ويوم القيامة ترى هؤلاء المكذبين الذين وصفوا ربهم بما لا يليق به، ونسبوا إليه الشريك والولد وجوههم مسودة. أليس في جهنم مأوى ومسكن لمن تكبر على الله، فامتنع من توحيده وطاعته؟ بلى.
«ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله» بنسبة الشريك والولد إليه «وجوههم مسودة أليس في جهنم مشوى» مأوى «للمتكبرين» عن الإيمان؟ بلى.
يخبر تعالى عن خزي الذين كذبوا عليه، وأن وجوههم يوم القيامة مسودة كأنها الليل البهيم، يعرفهم بذلك أهل الموقف، فالحق أبلج واضح كأنه الصبح،.فكما سوَّدوا وجه الحق بالكذب، سود اللّه وجوههم، جزاء من جنس عملهم.فلهم سواد الوجوه، ولهم العذاب الشديد في جهنم، ولهذا قال: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ عن الحق، وعن عبادة ربهم، المفترين عليه؟ بلى واللّه، إن فيها لعقوبة وخزيا وسخطا، يبلغ من المتكبرين كل مبلغ، ويؤخذ الحق منهم بها.والكذب على اللّه يشمل الكذب عليه باتخاذ الشريك والولد والصاحبة، والإخبار عنه بما لا يليق بجلاله، أو ادعاء النبوة، أو القول في شرعه بما لم يقله، والإخبار بأنه قاله وشرعه.
يخبر تعالى عن يوم القيامة أنه تسود فيه وجوه ، وتبيض فيه وجوه ، تسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف ، وتبيض وجوه أهل السنة والجماعة ، قال تعالى هاهنا : ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ) أي : في دعواهم له شريكا وولدا ( وجوههم مسودة ) أي : بكذبهم وافترائهم .وقوله : ( أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ) أي : أليست جهنم كافية لها سجنا وموئلا لهم فيها [ دار ] الخزي والهوان ، بسبب تكبرهم وتجبرهم وإبائهم عن الانقياد للحق .قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب ، حدثنا عمي ، حدثنا عيسى بن أبي عيسى الخياط ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس ، يعلوهم كل شيء من الصغار ، حتى يدخلوا سجنا من النار في واد يقال له بولس ، من نار الأنيار ، ويسقون عصارة أهل النار ، ومن طينة الخبال " .
فقوله- تعالى-: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ.. بيان لحالة الكافرين يوم القيامة، ولما تكون عليه هيئتهم من خزي وهوان.أى: وفي يوم القيامة إذا نظرت- أيها الرسول الكريم- أو- أيها العاقل- إلى وجوه الذين كذبوا على الله، بأن أشركوا معه في العبادة آلهة أخرى، أو جعلوا له صاحبة أو ولدا..إذا نظرت إليها رأيتها مسودة مكفهرة بسبب ما أحاط بهم من عذاب، وما شاهدوه من أهوال.وقوله: وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ جملة من مبتدأ وخبر، وهي في محل نصب على الحال من الذين كذبوا.. والاستفهام في قوله: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ للتقرير.والمثوى: المكان والمقام.يقال: ثوى فلان بالمكان وأثوى فيه، إذا أقام به، فهو ثاو ومنه قوله- تعالى-:وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ.أى: أليس في جهنم مكانا ومقرا لإهانة المتكبرين وإذلالهم، بسبب تطاولهم على غيرهم، وتكذيبهم لآيات الله؟ بلى إن بها ما يجعلهم يذوقون العذاب الأليم.
( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ) فزعموا أن له ولدا وشريكا ، ( وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ) عن الإيمان .
قوله تعالى : ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أي مما حاط بهم من غضب الله ونقمته . وقال الأخفش : " ترى " غير عامل في قوله : وجوههم مسودة إنما هو ابتداء وخبر . الزمخشري : جملة في موضع الحال إن كان ترى من رؤية البصر ، ومفعول ثان إن كان من رؤية القلب .أليس في جهنم مثوى للمتكبرين بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معنى الكبر فقال - عليه السلام - : سفه الحق وغمط الناس . أي : احتقارهم . وقد مضى في [ البقرة ] وغيرها . وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذر يلحقهم الصغار حتى يؤتى بهم إلى سجن جهنم .
القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60)يقول تعالى ذكره: ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى ) يا محمد هؤلاء ( الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ ) من قومك فزعموا أن له ولدا, وأن له شريكا, وعبدوا آلهة من دونه ( وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ) ، والوجوه وإن كانت مرفوعة بمسودة, فإن فيها معنى نصب, لأنها مع خبرها تمام ترى, ولو تقدم قوله مسودة قبل الوجوه, كان نصبا, ولو نصب الوجوه المسودة ناصب في الكلام لا في القرآن, إذا كانت المسودة مؤخرة كان جائزا, كما قال الشاعر:ذَرِيني إنَّ أمْرَكِ لَنْ يُطاعَاوَمَا ألْفَيْتِنِي حِلْمِي مُضَاعَا (3)فنصب الحلم والمضاع على تكرير ألفيتني, وكذلك تفعل العرب في كلّ ما احتاج إلى اسم وخبر, مثل ظنّ وأخواتها ، وفي" مسودّة " للعرب لغتان: مسودّة, ومسوادّة, وهي في أهل الحجاز يقولون فيما ذكر عنهم: قد اسوادّ وجهه, واحمارّ, واشهابّ. وذكر بعض نحويي البصرة عن بعضهم أنه قال: لا يكون افعالّ إلا في ذي اللون الواحد نحو الأشهب, قال: ولا يكون في نحو الأحمر, لأن الأشهب لون يحدث, والأحمر لا يحدث.وقوله: ( أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ) يقول: أليس في جهنم مأوى ومسكن لمن تكبر على الله, فامتنع من توحيده, والانتهاء إلى طاعته فيما أمره ونهاه عنه.-------------------------الهوامش :(3) البيت لعدي بن زيد ، كما قال الفراء في معاني القرآن ( الورقة 286 ) من مخطوطة الجامعة ) . وهو من أبيات الكتاب لسيبويه 1 : 87 . ومن شواهد ( خزانة الأدب الكبرى للبغدادي 2 : 368 ) . وموضع الشاهد فيه : أن قوله" حلمي" بدل اشتمال من الياء في" ألفيتني" . قال ابن جني في إعراب الحماسة :" إنما يجوز البدل من ضمير المتكلم وضمير المخاطب ، إذا كان بدل البعض أو بدل الاشتمال ، نحو قولك : عجبت منك عقلك ، وضربتك رأسك . ا ه . وقال في الخزانة : والبيت نسبه سيبويه لرجل من خثعم أو بجيلة ، وتبعه ابن السراج في أصوله . وعزاه الفراء والزجاج ، إلى عدي بن زيد العبادي . وهو الصحيح ، وكذلك قال صاحب الحماسة البصرية وأورد من القصيدة بعده أبياتا . ا ه .
