهديدهم لأنهم يسمعون هذا الكلام أو يبلغ إليهم . وهذا إنذار بما لحقهم بعد نزول الآية وهو ما مُحنوا به من الجوع والخوف وكانوا في أمن منهما وما يصيبهم يوم بدر من القتل والأسر ويوم الفتح من الذل .وجملة { لعلهم يرجعون } استئناف بياني لحكمة إذاقتهم العذاب الأدنى في الدنيا بأنه لرجاء رجوعهم ، أي رجوعهم عن الكفر بالإيمان . والمراد : رجوع من يمكن رجوعه وهم الأحياء منهم . وإسناد الرجوع إلى ضمير جميعهم باعتبار القبيلة والجماعة ، أي لعل جماعتهم ترجع . وكذلك كان فقد آمن كثير من الناس بعد يوم بدر وبخاصة بعد فتح مكة ، فصار من تحقق فيهم الرجوع المرجوّ مخصوصين من عموم { الذين فسقوا } في قوله تعالى : { وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها } الآية [ السجدة : 20 ] ، فبقي ذلك الوعيد للذين ماتوا على الشرك ، وهي مسألة الموافاة عند الأشعري .

الترجمة الإنجليزية

Waman athlamu mimman thukkira biayati rabbihi thumma aAArada AAanha inna mina almujrimeena muntaqimoona

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)عطف على جملة { إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذُكِّروا بها } [ السجدة : 15 ] إلى آخرها حيث اقتضت أن الذين قالوا : { أإذا ضللنا في الأرض إنا لفي خلق جديد } [ السجدة : 10 ] ليسوا كأولئك فانتُقل إلى الإخبار عنهم بأنهم أشد الناس ظلماً لأنهم يُذَكِّرون بآيات الله حين يتلى عليهم القرآن فيعرضون عن تدبرها ويَلْغون فيها ، فآيات الله مراد بها القرآن .وجيء في عطف جملة { أعرضَ } بحرف { ثم } لقصد الدلالة على تراخي رتبة الإعراض عن الآيات بعد التذكير بها تراخي استبعاد وتعجيب من حالهم كقول جعفر بن علبة الحارثي :لا يكشف الغماء إلا ابنُ حرة ... يرى غمراتتِ الموت ثُم يزورهاأي : عجيب إقدامه على مواقع الهلاك بعد مشاهدة غمرات الموت تغمر الذين أقدموا على تلك المواقع .و { مَن } للاستفهام الإنكاري كقوله { ومن أظلم ممن مَنَع مساجدَ الله أن يذكر فيها اسمه } [ البقرة : 114 ] أي : لا أظلم منه ، أي لا أحَد أظلم منه لأنه ظلَم نفسه بحرمانها من التأمل فيما فيه نفعه ، وظلَم الآيات بتعطيل نفعها في بعضضِ مَن أريد انتفاعهم بها ، وظَلَم الرسول عليه الصلاة والسلام بتكذيبه والإعراض عنه ، وظَلَم حق ربه إذ لم يمتثل ما أراد منه .وجملة { إنا من المجرمين منتقمون } مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن تفظيع ظلم الذي ذُكِّر بآيات ربِّه فأعرض عنها لأن السامع يترقب جزاء ذلك الظالم . والمراد بالمجرمين هؤلاء الظالمون ، عدل عن ذكر ضميرهم لزيادة تسجيل فظاعة حالهم بأنهم مجرمون مَع أنهم ظالمون ، وقد يقال : إن المجرمين أعم من الظالمين فيكون دخولهم في الانتقام من المجرمين أحروِيّاً وتصير جملة { إنا من المجرمين منتقمون } تذييلاً .

