سورة الزخرف: الآية 42 - أو نرينك الذي وعدناهم فإنا...

تفسير الآية 42, سورة الزخرف

أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدْنَٰهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ

الترجمة الإنجليزية

Aw nuriyannaka allathee waAAadnahum fainna AAalayhim muqtadiroona

تفسير الآية 42

فإن توفيناك -أيها الرسول- قبل نصرك على المكذبين من قومك، فإنَّا منهم منتقمون في الآخرة، أو نرينك الذي وعدناهم من العذاب النازل بهم كيوم "بدر"، فإنا عليهم مقتدرون نُظهِرك عليهم، ونخزيهم بيدك وأيدي المؤمنين بك.

«أو نرينك» في حياتك «الذي وعدناهم» به من العذاب «فإنا عليهم» على عذابهم «مقتدرون» قادرون.

أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ من العذاب فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ولكن ذلك متوقف على اقتضاء الحكمة لتعجيله أو تأخيره، فهذه حالك وحال هؤلاء المكذبين.

( أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون ) أي : نحن قادرون على هذا وعلى هذا . ولم يقبض الله رسوله حتى أقر عينه من أعدائه ، وحكمه في نواصيهم ، وملكه ما تضمنته صياصيهم . هذا معنى قول السدي ، واختاره ابن جرير .وقال ابن جرير حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور ، عن معمر قال : تلا قتادة : ( فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون ) فقال : ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - وبقيت النقمة ، ولم ير الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - في أمته شيئا يكرهه ، حتى مضى ، ولم يكن نبي قط إلا ورأى العقوبة في أمته ، إلا نبيكم - صلى الله عليه وسلم - . قال : وذكر لنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أري ما يصيب أمته من بعده ، فما رئي ضاحكا منبسطا حتى قبضه الله عز وجل .وذكر من رواية سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة نحوه . ثم روى ابن جرير عن الحسن نحو ذلك أيضا .وفي الحديث : " النجوم أمنة للسماء ، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد ، وأنا أمنة لأصحابي ، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون " .

وقوله- سبحانه-: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ، أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ زيادة في تسليته وتثبيته صلّى الله عليه وسلّم.أى: أن أمرك- أيها الرسول الكريم- مع هؤلاء الظالمين لا يخلو عن حالين: إما أن نتوفينك قبل أن ترى نقمتنا منهم.. وفي هذه الحالة فسنتولى نحن عذابهم والانتقام منهم، حسب إرادتنا ومشيئتنا، وإما أن نبقى حياتك حتى ترى بعينيك العذاب الذي توعدناهم به، فإنا عليهم وعلى غيرهم مقتدرون على تنفيذ ما نتوعد به من دون أن يستطيع أحد الإفلات من قبضتنا وقدرتنا.قال ابن كثير: أى: نحن قادرون على هذا وعلى هذا. ولم يقبض الله- تعالى- رسوله، حتى أقر عينه من أعدائه، وحكمه في نواصيهم، وملكه ما تضمنته صياصيهم .وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ .

( أو نرينك ) في حياتك ( الذي وعدناهم ) من العذاب ( فإنا عليهم مقتدرون ) قادرون ، متى شئنا عذبناهم . وأراد به مشركي مكة انتقم منهم يوم بدر ، هذا قول أكثر المفسرين . وقال الحسن وقتادة : عنى به أهل الإسلام من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وقد كان بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - نقمة شديدة في أمته ، فأكرم الله نبيه وذهب به ولم يره في أمته إلا الذي يقر عينه ، وأبقى النقمة بعده . وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أري ما يصيب أمته بعده فما رئي ضاحكا منبسطا حتى قبضه الله .

أو نرينك الذي وعدناهم ) وهو الانتقام منهم في حياتك . ( فإنا عليهم مقتدرون ) قالابن عباس : قد أراه الله ذلك يوم بدر ، وهو قول أكثر المفسرين . وقال الحسن وقتادة : هي في أهل الإسلام ، يريد ما كان بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفتن . ونذهبن بك على هذا نتوفينك . وقد كان بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - نقمة شديدة فأكرم الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - وذهب به فلم يره في أمته إلا التي تقر به عينه وأبقى النقمة بعده ، وليس من نبي إلا وقد أري النقمة في أمته . وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أري ما لقيت أمته من بعده ، فما زال منقبضا ، ما انبسط ضاحكا حتى لقي ، الله عز وجل . وعن ابن مسعود : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا أراد الله بأمة خيرا قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا . وإذا أراد الله بأمة عذابا عذبها ونبيها حي لتقر عينه لما كذبوه وعصوا أمره .

( أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ ) فقد أراه الله ذلك وأظهره عليه. وهذا القول الثاني أولى التأويلين في ذلك بالصواب وذلك أن ذلك في سياق خبر الله عن المشركين فلأن يكون ذلك تهديدا لهم أولى من أن يكون وعيدا لمن لم يجر له ذكر. فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك: فإن نذهب بك يا محمد من بين أظهر هؤلاء المشركين, فنخرجك من بينهم ( فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ), كما فعلنا ذلك بغيرهم من الأمم المكذّبة رسلها.( أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ ) يا محمد من الظفر بهم, وإعلائك عليهم ( فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ) أن نظهرك عليهم, ونخزيهم بيدك وأيدي المؤمنين بك.

أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42)والذهاب به هنا مستعمل للتوفي بقرينة قوله : { أو نرينك الذي وعدناهم } لأن الموت مُفارقة للأحياء فالإماتَةُ كالانتقال به ، أي تغييبه ولذلك يعبر عن الموت بالانتقال . والمعنى : فإما نتوفينك فإنا منهم منتقمون بعد وفاتك . وقد استعمل { منتقمون } للزمان المستقبل استعمالَ اسم الفاعل في الاستقبال ، وهو مجاز شائع مساو للحقيقة والقرينةُ قوله : { فإما نذهبن بك } .والمراد ب { الذي وعدناهم } الانتقامُ المأخوذ من قوله : { فإنا منهم منتقمون } . وقد أراه الله تعالى الانتقام منهم بقتل صناديدهم يوم بدر ، قال تعالى : { يوم نبطش البطشةَ الكبرى إنّا منتقمون } [ الدخان : 16 ] والبطشة هي بطشة بدر .وجملة { فإنا منهم منتقمون } جواب الشرط ، واقترن بالفاء لأنه جملة اسمية ، وإنما صيغ كذلك للدلالة على ثبات الانتقام ودوامه ، وأما جملة { فإنا عليهم مقتدرون } فهي دليل جواب جُملة { أو نرينك الذي وعدناهم } المعطوفة على جملة الشرط لأن اقتدار الله عليهم لايناسب أن يكون معلّقاً على إراءته الرّسول صلى الله عليه وسلم الانتقام منهم ، فالجواب محذوف لا محالة لقصد التهويل . وتقديره : أوْ إمّا نريَنّك الذي وعدناهم ، وهو الانتقام تَرَ انتقاماً لا يفُلتون منه فإنا عليهم مقتدرون ، أي مقتدرون الآن فاسم الفاعل مستَعملٌ في زمان الحال وهو حقيقتهُ .ولا يستقيم أن تكون جملة { فإنا منهم منتقمون } دليلاً على الجواب المحذوف لأنه يصيّر : أوْ إما نرينّك الانتقام منهم فإنا منهم منتقمون . وتقديم المجرورين { منهم } و { عليهم } على متعلقيهما للاهتمام بهم في التمكن بالانتقام والاقتدار عليهم .والوعد هنا بمعنى الوعيد بقرينة قوله قبله { فإنا منهم منتقمون } فإنّ الوعد إذا ذكر مفعوله صحّ إطلاقه على الخير والشر ، وإذا لم يذكر مفعوله انصرف للخير وأما الوعيد فهو للشر دائماً .والاقتدار : شدة القدرة ، واقتدر أبلغ من قدر . وقد غفل صاحب «القاموس» عن التنبيه عليه .وقد اشتمل هذان الشرطان وجواباهما على خمسة مؤكدات وهي ( ما ) الزائدة ، ونون التوكيد ، وحرف ( إنَّ ) للتوكيد ، والجملة الاسمية ، وتقديم المعمول على { منتقمون } .وفائدة الترديد في هذا الشرط تعميم الحالين حال حياة النبي صلى الله عليه وسلم وحال وفاته . والمقصود : وقت ذيْنك الحالين لأن المقصود توقيت الانتقام منهم .والمعنى : أننا منتقمون منهم في الدّنيا سواء كنت حيّاً أو بعد موتك ، أي فالانتقام منهم من شأننا وليس من شأنك لأنه من أجْل إعراضهم عن أمرنا وديننا ، ولعله لدفع استبطاء النبي صلى الله عليه وسلم أو المسلمين تأخير الانتقام من المشركين ولأن المشركين كانوا يتربصون بالنبي الموت فيستريحوا من دعوته فأعلمه الله أنه لا يفلتهم من الانتقام على تقدير موته وقد حكى الله عنهم قولهم : { نترَبَّص به ريب المنون } [ الطور : 30 ] ففي هذا الوعيد إلقاء الرعب في قلوبهم لما يسمعونه .
الآية 42 - سورة الزخرف: (أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون...)