سورة الشعراء: الآية 101 - ولا صديق حميم...

تفسير الآية 101, سورة الشعراء

وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ

الترجمة الإنجليزية

Wala sadeeqin hameemin

تفسير الآية 101

فلا أحدَ يشفع لنا، ويخلِّصنا من العذاب، ولا مَن يَصْدُق في مودتنا ويشفق علينا.

«ولا صديق حميم» يهمه أمرنا.

وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ أي قريب مصاف ينفعنا بأدنى نفع كما جرت العادة بذلك في الدنيا فأيسوا من كل خير وأبلسوا بما كسبوا وتمنوا العودة إلى الدنيا ليعملوا صالحا

"ولا صديق حميم" أي قريب ; قال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحا نفع وأن الحميم إذا كان صالحا شفع.

وما لنا- أيضا- من صَدِيقٍ حَمِيمٍ أى: مخلص في صداقته، يدافع عنا عند ربنا، ويهتم بأمرنا في هذا الموقف العصيب.قال الآلوسى، والمراد التلهف والتأسف على فقد شفيع يشفع لهم مما هم فيه، أو صديق شفيق يهمه ذلك. وقد ترقوا لمزيد انحطاط حالهم في التأسف، حيث نفوا- أولا- أن يكون لهم من ينفعهم في تخليصهم من العذاب بشفاعته، ونفوا- ثانيا- أن يكون لهم من يهمه أمرهم ويشفق عليهم، ويتوجع لهم، أو يخلصهم..وفَلَوْ في قوله- تعالى- فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً ... للتمني الدال على كمال التحسر.والكرة: الرجعة إلى الدنيا مرة أخرى لتدارك ما فاتهم من الإيمان.أى: فيا ليت لنا عودة إلى الدنيا مرة أخرى، فنستدرك ما فاتنا من طاعة الله- تعالى-.فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الذين أزلفت الجنة لهم، وأبعدت عنهم النار التي نحن مخلدون فيها.ثم ختم- سبحانه- قصة إبراهيم بما ختم به قصة موسى- عليهما السلام- فقال:إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ...إن في ذلك الذي ذكرناه لك- أيها الرسول الكريم- عن حال إبراهيم مع قومه ومع أبيه، وعن أهوال يوم القيامة، إن ذلك كله لحجة وعظة لمن أراد أن يؤمن ويعتبر، ومع ذلك فإن أكثر قوم إبراهيم ما كانوا مؤمنين وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك جانبا من قصة نوح مع قومه، فقال- تعالى-:

( ولا صديق حميم ) أي : قريب يشفع لنا ، يقوله الكفار حين تشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون ، والصديق هو الصادق في المودة بشرط الدين . أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه ، حدثنا محمد بن الحسين اليقطيني ، أخبرنا أحمد بن عبد الله يزيد العقيلي ، حدثنا صفوان بن صالح ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا من سمع أبا الزبير يقول : أشهد لسمعت جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل صديقي فلان ، وصديقه في الجحيم ، فيقول الله تعالى : أخرجوا له صديقه إلى الجنة ، فيقول من بقي : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم "قال الحسن : استكثروا من الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعة يوم القيامة .