الترجمة الإنجليزية

Walaqad atayna moosa alkitaba fala takun fee miryatin min liqaihi wajaAAalnahu hudan libanee israeela

وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23)لما جرى ذكر إعراض المشركين عن آيات الله وهي آيات القرآن في قوله { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها } [ السجدة : 22 ] ، استطرد إلى تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بأن ما لقي من قومه هو نظير ما لقيه موسى من قوم فرعون الذين أرسل إليهم فالخبر مستعمل في التسلية بالتنظير والتمثيل . فهذه الجملة وما بعدها إلى قوله { فيما كانوا فيه يختلفون } [ السجدة : 25 ] معترضات . وموقع التأكيد بلام القسم وحرف التحقيق هو ما استعمل فيه الخبر من التسلية لا لأصل الأخبار لأنه أمر لا يحتاج إلى التأكيد ، وبه تظهر رشاقة الاعتراض بتفريع { فلا تكن في مرية من لقائه } على الخبر الذي قبله .وأريد بقوله { ءاتينا موسى الكتاب } أرسلنا موسى ، فذِكر إيتائه الكتاب كناية عن إرساله ، وإدماج ذكر { الكتاب } للتنويه بشأن موسى وليس داخلاً في تنظير حال الرسول صلى الله عليه وسلم بحال موسى عليه السلام في تكذيب قومه إياه لأن موسى لم يكذبه قومه ألا ترى إلى قوله تعالى : { وجعلناه هدى لبني إسرائيل } الآيات ، وليتأتى من وفرة المعاني في هذه الآية ما لا يتأتى بدون ذِكر { الكتاب .وجملة فلا تكن في مرية من لقائه } معترضة وهو اعتراض بالفاء ، ومثله وارد كثيراً في الكلام كما تقدم عند قوله تعالى : { إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما } الآية في سورة النساء ( 135 ) . ويأتي عند قوله تعالى : { هذا فليذوقوه حميمٌ وغساق } في سورة ص ( 57 ) .والمرية : الشك والتردد . وحرف الظرفية مجاز في شدة الملابسة ، أي لا يكن الشك محيطاً بك ومتمكناً منك ، أي لا تكن ممترياً في أنك مثله سينالك ما نالَه من قومه .والخطاب يجوز أن يكون للنبيء ، فالنهي مستعمل في طلب الدوام على انتفاء الشك فهو نهي مقصود منه التثبيت كقوله { فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء } [ هود : 109 ] ، وليس لطلب إحداث انكفاف عن المرية لأنها لم تقع من قبل .واللقاء : اسم مصدر لَقِيَ وهو الغالب في الاستعمال دون لِقى الذي هو المصدر القياسي . واللقاء : مصادفة فاعل هذا الفعل مفعولَه ، ويطلق مجازاً على الإصابة كما يقال : لقيت عناء ، ولقيت عَرق القِربة ، وهو هنا مجاز ، أي لا تكن في مرية في أن يصيبك ما أصابه ، وضمير الغائب عائد إلى موسى . واللقاء مصدر مضاف إلى فاعله ، أي مما لقي موسى من قوم فرعون من تكذيب ، أي من مثل ما لقي موسى ، وهذا المضاف يدل عليه المقام أو يكون جارياً على التشبيه البليغ كقوله : هو البدر ، أي : من لقاء كلقائه ، فيكون هذا في معنى آيات كثيرة في هذا المعنى وردت في القرآن كقوله تعالى : { ولقد استُهْزِىء برُسُل من قبلك } [ الأنعام : 10 ] { فصبَروا على ما كُذّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا }[ الأنعام : 34 ] ، وقوله : { وإن كادوا لَيَسْتَفِزُّونك من الأرض لِيُخرِجُوك منها وإذاً لا يلبثون خَلْفَك إلا قليلاً سُنَّةَ من قد أرسلنا من قبلك من رُسُلِنا } [ الإسراء : 76 ، 77 ] . هذا أحسن تفسير للآية وقريب منه مأثور عن الحسن .ويجوز أن يكون ضمير { لقائه } عائداً إلى موسى على معنى : من مثل ما لقي موسى من إرساله وهو أن كانت عاقبة النصر له على قوم فرعون ، وحصول الاهتداء بالكتاب الذي أوتيه ، وتأييده باهتداء بني إسرائيل ، فيكون هذا المعنى بشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله سيظهر هذا الدين . ويجوز أن يكون ضمير { لقائه } عائداً إلى الكتاب كما في «الكشاف» لكن على أن يكون المعنى : فلا تكن في شك من لقاء الكتاب ، أي من أن تلقى من إيتائك الكتاب ما هو شنشنة تلقِّي الكتب الإلهية كما تلقاها موسى . فالنهي مستعمل في التحذير ممن ظن أن لا يلحقه في إيتاء الكتاب من المشقة ما لقيه الرسل من قبله ، أي من جانب أذى قومه وإعراضهم . ويجوز أن يكون الخطاب في قوله { فلا تكن } لغير معين وهو موجه للذين امتروا في أن القرآن أنزل من عند الله سواء كانوا المشركين أو الذين يلقنونهم من أهل الكتاب ، أي لا تمتروا في إنزال القرآن على بشر فقد أنزل الكتاب على موسى فلا تكونوا في مرية من إنزال القرآن على محمد . وهذا كقوله تعالى : { إذ قالوا ما أنزل الله على بشر مِن شيء قل مَن أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس } [ الأنعام : 91 ] . فالنهي مستعمل في حقيقته من طلب الكف عن المرية في إنزال القرآن . وللمفسرين احتمالات أخرى كثيرة لا تسفر عن معنى بيِّن ، ومن أبعدها حمل اللقاء على حقيقته وعود ضمير الغائب لموسى وأن المراد لقاؤه ليلة الإسراء وعَده الله به وحقَّقه له في هذه الآية قبل وقوعه . قال ابن عطية : وقال المبرد حين امتحن أبا إسحاق الزجاج بهذه المسألةوضمير النصب في { وجعلناه هدى } يجوز أن يعود على الكتاب أو على موسى وكلاهما سبب هدى ، فوصف بأنه هدى للمبالغة في حصول الاهتداء به وهو معطوف على { ءاتينا موسى الكتاب } وما بينهما اعتراض . وهذا تعريض بالمشركين إذ لم يشكروا نعمة الله على أن أرسل إليهم محمد بالقرآن ليهتدوا فأعرضوا وكانوا أحق بأن يحرصوا على الاهتداء بالقرآن وبهدي محمد صلى الله عليه وسلم

