Wama kuntum tastatiroona an yashhada AAalaykum samAAukum wala absarukum wala juloodukum walakin thanantum anna Allaha la yaAAlamu katheeran mimma taAAmaloona
تفسير الآية 22
وما كنتم تَسْتَخْفون عند ارتكابكم المعاصي؛ خوفًا من أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم يوم القيامة، ولكن ظننتم بارتكابكم المعاصي أن الله لا يعلم كثيرًا من أعمالكم التي تعصون الله بها. وذلكم ظنكم السيِّئ الذي ظننتموه بربكم أهلككم، فأوردكم النار، فأصبحتم اليوم من الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم.
«وما كنتم تستترون» عن ارتكابكم الفواحش من «أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم» لأنكم لم توقنوا بالبعث «ولكن ظننتم» عند استتاركم «أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون».
وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ أي: وما كنتم تختفون عن شهادة أعضائكم عليكم، ولا تحاذرون من ذلك. وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ بإقدامكم على المعاصي أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ فلذلك صدر منكم ما صدر، وهذا الظن، صار سبب هلاكهم وشقائهم .
وقوله : ( وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ) أي : تقول لهم الأعضاء والجلود حين يلومونها على الشهادة عليهم : ما كنتم تتكتمون منا الذي كنتم تفعلونه بل كنتم تجاهرون الله بالكفر والمعاصي ، ولا تبالون منه في زعمكم ; لأنكم كنتم لا تعتقدون أنه يعلم جميع أفعالكم ; ولهذا قال : ( ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ) أي : هذا الظن الفاسد - وهو اعتقادكم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون - هو الذي أتلفكم وأرداكم عند ربكم ، ( فأصبحتم من الخاسرين ) أي : في مواقف القيامة خسرتم أنفسكم وأهليكم .قال الإمام أحمد - رحمه الله - : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن عمارة ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله قال : كنت مستترا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر : قرشي ، وختناه ثقفيان - أو ثقفي وختناه قرشيان - كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم ، فتكلموا بكلام لم أسمعه ، فقال أحدهم : أترون أن الله يسمع كلامنا هذا ؟ فقال الآخر : إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه ، وإذا لم نرفعه لم يسمعه ، فقال الآخر : إن سمع منه شيئا سمعه كله . قال : فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله عز وجل : ( وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ) إلى قوله : ( من الخاسرين )وكذا رواه الترمذي عن هناد ، عن أبي معاوية ، بإسناده نحوه . وأخرجه أحمد ومسلم والترمذي أيضا ، من حديث سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن وهب بن ربيعة ، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - بنحوه . ورواه البخاري ومسلم أيضا ، من حديث السفيانين ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة ، عن ابن مسعود به .وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله : ( أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ) قال : " إنكم تدعون مفدما على أفواهكم بالفدام ، فأول شيء يبين عن أحدكم فخذه وكفه " .
ثم حكى- سبحانه- ما يقال لهؤلاء الكافرين يوم القيامة من جهته- تعالى- أو من جهة جوارحهم التي شهدت عليهم فقال- تعالى-: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ، وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ.وقوله: تَسْتَتِرُونَ من الاستتار بمعنى الاستخفاء، «وما» نافية. وقوله: أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ.. في موضع نصب على نزع الخافض أى: من أن يشهد عليكم.. أو مفعول لأجله.أى: مخافة أو خشية أن يشهد عليكم سمعكم.والمعنى: أن جوارحهم تقول لهم يوم القيامة على سبيل التبكيت: أنتم- أيها الكافرون- لم تكونوا في الدنيا تخفون أعمالكم السيئة، خوفا من أن نشهد عليكم ولكنكم كنتم تخفونها لاعتقادكم أن الله- تعالى- لا يعلم ما تخفونه من أعمالكم، ولكنه يعلم ما تظهرونه منها.وما حملكم على هذا الاعتقاد الباطل إلا جهلكم بصفات الله- تعالى- وكفركم باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء، واستبعادكم أننا سنشهد عليكم.قال القرطبي: قوله- تعالى-: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ ...يجوز أن يكون هذا من قول الجوارح لهم، ويجوز أن يكون من قول الله- تعالى- لهم، أو الملائكة.وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفر، قرشيان وثقفى، - أى شخص من قبيلة ثقيف- أو ثقفيان وقرشي، قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم.فقال أحدهم: أترون الله- تعالى- يسمع ما نقول: فقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا.فأنزل الله- عز وجل-: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ.فالآية الكريمة تنعى على المشركين جهالاتهم الفاضحة، حيث ظنوا أن الله- تعالى- لا يعلم الكثير من أعمالهم، وتنبه المؤمنين إلى أن من الواجب عليهم أن يعلموا أن الله- تعالى- معهم، ولا يخفى عليه شيء من أقوالهم أو أفعالهم، وأنه- سبحانه- يعلم السر، وأخفى ورحم الله من قال:إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت. ولكن قل: على رقيبولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما يخفى عليك، يغيب
( وما كنتم تستترون ) أي : تستخفون [ عند أكثر أهل العلم . وقال مجاهد : تتقون . وقال قتادة : تظنون . ( أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون ) .أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا الحميدي ، أخبرنا سفيان ، أخبرنا منصور ، عن مجاهد ، عن أبي معمر ، عن عبد الله بن مسعود قال : اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشي ، أو قرشيان وثقفي كثير شحم بطونهم ، قليل فقه قلوبهم ، فقال أحدهم : أترون أن الله يسمع ما نقول ؟ قال الآخر : يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا . وقال الآخر : إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا ، فأنزل الله تعالى : " وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون " . قيل : الثقفي عبد ياليل ، وختناه القرشيان : ربيعة ، وصفوان بن أمية .
