وجزاء سيئة المسيء عقوبته بسيئة مثلها من غير زيادة، فمن عفا عن المسيء، وترك عقابه، وأصلح الودَّ بينه وبين المعفو عنه ابتغاء وجه الله، فأَجْرُ عفوه ذلك على الله. إن الله لا يحب الظالمين الذين يبدؤون بالعدوان على الناس، ويسيئون إليهم.
«وجزاءُ سيئة سيئة مثلها» سميت الثانية سيئة لمشابهتها للأولى في الصورة، وهذا ظاهر فيما يقتص فيه من الجراحات، قال بعضهم: وإذا قال له أخزاك الله، فيجيبه أخزاك الله «فمن عفا» عن ظالمه «وأصلح» الود بينه وبين المعفو عنه «فأجره على الله» أي إن الله يأجره لا محالة «إنه لا يحب الظالمين» أي البادئين بالظلم فيترتب عليهم عقابه.
ذكر الله في هذه الآية، مراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل وفضل وظلم.فمرتبة العدل، جزاء السيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص، فالنفس بالنفس، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يضمن بمثله.ومرتبة الفضل: العفو والإصلاح عن المسيء، ولهذا قال: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ يجزيه أجرا عظيما، وثوابا كثيرا، وشرط الله في العفو الإصلاح فيه، ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق العفو عنه، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته، فإنه في هذه الحال لا يكون مأمورا به.وفي جعل أجر العافي على الله ما يهيج على العفو، وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه، فَلْيَعْفُ عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله، فليسامحهم، فإن الجزاء من جنس العمل.وأما مرتبة الظلم فقد ذكرها بقوله: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ الذين يجنون على غيرهم ابتداء، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته، فالزيادة ظلم.
قوله تعالى : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) كقوله تعالى : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) [ البقرة : 194 ] وكقوله ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) [ النحل : 129 ] فشرع العدل وهو القصاص ، وندب إلى الفضل وهو العفو ، كقوله [ تعالى ] ( والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ) [ المائدة : 45 ] ; ولهذا قال هاهنا : ( فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) أي : لا يضيع ذلك عند الله كما صح في الحديث : " وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا " وقوله : ( إنه لا يحب الظالمين ) أي : المعتدين ، وهو المبتدئ بالسيئة .[ وقال بعضهم : لما كانت الأقسام ثلاثة : ظالم لنفسه ، ومقتصد ، وسابق بالخيرات ، ذكر الأقسام الثلاثة في هذه الآية فذكر المقتصد وهو الذي يفيض بقدر حقه لقوله : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) ، ثم ذكر السابق بقوله : ( فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) ثم ذكر الظالم بقوله : ( إنه لا يحب الظالمين ) فأمر بالعدل ، وندب إلى الفضل ، ونهى من الظلم ] .
وقوله- تعالى-: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها.. بيان لوجوب عدم تجاوز الحد عند دفع الظلم.أى: أن الله- تعالى- يأمركم أنكم إذا أردتم الانتصار من الباغي فعليكم أن تقابلوا بغيه وظلمه وعدوانه بمثله بدون زيادة منكم على ذلك، كما قال- تعالى- في آية أخرى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ.قال الشوكانى: «ذكر- سبحانه- المغفرة عند الغضب في معرض المدح فقال: «وإذا ما غضبوا هم يغفرون» كما ذكر الانتصار على الباغي في معرض المدح- أيضا- لأن التذلل لمن بغى، ليس من صفات من جعل الله له العزة، حيث قال- سبحانه- وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ. فالانتصار عند البغي فضيلة، كما أن العفو عند الغضب فضيلة.قال النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم السفهاء.ولكن هذا الانتصار مشروط بالاقتصار على ما جعله الله- تعالى- له، وعدم مجاوزته، كما بينه- سبحانه- عقب ذلك بقوله: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فبين- سبحانه- أن العدل في الانتصار، هو الاقتصار على المساواة..» .ثم بين- سبحانه- ما هو أسمى من مقابلة السيئة بمثلها فقال: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ.أى: فمن عفا عمن أساء إليه، وأصلح فيما بينه وبين غيره فأجره كائن على الله- تعالى- وحده، وسيعطيه- سبحانه- من الثواب مالا يعلمه إلا هو- عز وجل-.إنه- تعالى- لا يحب الظالمين بأى لون من ألوان الظلم.وفي الحديث القدسي: «يا عبادي إنى حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» .