الترجمة الإنجليزية

WajaAAalna minhum aimmatan yahdoona biamrina lamma sabaroo wakanoo biayatina yooqinoona

وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)أشير إلى ما مَنّ الله به على بني إسرائيل إذ جعل منهم أيمة يهدون بأمر الله والأمر يشمل الوحي بالشريعة لأنه أمر بها ، ويشمل الانتصاب للإرشاد فإن الله أمر العلماء أن يبينوا الكتاب ويرشدوا إليه فإذا هدوا فإنما هدوا بأمره وبالعلم الذي آتاهم به أنبياؤهم وأحبارهم فأنعم الله عليهم بذلك لما صبروا وأيقنوا لما جاءهم من كتاب الله ومعجزات رسولهم فإن كان المراد من قوله { بآياتنا يُوقِنُونَ } دلائل صدق موسى عليه السلام ، فالمعنى : أنهم صبروا على مشاق التكليف والخروج بهم من أرض مصر وما لقوه من فرعون وقومه من العذاب والاضطهاد وتيههم في البرية أربعين سنة وتدبروا في الآيات ونظروا حتى أيقنوا .وإن كان المراد من الآيات ما في التوراة من الشرائع والمواعظ فإطلاق اسم الآيات عليها مشاكلة تقديرية لما هو شائع بين المسلمين من تسمية جمل القرآن آيات لأنها مُعجزة في بلاغتها خارجة عن طوق تعبير البشر . فكانت دلالات على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وهذا نحو ما وقع في حديث رجم اليهوديين من قول الراوي : فوضع اليهودي يده على آية الرجم ، أي الكلام الذي فيه حكم الرجم في التوراة فسماه الراوي آية مشاكلة لكلام القرآن . وفي هذا تعريض بالبشارة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم يكونون أيمة لدين الإسلام وهداة للمسلمين إذ صبروا على ما لحقهم في ذات الله من أذى قومهم وصبروا على مشاق التكليف ومعاداة أهلهم وقومهم وظلمهم إياهم . وتقديم { بآياتنا } على { يوقنون } للاهتمام بالآيات .وقرأ الجمهور { لَمَّا صَبَروا } بتشديد الميم وهي { لمّا التي هي حرف وجود لوجود وتسمى التوقيتية ، أي : جعلناهم أيمة حين صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون . وقرأ حمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب بتخفيف الميم على أنها مركبة من لام التعليل و ( ما ) المصدرية ، أي جعلناهم أيمة لأجل صبرهم وإيقانهم .

