Istajeeboo lirabbikum min qabli an yatiya yawmun la maradda lahu mina Allahi ma lakum min maljain yawmaithin wama lakum min nakeerin
تفسير الآية 47
استجيبوا لربكم- أيها الكافرون- بالإيمان والطاعة من قبل أن يأتي يوم القيامة، الذي لا يمكن رده، ما لكم من ملجأ يومئذ ينجيكم من العذاب، ولا مكان يستركم، وتتنكرون فيه. وفي الآية دليل على ذم التسويف، وفيها الأمر بالمبادرة إلى كل عمل صالح يعرض للعبد، فإن للتأخير آفات وموانع.
«استجيبوا لربكم» أجيبوه بالتوحيد والعبادة «من قبل أن يأتي يوم» هو يوم القيامة «لا مرد له من الله» أي أنه إذا أتى به لا يرده «ما لكم من ملجأ» تلجؤون إليه «يومئذ وما لكم من نكير» إنكار لذنوبكم.
يأمر تعالى عباده بالاستجابة له، بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، وبالمبادرة بذلك وعدم التسويف، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْم القيامة الذي إذا جاء لا يمكن رده واستدراك الفائت، وليس للعبد في ذلك اليوم ملجأ يلجأ إليه، فيفوت ربه، ويهرب منه.بل قد أحاطت الملائكة بالخليقة من خلفهم، ونودوا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ وليس للعبد في ذلك اليوم نكير لما اقترفه وأجرمه، بل لو أنكر لشهدت عليه جوارحه.وهذه الآية ونحوها، فيها ذم الأمل، والأمر بانتهاز الفرصة في كل عمل يعرض للعبد، فإن للتأخير آفات.
لما ذكر تعالى ما يكون في يوم القيامة من الأهوال والأمور العظام الهائلة حذر منه وأمر بالاستعداد له ، فقال : ( استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ) أي : إذا أمر بكونه فإنه كلمح البصر يكون ، وليس له دافع ولا مانع .وقوله : ( ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير ) أي : ليس لكم حصن تتحصنون فيه ، ولا مكان يستركم وتتنكرون فيه ، فتغيبون عن بصره ، تبارك وتعالى ، بل هو محيط بكم بعلمه وبصره وقدرته ، فلا ملجأ منه إلا إليه ، ( يقول الإنسان يومئذ أين المفر . كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر ) [ القيامة : 10 - 12 ] .
ثم يوجه- سبحانه- أمره إلى هؤلاء المعاندين، يدعوهم إلى الاستجابة للحق من قبل أن يأتى يوم القيامة الذي لا شك في مجيئه.. فيقول: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ...أى استجيبوا- أيها الناس- لدعوة الحق التي دعاكم إليها ربكم وخالقكم، عن طريق الرسول الذي أرسله- سبحانه- إليكم، ولتكن استجابتكم عاجلة في هذه الدنيا، من قبل أن يأتى يوم القيامة الذي لن يستطيع أحد أن يرده أو يدفعه، بعد أن حكم- سبحانه- بمجيئه، وجعل له أجلا محددا لا يتخلف عنه.ثم بين- سبحانه- حالهم عند مجيء هذا اليوم فقال: ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ.والملجأ: هو المكان الذي يلجأ إليه الإنسان عند الشدائد والكروب لاتقائها، والنكير بمعنى الإنكار.أى: ليس لكم في هذا اليوم ملجأ تلتجئون إليه من العذاب، وليس لكم القدرة على إنكار شيء مما اجترحتموه في الدنيا من الكفر والعصيان، لأنه مسجل عليكم، فما نزل بكم من عذاب بسبب كفركم وإعراضكم عن الحق، وشيء أنتم تستحقونه، ولن تجدوا يوم القيامة من ينكر استحقاقكم لهذا العذاب.قال الآلوسى: قوله- تعالى- وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ أى: إنكار على أنه مصدر أنكر على غير القياس. ونفى ذلك مع قوله- تعالى- حكاية عنهم وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ تنزيلا لما يقع من إنكارهم منزلة العدم، لعدم نفعه وقيام الحجة، وشهادة الجوارح عليهم، أو يقال: إن الأمرين باعتبار تعدد الأحوال والمواقف..» .
( استجيبوا لربكم ) أجيبوا داعي الله يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - ( من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ) لا يقدر أحد على دفعه وهو يوم القيامة ( ما لكم من ملجإ ) تلجئون إليه ( يومئذ وما لكم من نكير ) من منكر يغير ما بكم .
قوله تعالى : استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير .قوله تعالى : استجيبوا لربكم أي أجيبوه إلى ما دعاكم إليه من الإيمان به والطاعة . استجاب وأجاب بمعنى ، وقد تقدم . من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يريد : يوم القيامة ، أي : لا يرده أحد بعدما حكم الله به وجعله أجلا ووقتا . ما لكم من ملجإ يومئذ أي من ملجأ ينجيكم من العذاب . وما لكم من نكير أي من ناصر ينصركم ، قاله مجاهد . وقيل : النكير بمعنى المنكر ، كالأليم بمعنى المؤلم ، أي : لا تجدون يومئذ منكرا لما ينزل بكم من العذاب ، حكاه ابن أبي حاتم ، وقاله الكلبي . الزجاج : معناه أنهم لا يقدرون أن ينكروا الذنوب التي يوقفون عليها . وقيل : ( من نكير ) أي : إنكار ما ينزل بكم من العذاب ، والنكير والإنكار تغيير المنكر .