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60)عطف على إحدى الجمل المتقدمة المتعلقة بعذاب المشركين في الدنيا والآخرة ، والأحسن أن يكون عطفاً على جملة { والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا } [ الزمر : 51 ] ، أي في الدنيا كما أصاب الذين من قبلهم ويوم القيامة تَسودّ وجوههم . فيجوز أن يكون اسوداد الوجوه حقيقة جعله الله علامة لهم وجعل بقية الناس بخلافهم . وقد جعل الله اسوداد الوجوه يوم القيامة علامة على سوء المصير كما جعل بياضها علامة على حسن المصير قال تعالى : { يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة اللَّه هم فيها خالدون } في سورة آل عمران ( 106 ، 107 ) . ويجوز أن يكون ابيضاض الوجوه مستعملاً في النضرة والبهجة قال تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة } [ القيامة : 22 ] ، وقال حسان بن ثابت: ... بِيض الوجوه كريمةٌ أحسابهمويقولون في الذي يخصل خصلة يفتخر بها قومُه : بيَّضْتَ وجوهنا . والخطاب في قوله : { تَرَى } لغير معين .وجملة { وجوههم مُسْوَدة } مبتدأٌ وخبر ، وموقع الجملة موقع الحال من { الذين كذبوا على الله } ، لأن الرؤية هنا بصرية لا ينصب فعلها مفعولين . ولا يلزم اقتران جملة الحال الاسمية بالواو .و { الذين كذبوا على الله } : هم الذين نسبوا إليه ما هو منزه عنه من الشريك وغير ذلك من تكاذيب الشرك ، فالذين كذبوا على الله هم الذين ظلموا الذين ذُكروا في قوله : { والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا } [ الزمر : 51 ] ، وصفوا أولاً بالظلم ثم وصفوا بالكذب على الله في حكاية أخرى فليس قوله : { الذين كذبوا على الله } إظهاراً في مقام الإِضمار .ويدخل في { الذين كذبوا على الله } كل من نسَب إلى الله صفة لا دليل له فيها ، ومن شرع شيئاً فزعم أن الله شرعه متعمداً قاصداً ترويجه للقبول بدون دليل ، فيدخل أهل الضلال الذين اختلقوا صفات لله أو نسبوا إليه تشريعاً ، ولا يدخل أهل الاجتهاد المُخطِئون في الأدلة سواء في الفروع بالاتفاق وفي الأصول على ما نختاره إذا استفرغوا الجهود . ونسبة شيءٍ إلى الله أمرها خطير ، ولذلك قال أيمتنا : إن الحكم المقيس غيرَ المنصوص يجوز أن يقال هُو دينُ الله ولا يجوز أن يقال : قاله الله .ولذلك فجملة { أليس في جهنم مثوى للمتكبرين } واقعة موقع الاستئناف البياني لجملة { ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة } على كلا المعنيين لأن السامع يسأل عن سبب اسوداد الوجوه فيجاب بأن في جهنم مثواهم يعني لأن السواد يناسب ما سيلفح وجوههم من مسّ النار فأجيب بطريقة الاستفهام التقريري بتنزيل السائل المقدَّرِ منزلة من يعلم أن مثواهم جهنم فلا يليق به أن يغفل عن مناسبة سواد وجوههم ، لمصيرهم إلى النار ، فإن للدخائل عَنَاوينَها ، وهذا الاستفهام كما في قوله تعالى :{ ليقولوا أهؤلاء من اللَّه عليهم من بيننا أليس اللَّه بأعلم بالشاكرين } [ الأنعام : 53 ] ، وكقول أبي مسعود الأنصاري للمغيرة بن شعبة حين كان أمير الكوفة وقد أخر الصلاة يوماً «ما هذا يا مغيرة أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلّى فصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكقول الحجاج في خطبته في أهل الكوفة «ألستم أصحابي بالأهواز حين رمتم الغدر» الخ .والتكبر : شدة الكبر ، ومن أوصاف الله تعالى المتكبر ، والكِبر : إظهار المرء التعاظم على غيره لأنه يُعدّ نفسه عظيماً . وتعريف المتكبرين هنا للاستغراق ، وأصحاب التكبر مراتب أقواها الشرك ، قال تعالى : { إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } [ غافر : 60 ] وهو المعني بقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ولا يدخل النار من كان في قلبه حبة خردل من إيمان» أخرجه مسلم عن ابن مسعود ، ألا ترى أنه قابله بالإِيمان ، ودونه مراتب كثيرة متفاوتة في قوة حقيقة ماهية التكبر ، وكلها مذمومة . وما يدور على الألسن : أن الكبر على أهل الكبر عبادة ، فليس بصحيح .وفي وصفهم بالمتكبرين إيماء إلى أن عقابهم بتسويد وجوههم كان مناسباً لكبريائهم لأن المتكبر إذا كان سيّىء الوجه انكسرت كبرياؤه لأن الكبرياء تضعف بمقدار شعور صاحبها بمعرفة الناس نقائصه .