الترجمة الإنجليزية

Inna rabbaka huwa yafsilu baynahum yawma alqiyamati feema kanoo feehi yakhtalifoona

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25)استئناف بياني لأن قوله تعالى { وجعلنا منهم أيمة يَهْدُون بأمْرنا } [ السجدة : 24 ] يثير سؤالاً في نفس السامع من المؤمنين الذين سمعوا ما في القرآن من وصف اختلاف بني إسرائيل وانحرافهم عن دينهم وشاهَد كثير منهم بني إسرائيل في زمانه غير متحلّين بما يناسب ما قامت به أيمتهم من الهداية فيودّ أن يعلم سبب ذلك فكان في هذه الآية جواب ذلك تعليماً للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين .والخطاب للنبيء والمراد أمتُه تحذيراً من ذلك وإيماءً إلى وجوب تجنب الاختلاف الذي لا يدعو إليه داع في مصلحة الأمة وفهم الدين .والفصل : القضاء والحكم ، وهو يقتضي أن اختلافهم أوقعهم في إبطال ما جاءهم من الهدى فهو اختلاف غير مستند إلى أدلة ولا جارٍ في مهيع أصل الشريعة؛ ولكنه متابعة للهوى وميل لأعراض الدنيا كما وصفه القرآن في آيات كثيرة في سورة البقرة وغيرها كقوله تعالى : { ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم } [ آل عمران : 105 ] .وليس منه اختلاف أيمة الدين في تفاريع الأحكام وفي فهم الدين مما لا ينقض أصوله ولا يخالف نصوصه وإنما هو إعمال لأصوله ولأدلته في الأحوال المناسبة لها وحمل متعارضها بعضه على بعض فإن ذلك كله محمود غير مذموم؛ وقد اختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حياته فلم يعنّف أحداً ، واختلفوا بعد وفاته فلم يعنّف بعضهم بعضاً . ويشمل ما كانوا فيه يختلفون ما كان اختلافاً بين المهتدين والضالين منهم وما كان اتفاقاً من جميع أمتهم على الضلالة فإن ذلك خلاف بين المجمعين وبين ما نطقت به شريعتهم وسَنَّته أنبياؤهم ، ومن أعظم ذلك الاختلاف كتمانهم الشهادة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وجحدهم ما أخذ عليهم من الميثاق من أنبيائهم .وضمير { هو } في قوله { هو يفصل } ضمير فصل لقصر الفصل عليه تعالى إيماء إلى أن ما يذكر في القرآن من بيان بعض ما اختلفوا فيه على أنبيائهم ليس مطموعاً منه أن يرتدعوا عن اختلافهم وإنما هو للتسجيل عليهم وقطع معذرتهم لأنهم لا يقبلون الحجة فلا يفصل بينهم إلا يوم القيامة .

الترجمة الإنجليزية

Awalam yahdi lahum kam ahlakna min qablihim mina alqurooni yamshoona fee masakinihim inna fee thalika laayatin afala yasmaAAoona

أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26)عطف على جملة { ومَن أظلم ممّن ذُكِّر بآيات ربه ثم أعرض عنها } [ السجدة : 22 ] ، ولما كان ذلك التذكير متصلاً كقوله { وقالوا أإذا ضَللنا إنّا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون } [ السجدة : 10 ] كان الهدي ، أي العلم المستفهم عنه بهذا الاستفهام شاملاً للهدي إلى دليل البعث وإلى دليل العقاب على الإعراض عن التذكير فأفاد قوله { كم أهلكنا من قبلهم من القرون } معنين : أحدهما : إهلاك أمم كانوا قبلهم فجاء هؤلاء المشركون بعدهم ، وذلك تمثيل للبعث وتقريب لإمكانه . وثانيهما : إهلاك أمم كذبوا رسلهم ففيهم عبرة لهم أن يصيبهم مثل ما أصابهم .والاستفهام إنكاري ، أي هم لم يهتدوا بدلائل النظر والاستدلال التي جاءهم بها القرآن فأعرضوا عنها ولا اتعظوا بمصَارع الأمم الذين كذبوا أنبياءهم وفي مهلكهم آيات تزجر أمثالهم عن السلوك فيما سلكوه . فضمير { لهم } عائد إلى المجرمين أو إلى من ذُكِّر بآيات ربه . و { يَهْدِ } من الهداية وهي الدلالة والإرشاد ، يقال : هداه إلى كذا .وضمن فعل { يَهْدِ } معنى يبيّن ، فعدي باللام فأفاد هداية واضحة بينة . وقد تقدم نظيره في قوله تعالى { أو لم يَهْدِ للذين يرثون الأرض } في سورة [ الأعراف : 100 ] . واختير فعل الهداية في هذه الآية لإرادة الدلالة الجامعة للمشاهدة ولسماع أخبار تلك الأمم تمهيداً لقوله في آخرها { أفلا يسمعون } ، ولأن كثرة ذلك المستفادة من { كَم } الخبرية إنما تحصل بترتيب الاستدلال في تواتر الأخبار ولا تحصل دفعة كما تحصل دلالة المشاهدات .وفاعل { يَهْدِ } ما دلت عليه { كم } الخبرية من معنى الكثرة . ولا يجوز عند الجمهور جعل كم فاعل يَهْدِ } لأن { كم } الخبرية اسم له الصدارة في الاستعمال إذ أصله استفهام فتوسع فيه .ويجوز جعل كم فاعلاً عند من لم يشترطوا أن تكون كم الخبرية في صدر الكلام . وجوز في الكشاف } أن يكون الفاعل جملة { كم أهلكنا } على معنى الحكاية لهذا القول ، كما يقال : تَعصمُ ( لا إله إلا الله ) الدماءَ والأموالَ ، أي هذه الكلمة أي النطق بها لتقلد الإسلام . ويجوز أن يكون الفاعل ضمير الجلالة دالاً عليه المقام ، أي ألم يهدِ الله لهم فإن الله بَين لهم ذلك وذكّرهم بمصَارع المكذبين ، وتكون جملة { كم أهلكنا } على هذا استئنافاً ، وتقدم { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } في أول الأنعام ( 6 ) .ونيط الاستدلال هنا بالكثرة التي أفادتها كم الخبرية لأن تكرر حدوث القرون وزوالها أقوى دلالة من مشاهدة آثار أمة واحدة .{ ويمشون في مساكنهم } حال من فاعل { أو لم يروا } [ السجدة : 27 ] والمعنى : أنهم يمرون على المواضع التي فيها بقايا مساكنهم مثل حِجر ثمود وديار مدين فتعضد مشاهدةُ مساكنهم الأخبار الواردة عن استئصالهم وهي دلائل إمكان البعث كما قال تعالى : { وما نحن بِمَسْبُوقِين على أن نبدل أمثالكم ونُنْشِئَكم فيما لا تعلمون } [ الواقعة : 60 ، 61 ] ، ودلائل ما يحيق بالمكذبين للرسل؛ وفي كل أمة وموطن دلائل كثيرة متماثلة أو متخالفة .ولما كان الذي يؤثر من أخبار تلك الأمم وتقلبات أحوالها وزوال قوتها ورفاهيتها أشدّ دلالة وموعظة للمشركين فرع عليه { أفلا يسمعون } استفهاماً تقريرياً مشوباً بتوبيخ لأن اجتلاب المضارع وهو { يسمعون } مؤذن بأن استماع أخبار تلك الأمم متكرر متجدد فيكون التوبيخ على الإقرار المستفهَم عنه أوقعَ بخلاف ما بعده من قوله { أفلا يبصرون } [ السجدة : 27 ] . وقد شاع توجيه الاستفهام التقريري إلى المنفي ، وتقدم عند قوله تعالى { ألم يأتكم رسل منكم } في سورة الأنعام ( 130 ) ، وقوله : { ألم يروا أنه لا يكلمهم } في سورة الأعراف ( 148 ) .