وقوله: ( اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ ) يقول تعالى ذكره للكافرين به: أجيبوا أيها الناس داعي الله وآمنوا به واتبعوه على ما جاءكم به من عند ربكم.( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ) يقول: لا شيء يرد مجيئه إذا جاء الله به, وذلك يوم القيامة.( مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذ ) يقول جلّ ثناؤه: ما لكم أيها الناس من معقل تحترزون فيه, وتلجئون إليه, فتعتصمون به من النازل بكم من عذاب الله على كفركم به, كان في الدنيا( وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ) يقول: ولا أنتم تقدرون لما يحلّ بكم من عقابه يومئذ على تغييره, ولا على انتصار منه إذا عاقبكم بما عاقبكم به.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ ) قال: من مَحْرَز.وقوله: ( مِنْ نَكِيرٍ ) قال: ناصر ينصركم.حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذ ) تلجئون إليه ( وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ) يقول: من عز تعتزون.
اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47)بعد أن قُطع خطابهم عقب قوله : { فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا } [ الشورى : 36 ] بما تخلّص به إلى الثناء على فِرَق المؤمنين ، وما استتبع ذلك من التسجيل على المشركين بالضلالة والعذاب ، ووصففِ حالهم الفظيع ، عاد الكلام إلى خطابهم بالدعوة الجامعة لما تقدم طلباً لتدارك أمرهم قبل الفوات ، فاستؤنف الكلام استئنافاً فيه معنى النتيجة للمواعظ المتقدمة لأن ما تقدم من الزواجر يهيّىء بعض النفوس لقبول دعوة الإسلام .والاستجابة : إجابة الداعي ، والسين والتاء للتوكيد . وأطلقت الاستجابة على امتثال ما يطالبهم به النبي صلى الله عليه وسلم تبليغاً عن الله تعالى على طريقة المجاز لأن استجابة النداء تستلزم الامتثال للمنادي فقد كثر إطلاقها على إجابة المستنجد . والمعنى : أطيعوا ربكم وامتثلوا أمره من قبل أن يأتي يوم العذاب وهو يوم القيامة لأن الحديث جارٍ عليه .واللام في { لربكم } لِتأكيد تعدية الفعل إلى المفعول مثل : حمِدتُ له وشكرتُ له . وتسمى لام التبليغ ولام التبيين . وأصله استجابهُ ، قال كعب الغَنَوي: ... وداععٍ دعَا يَا مَن يجيب إلى النِّدافلم يستجبْه عند ذاك مجيب ... ولعل أصله استجاب دعاءه له ، أي لأجله له كما في قوله تعالى : { ألم نشرح لك صدرك } [ الشرح : 1 ] فاختصر لكثرة الاستعمال فقالوا : استجاب له وشكر له ، وتقدم في قوله : { فليستجيبوا لي } في سورة البقرة ( 186 ) .والمردّ : مصدر بمعنى الرد ، وتقدم آنفاً في قوله : { هل إلى مَردّ من سبيل } [ الشورى : 44 ] . { وَلا مَرد له } صفة { يوم } . والمعنى : لا مرد لإثباته بل هو واقع ، و { لَه } خبرُ { لا } النافية ، أي لا مرد كائناً له ، ولام { له } للاختصاص .و { مِن } : في قوله : { من الله } ابتدائية وهو ابتداء مجازي ، ومعناه : حكمُ الله به فكأنَّ اليوم جاء من لدنه .ويجوز تعليق المجرور بفعل { يأتي } . ويجوز أن يتعلق بالكون الذي في خبر { لا } . والتقدير على هذا : لا مرد كائناً من الله له وليس متعلقاً ب { مرد } على أنه متمم معناه ، إذ لو كان كذلك كان اسم { لا } شبيهاً بالمضاف فكان منوّناً ولم يكن مبنياً على الفتح ، وما وقع في «الكشاف» مما يوهم هذا مؤوّل بما سمعتَ ، ولذلك سمّاه صلة ، ولم يسمه متعلقاً .وجملة { ما لكم من ملجإٍ يومئذٍ } مستأنفة . والملجأ : مكان اللجأ ، واللجأ : المصير والانحياز إلى الشيء ، فالملجأ : المكان الذي يصير إليه المرء للتوقّي فيه ، ويطلق مجازاً على الناصر ، وهو المراد هنا ، أي ما لكم من شيء يقيكم من العذاب .والنكير : اسم مصدر أنكر ، أي ما لكم إنكار لما جُوزيتم به ، أي لا يسعكم إلاّ الاعتراف دون تنصل .