ثم ذكر الله الانتصار فقال : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) [ سمى الجزاء سيئة ] وإن لم تكن سيئة لتشابههما في الصورة . قال مقاتل : يعني القصاص في الجراحات والدماء .قال مجاهد والسدي : هو جواب القبيح ، إذا قال : أخزاك الله تقول : أخزاك الله ، وإذا شتمك فاشتمه بمثلها من غير أن تعتدي .قال سفيان بن عيينة : قلت لسفيان الثوري ما قوله عز وجل : " وجزاء سيئة سيئة مثلها " ؟ قال : أن يشتمك رجل فتشتمه ، وأن يفعل بك فتفعل به ، فلم أجد عنده شيئا . فسألت هشام بن حجيرة عن هذه الآية ؟ فقال : الجارح إذا جرح يقتص منه ، وليس هو أن يشتمك فتشتمه .ثم ذكر العفو فقال : ( فمن عفا ) عمن ظلمه ، ( وأصلح ) بالعفو بينه وبين ظالمه ، ( فأجره على الله ) قال الحسن : إذا كان يوم القيامة نادى مناد : من كان له على الله أجر فليقم . فلا يقوم إلا من عفا ، ثم قرأ هذه الآية . ( إنه لا يحب الظالمين ) قال ابن عباس : الذين يبدءون بالظلم .
قوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها قال العلماء : جعل الله المؤمنين صنفين ، صنف يعفون عن الظالم فبدأ بذكرهم في قوله وإذا ما غضبوا هم يغفرون . وصنف ينتصرون من ظالمهم . ثم بين حد الانتصار بقوله : وجزاء سيئة سيئة مثلها فينتصر ممن ظلمه من غير أن يعتدي . قال مقاتل وهشام بن حجير : هذا في المجروح ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره من سب أو شتم . وقاله الشافعي وأبو حنيفة وسفيان . قال سفيان : وكان ابن شبرمة يقول : ليس بمكة مثل هشام . وتأول الشافعي في هذه الآية أن للإنسان أن يأخذ من مال من خانه مثل ما خانه من غير علمه ، واستشهد في ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند زوج أبي سفيان : خذي من ماله ما يكفيك وولدك فأجاز لها أخذ ذلك بغير إذنه . وقد مضى الكلام في هذا مستوفى في ( البقرة ) وقال ابن أبي نجيح : إنه محمول على المقابلة في الجراح . وإذا قال : أخزاه الله أو لعنه الله أن يقول مثله . ولا يقابل القذف بقذف ولا الكذب بكذب . وقال السدي : إنما مدح الله من انتصر ممن بغى عليه من غير اعتداء بالزيادة على مقدار ما فعل به ، يعني كما كانت العرب تفعله . وسمي الجزاء سيئة لأنه في مقابلتها ، فالأول ساء هذا في مال أو بدن ، وهذا الاقتصاص يسوءه بمثل ذلك أيضا ، وقد مضى هذا كله في ( البقرة ) مستوفى .قوله تعالى : فمن عفا وأصلح قال ابن عباس : من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو فأجره على الله أي إن الله يأجره على ذلك . قال مقاتل : فكان العفو من الأعمال الصالحة وقد مضى في ( آل عمران ) في هذا ما فيه كفاية ، والحمد لله . وذكر أبو نعيم الحافظ عن علي بن الحسين - رضي الله عنهم - قال : إذا كان يوم القيامة نادى مناد أيكم أهل الفضل ؟ فيقوم ناس من الناس ، فيقال : انطلقوا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة ، فيقولون إلى أين ؟ فيقولون إلى الجنة ، قالوا قبل الحساب ؟ قالوا نعم قالوا من أنتم ؟ قالوا أهل الفضل ، قالوا وما كان فضلكم ؟ قالوا كنا إذا جهل علينا حلمنا وإذا ظلمنا صبرنا وإذا سيء إلينا عفونا ، قالوا ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين . وذكر الحديث . إنه لا يحب الظالمين أي من بدأ بالظلم ، قاله سعيد بن جبير . وقيل : لا يحب من يتعدى في الاقتصاص ويجاوز الحد ، قاله ابن عيسى .