الترجمة الإنجليزية

Awalam yaraw anna nasooqu almaa ila alardi aljuruzi fanukhriju bihi zarAAan takulu minhu anAAamuhum waanfusuhum afala yubsiroona

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27)( أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون [ 27 ] ) عطف على ( أو لم يهد لهم ) . ونيط الاستدلال هنا بالرؤية لأن إحياء الأرض بعد موتها ثم إخراج النبت منها دلالة مشاهدة . واختير المضارع في قوله ( نسوق ) لاستحضار الصورة العجيبة الدالة على القدرة الباهرةوالسوق : إزجاء الماشي من ورائهوالماء : ماء المزن وسوقه إلى الأرض هو سوق السحاب الحاملة إياه بالرياح التي تنقل السحاب من جو إلى جو ؛ فشبهت هيئة الرياح والسحاب بهيئة السائق للدابة . والتعريف في ( الأرض ) تعريف الجنسوالجرز : اسم للأرض التي انقطع نبتها وهو مشتق من الجرز وهو : انقطاع النبت والحشيش إما بسبب يبس الأرض أو بالرعي والجرز : القطع . وسمي السيف القاطع جرازا قال الراجز يصف أسنان ناقة :تنحي على الشوك جرازا مقضبا ... والهرم تذريه إذدراء عجبافالأرض الجرز : التي انقطع نبتها . ولا يقال للأرض التي لا تنبت كالسباخ جرز . والزرع : ما نبت بسبب بذر حبوبه في الأرض كالشعير والبر والفصفصة وأكل الأنعام غالبه من الكلأ لا من الزرع فذكر الزرع بلفظه ثم ذكر أكل الأنعام يدل على تقدير : وكلأ . ففي الكلام اكتفاء . والتقدير : ونخرج به زرعا وكلأ تأكل منه أنعامهم وأنفسهم . والمقصود : الاستدلال على البعث وتقريبه وإمكانه بإخراج النبت من الأرض بعد أن زال ؛ فوجه الأول . وأدمج في هذا الاستدلال امتنان بقوله ( تأكل منه أنعامهم وأنفسهم )ثم فرع عليه استفهام تقريري بجملة ( أفلا يبصرون ) . وتقدم بيان مثله آنفا في قوله ( أفلا يسمعون ) . ونيط الحكم بالإبصار هنا دلالة إحياء الأرض بعد موتها دلالة مشاهدة

الترجمة الإنجليزية

Wayaqooloona mata hatha alfathu in kuntum sadiqeena

وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) يجوز أن يكون عطفاً على جملة { ثم أعرض عنها } [ السجدة : 22 ] ، أي : أعرضوا عن سماع الآيات والتدبر فيها وتجاوزوا ذلك إلى التكذيب والتهكم بها . ومناسبة ذكر ذلك هنا أنه وقع عقب الإشارة إلى دليل وقوع البعث وهو يوم الفصل . ويجوز أن يعطف على جملة { وقالوا أإذا ضَلَلْنا في الأرض إنّا لفي خلق جديد } [ السجدة : 10 ] .والمعنى : أنهم كذبوا بالبعث وما معه من الوعيد في الآخرة وكذّبوا بوعيد عذاب الدنيا الذي منه قوله تعالى : { ولنُذِيقَنَّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر } [ السجدة : 21 ] .و { الفتح : النصر والقضاء . والمراد به : نصر أهل الإيمان بظهور فوزهم وخيبة أعدائهم فإن خيبة العدوّ نصر لضِده وكان المسلمون يتحدّون المشركين بأن الله سيفتح بينهم وينصرهم وتظهر حجتهم ، فكان الكافرون يكررون التهكم بالمسلمين بالسؤال عن وقت هذا الفتح استفهاماً مستعملاً في التكذيب حيث لم يحصل المستفهم عنه . وحكاية قولهم بصيغة المضارع لإفادة التعجيب منه كقوله تعالى : { يجادلنا في قوم لوط } [ هود : 74 ] مع إفادة تكرر ذلك منهم واتخاذهم إياه . والمعنى : إن كنتم صادقين في أنه واقع فبينوا لنا وقته فإنكم إذ علمتم به دون غيركم فلتعلموا وقته . وهذا من السفسطة الباطلة لأن العلم بالشيء إجمالاً لا يقتضي العلم بتفصيل أحواله حتى ينسب الذي لا يعلم تفصيله إلى الكذب في إجماله .واسم الإشارة في { هذا الفتح } مع إمكان الاستغناء عنه بذكر مبينهِ مقصود منه التحقير وقلة الاكتراث به كما في قول قيس بن الخطيم :متى يأت هذا الموتُ لا يلف حاجة ... لنفسي إلا قَدْ قضيت قضاءها