ولا صديق حميم أي صديق مشفق ; وكان علي رضي الله عنه يقول : عليكم بالإخوان فإنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة ; ألا تسمع إلى قول أهل النار : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم الزمخشري : وجمع الشافع لكثرة الشافعين ووحد الصديق لقلته ; ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم مضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته ; رحمة له وحسبة وإن لم تسبق له بأكثرهم معرفة ; وأما الصديق فهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما يهمك فأعز من بيض الأنوق ; وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال : اسم لا معنى له . ويجوز أن يريد بالصديق الجمع والحميم القريب والخاص ; ومنه حامة الرجل أي أقرباؤه . وأصل هذا من الحميم وهو الماء الحار ; ومنه الحمام والحمى ; فحامة الرجل الذين يحرقهم ما أحرقه ; يقال : وهم حزانته أي يحزنهم ما يحزنه . ويقال : حم الشيء وأحم : إذا قرب ، ومنه الحمى ; لأنها تقرب من الأجل . وقال علي بن عيسى : إنما سمي القريب حميما ; لأنه يحمى لغضب صاحبه ، فجعله مأخوذا من الحمية . وقال قتادة : يذهب الله عز وجل يوم القيامة مودة الصديق ورقة الحميم . ويجوز : ( ولا صديق حميم ) بالرفع على موضع من شافعين لأن ( من شافعين ) في موضع رفع . وجمع صديق أصدقاء وصدقاء وصداق . ولا يقال صدق للفرق بين النعت وغيره . وحكى الكوفيون : أنه يقال في جمعه صدقان . النحاس : وهذا بعيد ; لأن هذا جمع ما ليس بنعت نحو رغيف ورغفان . وحكوا أيضا صديق وأصادق . و " أفاعل " إنما هو جمع " أفعل " إذا لم يكن نعتا نحو أشجع وأشاجع . ويقال : صديق للواحد والجماعة وللمرأة ; قال الشاعر [ جرير ] :نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا بأعين أعداء وهن صديقويقال : فلان صديقي أي أخص أصدقائي ، وإنما يصغر على جهة المدح ; كقول حباب بن المنذر : ( أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب ) ذكره الجوهري . النحاس : وجمع " حميم " أحماء وأحمة وكرهوا أفعلاء للتضعيف .

( وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) من الأقارب.واختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بالشافعين, وبالصديق الحميم, فقال بعضهم: عني بالشافعين: الملائكة, وبالصديق الحميم: النسيب.* ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج ,عن ابن جُرَيج: ( فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ) قال: من الملائكة ( وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) قال: من الناس, قال مجاهد: صديق حميم, قال: شقيق.وقال آخرون: كل هؤلاء من بني آدم.* ذكر من قال ذلك:حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة, قال: ثنا إسحاق بن سعيد البصري المسمعي, عن أخيه يحيى بن سعيد المسمعي, قال: كان قَتادة إذا قرأ: ( فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) قال: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحا نفع, وأن الحميم إذا كان صالحا شفع.

وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) وأما قولهم : { ولا صديق حميم } فهو تتميم أثارهُ ما يلقونه من سوء المعاملة من كل من يمرون به أو يتصلون ، ومن الحرمان الذي يعاملهم كل من يسألونه الرفق بهم حتى علموا أن جميع الخلق تتبرأ منهم كما قال تعالى : { ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب } فإن الصديق هو الذي يواسيك أو يسليك أو يتوجع ويومئذ حقّت كلمة الله { الأخِلاّء يومئذ بعضهُم لبعض عدوّ إلا المتقين } [ الزخرف : 67 ] وتقدم الكلام على الصديق في قوله تعالى : { أو صديقكم } في سورة النور ( 61 ) .والحميم : القريب ، فعيل من حَمَّ ( بفتح الحاء ) إذا دنا وقرُب فهو أخص من الصديق .والمراد نفي جنس الشفيع وجنس الصديق لوقوع الاسمين في سياق النفي المؤكَّد ب { من } الزائدة ، وفي ذلك السياق يستوي المفرد والجمع في الدلالة على الجنس . وإنما خولف بين اسمي هذين الجنسين في حكاية كلامهم إذ جيء ب { شافعين } جمعاً ، وب { صديق } مفرداً ، لأنهم أرادوا بالشافعين الآلهة الباطلة وكانوا يعهدونهم عديدين فجرى على كلامهم ما هو مرتسم في تصورهم .وأما الصديق فإنه مفروض جنسُه دون عدد أفراده إذ لم يَعنُوا عدداً معيّناً فبقي على أصل نفي الجنس ، وعلى الأصل في الألفاظ إذْ لم يكن داع لغير الإفراد . والذي يبدو لي أنه أوثر جمع { شافعين } لأنه أنسب بصورة ما في أذهانهم كما تقدم . وأما إفراد { صديق } فلأنه أريد أن يُجرى عليه وصف { حميم } فلو جيء بالموصوف جمعاً لاقتضى جمع وصفه ، وجمعُ { حميم } فيه ثقل لا يناسب منتهى الفصاحة ولا يليق بصورة الفاصلة مع ما حصل في ذلك من التفنن الذي هو من مقاصد البلغاء .ثم فرعوا على هذا التحسر والندامة تمنِّي أن يعادوا إلى الدنيا ليتداركوا أمرهم في الإيمان بالله وحده .
الآية 101 - سورة الشعراء: (ولا صديق حميم...)