وقوله: ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) وقد بينا فيما مضى معنى ذلك, وأن معناه: وجزاء سيئة المسيء عقوبته بما أوجبه الله عليه, فهي وإن كانت عقوبة من الله أوجبها عليه, فهي مساءة له. والسيئة: إنما هي الفعلة من السوء, وذلك نظير قول الله عز وجل وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وقد قيل: إن معنى ذلك: أن يجاب القائل الكلمة القزعة بمثلها.* ذكر من قال ذلك:حدثني يعقوب, قال: قال لي أبو بشر: سمعت. ابن أبي نجيح يقول في قوله: ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) قال: يقول أخزاه الله, فيقول: أخزاه الله.حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) قال: إذا شتمك بشتمة فاشمته مثلها من غير أن تعتدي.وكان ابن زيد يقول في ذلك بما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) من المشركين ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ )... الآية, ليس أمركم أن تعفوا عنهم لأنه أحبهم وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ , ثم نسخ هذا كله وأمره بالجهاد.فعلى قول ابن زيد هذا تأويل الكلام: وجزاء سيئة من المشركين إليك, سيئة مثلها منكم إليهم, وإن عفوتم وأصلحتم في العفو, فأجركم في عفوكم عنهم إلى الله, إنه لا يحب الكافرين; وهذا على قوله كقول الله عز وجل فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وللذي قال من ذلك وجه. غير أن الصواب عندنا: أن تحمل الآية على الظاهر ما لم ينقله إلى الباطن ما يجب التسليم لها, ولم يثبت حجة في قوله: ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) أنه مراد به المشركون دون المسلمين, ولا بأن هذه الآية منسوخة, فنسلم لها بأن ذلك كذلك.وقوله: ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) يقول جل ثناؤه: فمن عفا عمن أساء إليه إساءته إليه, فغفرها له, ولم يعاقبه بها, وهو على عقوبته عليها قادر ابتغاء وجه الله, فأجر عفوه ذلك على الله, والله مثيبه عليه ثوابه.( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) يقول: إن الله لا يحب أهل الظلم الذين يتعدّون على الناس, فيسيئون إليهم بغير ما أذن الله لهم فيه.
وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)هذه جمل ثلاث مُعترضة الواحدة تلو الأخرى بين جملة { والذين إذا أصابهم البغي } [ الشورى : 39 ] الخ وجملة { ولَمَن انتصر بعد ظلمه } [ الشورى : 41 ] . وفائدة هذا الاعتراض تحديد الانتصار والترغيب في العفو ثم ذم الظلم والاعتداء ، وهذا انتقال من الإذن في الانتصار من أعداء الدين إلى تحديد إجرائه بين الأمة بقرينة تفريع فمن عفا وأصلح } على جملة { وجزاء سيئة سيئة مثلها } إذ سمى ترك الانتصار عفواً وإصلاحاً ولا عفو ولا إصلاح مع أهل الشرك .وبقرينة الوعد بأجر من الله على ذلك العفو ولا يكون على الإصلاح مع أهل الشرك أجر .و { سيئة } صفة لمحذوف ، أي فعلة تسوء من عومل بها . ووزن { سيئة } فَيْعِلة مبالغة في الوصف مِثل : هيّنة ، فعينها ياء ولامها همزة ، لأنها من ساء ، فلما صيغ منها وزن فَيْعِلَة التقت يَاءَاننِ فأدغمَتا ، أي أن المُجازيء يجازيء من فَعَل معه فَعلةً تسوءه بفعلة سيئة مثل فعلتِه في السوء ، وليس المراد بالسيئة هنا المعصية التي لا يرضاها الله ، فلا إشكال في إطلاق السيئة على الأذَى الذي يُلحق بالظالم .