الترجمة الإنجليزية

Qul yawma alfathi la yanfaAAu allatheena kafaroo eemanuhum wala hum yuntharoona

قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) إنباء بقلة اكتراثه بالموت ومنه قوله تعالى حكاية عنهم : { أهذا الذي يذكر ءالهتكم } [ الأنبياء : 36 ] فأمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يجيبهم على طريقة الأسلوب الحكيم بأن يومَ الفتح الحق هو يوم القيامة وهو يوم الفصل وحينئذ ينقطع أملَ الكفار في النجاة والاستفادة من الندامة والتوبة ولا يجدون إنظاراً لتدارك ما فاتهم ، أي إفادتُهم هذه الموعظة خير لهم من تطلبهم معرفة وقت حلول يوم الفتح لأنهم يقولون يومئذ { ربنا أبصَرْنا وسمِعْنا فارجعنا نعملْ صالحاً إنّا موقنون } [ السجدة : 12 ] مع ما في هذا الجواب من الإيماء إلى أن زمن حلوله غير معلوم للناس وأنه مما استأثر الله به فعلى من يحتاط لنجاة نفسه أن يعمل له من الآن فإنه لا يدري متى يحلّ به { لا ينفعُ نفساً إيمانُها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً } [ الأنعام : 158 ] . ففي هذا الجواب سلوك الأسلوب الحكيم من وجهين : من وجه العدول عن تعيين يوم الفتح ، ومن وجه العدول بهم إلى يوم الفتح الحق ، وهم إنما أرادوا بالفتح نصر المسلمين عليهم في الحياة الدنيا .وإظهار وصف { الذين كفروا في مقام الإضمار مع أنهم هم القائلون متى هذا الفتح } لقصد التسجيل عليهم بأن كفرهم هو سبب خيبتهم .

الترجمة الإنجليزية

FaaAArid AAanhum waintathir innahum muntathiroona

فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)ثم فرع على جميع هذه المجادلات والدلالات توجيه الله خطابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يعرض عن هؤلاء القائلين المكذبين وأن لا يزيد في الإلحاح عليهم تأييساً من إيمان المجادلين منهم المتصدّين للتمويه على دهمائهم . وهذا إعراض متاركة عن الجدال وقتياً لا إعراض مستمر ، ولا عن الدعوة إلى الله ولا علاقة له بأحكام الجهاد المشروع في غير هذه الآية .والانتظار : الترقب . وأصله مشتق من النظر فكأنه مطاوع : أنظره ، أي أراه فانتظر ، أي : تكلف أن ينظُر . وحذف مفعول { انتظر } للتهويل ، أي : انتظر أياماً يكون لك فيها النصر ، ويكون لهم فيها الخسران مثل سني الجوع إنْ كان حصلت بعد نزول هذه السورة ، ومثل يوم بدر ويوم فتح مكة وهما بعد نزول هذه السورة لا محالة ، ففي الأمر بالانتظار تعريض بالبشارة للمؤمنين بالنظر ، وتعريض بالوعيد للمشركين بالعذاب في الدارين .وجملة { إنهم منتظرون } تعليل لما تضمنه الأمر بالانتظار من إضمار العذاب لهم . ومفعول { منتظرون } محذوف دل عليه السياق ، أي منتظرون لكم الفرصة لحربكم أو لإخراجكم قال تعالى : { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } [ الطور : 30 ] وقال : { ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء } [ التوبة : 98 ] أي لم نكن ظالمين في تقدير العذاب لهم لأنهم بدأوا بالظلم .
417