ومعنى { مثلها } أنها تكون بمقدارها في متعارف الناس ، فقد تكون المماثلة في الغرض والصورة وهي المماثلة التامة وتلك حقيقةُ المماثلة مثل القصاص من القاتل ظلماً بمثل ما قَتَل به ، ومن المعتدي بجراح عمد ، وقد تتعذر المماثلة التامة فيصار إلى المشابهة في الغرض ، أي مقدار الضرّ وتلك هي المقاربة مثل تعذر المشابهة التامة في جزاء الحروب مع عدوّ الدين إذ قد يلحق الضر بأشخاص لم يصيبوا أحداً بضرّ ويَسْلَمُ أشخاص أصابوا الناس بضرّ ، فالمماثلة في الحَرب هي انتقام جماعة من جماعة بمقدار ما يُشفي نفوس الغالبين حسبما اصطلح عليه الناس .ومن ذلك أيضاً إتلاف بعض الحواس بسبب ضرب على الرأس أو على العين فيصار إلى الدية إذ لا تضبط إصابة حاسّة الباغي بمثل ما أصاب به حاسّة المعتدَى عليه . وكذلك إعطاء قيم المتلفات من المقوَّمات إذ يتعسر أن يكلف الجاني بإعطاء مثل ما أتلفه .ومن مشاكل المماثلة في العقوبة مسألة الجماعة يتمالؤون على قتل أحد عمداً ، أو على قطع بعض أعضائه؛ فإن اقتص من واحد منهم كان ذلك إفلاتاً لبقية الجناة من عقوبة جرمهم ، وإن اقتص من كل واحد منهم كان ذلك زيادة في العقوبة لأنهم إنما جنَوا على واحد .فمن العلماء من لم يعتدَّ بتلك الزيادة ونظَرَ إلى أن كل واحد منهم جنى على المجني عليه فاستحق الجزاء بمثل ما ألحقه بالمجنّي عليه ، وجَعَل التعدّد مُلغى وراعى في ذلك سدّ ذريعة أن يتحيّل المجرم على التنصل من جرمه بضم جماعة إليه ، وهذا قول مالك والشافعي أخذاً من قضاءِ عمر بن الخطاب ، وقوله : لو اجتمع على قتله أهلُ صنعاء لاقتصصتُ منهم .ومنهم من عدل عن الزيادة مطلقاً وهو قول داود الظاهري ، ومنهم من عدل عن تلك الزيادة في القطع ولم يعدل عنها في القتل ، ولعل ذلك لأن عمر بن الخطاب قضى به في القتل ولم يؤثر عن أحد في القطع . وربما ألغى بعضهم الزيادة إذا كان طريق ثبوت الجناية ضعيفاً مثل القسامة مع اللوث عند من يرى القصاص بها فإن مالكاً لم ير أن يُقتل بالقسامة أكثرُ من رجل واحد .واعلم أن المماثلة في نحو هذا تحقق بقيمة الغرم كما اعتبرت في الديات وأروش الجِنايات .وجملة { إنه لا يحب الظالمين } في موضع العلة لكلام محذوف دل عليه السياق فيقدر : أنه يحب العافين كما قال { والعافين عن الناس والله يحبّ المحسنين } [ آل عمران : 134 ] . ونصْرُه على ظالمه موكول إلى الله وهو لا يحب الظالمين ، أي فيؤجر الذين عفوا وينتصر لهم على الباغين لأنه لا يحب الظالمين فلا يهمل الظالم دون عقاب { ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً فلا يُسرف في القتل إنه كان منصوراً } [ الإسراء : 33 ] . وقد استفيد حبّ الله العافين من قوله : إنه لا يحب الظالمين } ، وعلى هذا فمَا صْدَقُ الظالمين : هم الذين أصابوا المؤمنين بالبغي .ويجوز أيضاً أن يكون التعليل بقوله : { إنه لا يحب الظالمين } منصرفاً لمفهوم جملة { وجزاء سيئة سيئة مثلها } أي دون تجاوز المماثلة في الجزاء كقوله : { وإن عاقبتُم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } [ النمل : 126 ] فيكون مَا صْدَقُ { الظالمين } : الذين يتجاوزون الحد في العقوبة من المؤمنين على أن يكون تحذيراً من مجاوزة الحدّ ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم " من حامَ الحمى يوشك أن يقع فيه " .وقد شملت هذه الآية بموقعها الاعتراضي أصول الإرشاد إلى ما في الانتصار من الظالم وما في العفو عنه من صلاح الأمة ، ففي تخويل حق انتصار المظلوم من ظالمه ردع للظالمين عن الإقدام على الظلم خوفاً من أن يأخذ المظلوم بحقه ، فالمعتدي يحسب لذلك حسابه حين الهمّ بالعدوان .وفي الترغيب في عفو المظلوم عن ظالمه حفظ آصرة الأخوة الإسلامية بين المظلوم وظالمه كيلا تنثَلِم في آحاد جزئياتها بل تزداد بالعفو متانة كما قال تعالى : { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم } [ فصلت : 34 ] .على أن الله تعالى لَمْ يهمل جانب ردع الظالم فأنبأ بتحقيق أنه بمحل من غضب الله عليه إذ قال : إنه لا يحب الظالمين } ولا ينحصر ما في طي هذا من هول الوعيد .وتنشأ على معنى هذه الآية مسألة غرَّاء تجاذبتها أنظار السلف بالاعتبار ، وهي : تحليل المظلوم ظالمه من مظلمته . قال أبو بكر بن العربي في «الأحكام» : روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك وسئل عن قول سعيد بن المسيّب : لا أحلّل أحداً ، فقال : ذلك يختلف . فقلت : الرجل يسلف الرجل فيهلِكُ ولا وفاء له قال : أرى أن يحلله ، وهو أفضل عندي لقول الله تعالى :{ الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه } [ الزمر : 18 ] ، وإن كان له فضل يُتبع فقيل له : الرجل يظلم الرجل ، فقال : لا أرى ذلك ، وهو عندي مخالف للأول لقول الله تعالى : { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } [ الشورى : 42 ] ، ويقول تعالى : { ما على المحسنين من سبيل } [ التوبة : 91 ] فلا أرى أن تجعله من ظلمه في حلّ .قال ابن العربي فصار في المسألة ثلاثة أقوال : أحدها : لا يحلّله بحال قاله ابن المسيّب . والثاني : يحلّله ، قاله ابن سيرين ، زاد القرطبي وسليمان بن يسار ، الثالث : إن كان مالاً حلّله وإن كان ظلماً لم يحلّله وهو قول مالك .وجه الأول : } أن لا يُحلّ ما حرم الله فيكون كالتبديل لحكم الله .ووجه الثاني : أنه حقه فله أن يسقطه .ووجه الثالث : أن الرجل إذا غُلِب على حقكَ فمن الرفق به أن تحلله ، وإن كان ظالماً فمن الحق أن لا تتركه لئلا يغْتَرّ الظَّلَمة ويسترسلوا في أفعالهم القبيحة .وذكَر حديث مسلم عن عُبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال : خرجت أنا وأبي لطلب العلم في هذا الحيّ من الأنصار قبْل أن يهلكوا فكان أول من لقينا أبو اليسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبي : أرى في وجهك سنعة من غضب فقال : أجَل كان لي على فلان دين ، فأتيت أهله وقلت : أثَمّ هو؟ قالوا : لا فخرج ابن له فقلت له : أين أبوك؟ فقال سمع صوتك فدخل أريكة أمي . فقلتُ : اخرجْ إليَّ ، فخرج . فقلت : ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال : خشيت والله أن أحدثك فأكذبك وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنتُ والله معسراً . قال : فأتى بصحيفته فمحاها بيده ، قال : إن وجدت قضاء فاقض وإلاّ فأنت في حلّ .