قوله تعالى : وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم يجوز أن يكون هذا من قول الجوارح لهم : ويجوز أن يكون من قول الله - عز وجل - أو الملائكة . وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال : اجتمع عند البيت ثلاثة نفر ، قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي ، قليل فقه قلوبهم ، كثير شحم بطونهم : فقال أحدهم : أترون الله يسمع ما نقول ؟ فقال الآخر : يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا ، وقال الآخر : إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا ، فأنزل الله - عز وجل - : وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم الآية ، خرجه الترمذي فقال : اختصم عند البيت ثلاثة نفر . ثم ذكره بلفظه حرفا حرفا وقال : حديث حسن صحيح ، حدثنا هناد قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد قال : قال عبد الله : كنت مستترا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم ، قرشي وختناه ثقفيان ، أو ثقفي وختناه قرشيان ، فتكلموا بكلام لم أفهمه ، فقال أحدهم : أترون أن الله يسمع كلامنا هذا ، فقال الآخر : إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه ، وإذا لم نرفع أصواتنا لم يسمعه ، فقال الآخر : إن سمع منه شيئا سمعه كله . فقال عبد الله : فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى : وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم إلى قوله : فأصبحتم من الخاسرين قال : هذا حديث حسن صحيح . قال الثعلبي : والثقفي عبد ياليل ، وختناه ربيعة وصفوان بن أمية . ومعنى تستترون تستخفون في قول أكثر العلماء ، أي : ما كنتم تستخفون من أنفسكم حذرا من شهادة الجوارح عليكم ; لأن الإنسان لا يمكنه أن يخفي من نفسه عمله ، فيكون الاستخفاء بمعنى ترك المعصية . وقيل : الاستتار بمعنى الاتقاء ، أي : ما كنتم تتقون في الدنيا أن تشهد عليكم جوارحكم في الآخرة فتتركوا المعاصي خوفا من هذه الشهادة . وقال معناه مجاهد . وقال قتادة : وما كنتم تستترون أي : تظنون أن يشهد عليكم سمعكم بأن يقول : سمعت الحق وما وعيت ، وسمعت ما لا يجوز من المعاصي ولا أبصاركم فتقول : رأيت آيات الله وما اعتبرت ، ونظرت فيما لا يجوز " ولا جلودكم " تقدم .ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون من أعمالكم فجادلتم على ذلك حتى شهدت عليكم جوارحكم بأعمالكم . روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله : أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم قال : إنكم تدعون يوم القيامة مفدمة أفواهكم بفدام ، فأول ما يبين عن الإنسان فخذه وكفه قال عبد الله بن عبد الأعلى الشامي فأحسن :العمر ينقص والذنوب تزيد وتقال عثرات الفتى فيعود هل يستطيع جحود ذنب واحدرجل جوارحه عليه شهود والمرء يسأل عن سنيه فيشتهيتقليلها وعن الممات يحيدوعن معقل بن يسار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادى فيه : يا ابن آدم ، أنا خلق جديد ، وأنا فيما تعمل غدا عليك شهيد ، فاعمل في خيرا أشهد لك به غدا ، فإني لو قد مضيت لم ترني أبدا . ويقول الليل مثل ذلك ذكره أبو نعيم الحافظ وقد ذكرناه في كتاب " التذكرة " في باب شهادة الأرض والليالي والأيام والمال . وقال محمد بن بشير فأحسن :مضى أمسك الأدنى شهيدا معدلا ويومك هذا بالفعال شهيدفإن تك بالأمس اقترفت إساءة فثن بإحسان وأنت حميدولا ترج فعل الخير منك إلى غد لعل غدا يأتي وأنت فقيد
( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ) في الدنيا( أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ ) يوم القيامة ( سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ ).واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ), فقال بعضهم: معناه: وما كنتم تستخفون.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ) : أي تَسْتَخْفُونَ منها.وقال آخرون: معناه: وما كنتم تتقون.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ) قال: تتقون.وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما كنتم تظنون.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ) يقول: وما كنتم تظنون ( أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ ) حتى بلغ ( كَثِيرًا مِمَّا ) كنتم ( تَعْمَلُونَ ), والله إن عليك يا ابن آدم لشهودا غير متهمة من بدنك, فراقبهم واتق الله في سر أمرك وعلانيتك, فإنه لا يخفي عليه خافية, الظلمة عنده ضوء, والسر عنده علانية, فمن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظنّ فليفعل, ولا قوّة إلا بالله.وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: وما كنتم تَستَخْفُون, فتتركوا ركوب محارم الله في الدنيا حذرا أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم اليوم.وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب, لأن المعروف من معاني الاستتار الاستخفاء.فإن قال قائل: وكيف يستخفي الإنسان عن نفسه مما يأتي؟ قيل: قد بيَّنا أن معنى ذلك إنما هو الأماني, وفي تركه إتيانه إخفاؤه عن نفسه.وقوله: ( وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا ) كنتم ( تَعْمَلُونَ ) يقول جلّ ثناؤه: ولكن حسبتم حين ركبتم في الدنيا من معاصي الله أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون من أعمالكم الخبيثة, فلذلك لم تستتروا أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم وجلودكم, فتتركوا ركوب ما حرّم الله عليكم.وذُكر أن هذه الآية نزلت من أجل نفر تدارَءُوا بينهم في علم الله بما يقولونه ويتكلمون سرًا.* ذكر الخبر بذلك.حدثني ابن يحيى القطعي, قال: ثنا أبو داود, قال: ثنا قيس, عن منصور, عن مجاهد, عن أبي معمر الأزدي, عن عبد الله بن مسعود, قال: كنت مستترا بأستار الكعبة, فدخل ثلاثة نفر, ثَقَفيان وقُرشيّ, أو قُرشيان وثَقَفي, كثير شحوم بطونهما, قليل فقه قلوبهما, فتكلموا بكلام لم أفهمه, فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ فقال الرجلان: إذا رفعنا أصواتنا سمع, وإذا لم نرفع لم يسمع, فأتيت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فذكرت له ذلك, فنزلت هذه الآية: ( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ )... إلى آخر الآية.حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا يحيى بن سعيد, قال: ثنا سفيان, قال: ثني الأعمش, عن عمارة بن عمير, عن وهب بن ربيعة, عن عبد الله بن مسعود, قال: إني لمستتر بأستار الكعبة, إذ دخل ثلاثة نفر, ثقفي وختناه قرشيان, قليل فقه قلوبهما, كثير شحوم بطونهما, فتحدثوا بينهم بحديث, فقال أحدهم: أترى الله يسمع ما قلنا؟ فقال الآخر: إنه يسمع إذا رفعنا, ولا يسمع إذا خفضنا. وقال الآخر: إذا كان يسمع منه شيئا فهو يسمعه كله, قال: فأتيت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فذكرت ذلك له, فنزلت هذه الآية: ( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ )... حتى بلغ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ .حدثنا ابن بشار, قال: ثنا يحيى, قال: ثنا سفيان, قال: ثني منصور, عن مجاهد, عن أبي معمر, عن عبد الله بنحوه.
وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) قلّ من تصدى من المفسرين لبيان اتصال هذه الآيات الثلاث بما قبلها ، ومن تصدّى منهم لذلك لم يأت بما فيه مقْنع ، وأوْلى كلام في ذلك كلام ابن عطية ولكنه وَجيز وغير محرر وهو وبعض المفسرين ذكروا سبباً لنزولها فزادوا بذلك إشكالاً وما أبانوا انفصالاً . ولنبدأ بما يقتضيه نظم الكلام ، ثم نأتي على ما روي في سبب نزولها بما لا يفضي إلى الانفصام .فيجوز أن تكون جملة { وَمَا كُنتُم تَسْتتِرُونَ } بتمامها معطوفة على جملة { وَهُوَ خَلَقَكُم أوَّلَ مَرَّةٍ } [ فصلت : 21 ] الخ فتكون مشمولة للاعتراض متصلة بالتي قبلها على كلا التأويلين السابقين في التي قبلها . ويجوز أن تكون مستقلة عنها : إمّا معطوفة على جملة { وَيَوْمَ نَحْشُر أعْدَاءَ الله إلى النَّارِ } [ فصلت : 19 ] الآيات ، وإما معترضة بين تلك الجملة وجملةِ { فَإِنْ يَصبِرُوا فالنَّارُ مَثْوَىً لَهُم } [ فصلت : 24 ] ، وتكون الواو اعتراضية ، ومناسبة الاعتراض ما جرى من ذكر شهادة سمعهم وأبصارهم وجلودهم عليهم . فيكون الخطاب لجميع المشركين الأحياء في الدنيا ، أو للمشركين في يوم القيامة .وعلى هذه الوجوه فالمعنى : ما كنتم في الدنيا تخفون شرككم وتستترون منه بل كنتم تجهرون به وتفخرون باتباعه فماذا لومكم على جوارحكم وأجسادكم أن شهدت عليكم بذلك فإنه كان أمراً مشهوراً فالاستتار مستعمل في الإخبار مجازاً لأن حقيقة الاستتار إخفاء الذوات والذي شهدت به جوارحهم هو اعتقاد الشرك والأقوال الداعية إليه . وحرف { ما } نفي بقرينة قوله بعده : { ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ } الخ ، ولا بد من تقدير حرف جر يتعدى به فعل { تَستتِرُونَ } إلى { أَن يَشْهَدَ } وهو محذوف على الطريقة المشهورة في حذف حرف الجر مع ( أَنْ ) . وتقديره : بحسب ما يدل عليه الكلام وهو هنا يقدر حرفَ مِن ، أي ما كنتم تستترون من شهادة سمعكم وأبصاركم وجلودكم ، أي ما كنتم تستترون من تلك الشهود ، وما كنتم تتقون شهادتها ، إذ لا تحسبون أن ما أنتم عليه ضائر إذ أنتم لا تؤمنون بوقوع يوم الحساب .فأما ما ورد في سبب نزول الآية فهو حديث «الصحيحين» و«جامع الترمذي» بأسانيد يزيد بعضها على بعض إلى عبد الله بن مسعود قال : «كنت مستتراً بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي قليلٌ فِقْهُ قلوبهم كثيرٌ شحْم بطونهم فتكلموا بكلام لم أفهمه ، فقال أحدهم : أترون الله يسمع ما نقول ، فقال الآخر : يَسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا ، وقال الآخر : إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا ، قال عبد الله : فذكرتُ ذلك للنبيء صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : { وَمَا كُنْتم تَستَتِرُونَ أَن يَشْهَد عَلَيكُم سَمْعُكُم وَلا أبصاركم } إلى قوله : { فَأَصْبَحْتُم مِنَ الخاسرين } . وهذا بظاهره يقتضي أن المخاطب به نفر معين في قضية خاصة مع الصلاحية لشمول من عسى أن يكون صدر منهم مثل هذا العمل للتساوي في التفكير .ويجعل موقعها بين الآيات التي قبلها وبعدها غريباً ، فيجوز أن يكون نزولها صادف الوقت الموالي لنزول التي قبلها ، ويجوز أن تكون نزلت في وقت آخر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضعها في موضعها هذا لمناسبة ما في الآية التي قبلها من شهادة سمعهم وأبصارهم .ومع هذا فهي آية مكية إذ لم يختلف المفسرون في أن السورة كلها مكية . وقال ابن عطية : يشبه أن يكون هذا بعد فتح مكة فالآية مدنية ، ويشبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ الآية متمثلاً بها عند إخبار عبد الله إياه ا ه . وفي كلامه الأول مخالفة لما جزم به هو وغيرهُ من المفسرين أن السورة كلها مكية ، وكيف يصح كلامه ذلك وقد ذكر غيرهُ أن النفر الثلاثة هم : عبد ياليل الثقفي وصفوان وربيعة ابنا أمية بننِ خلف ، فأما عبد ياليل فأسلم وله صحبة عند ابن إسحاق وجماعة ، وكذلك صفوان بن أمية ، وأما ربيعة بن أمية فلا يعرف له إسلام فلا يلاقي ذلك أن تكون الآية نزلت بعد فتح مكة . وأحسن ما في كلام ابن عطية طرفه الثاني وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية متمثلاً بها فإن ذلك يُؤَوِّل قول ابن مسعود فأنزل الله تعالى الآية ، ويبين وجه قراءة النبي صلى الله عليه وسلم إياها عندما أخبره ابن مسعود بأنه قرأها تحقيقاً لمثال من صور معنى الآية ، وهو أن مثل هذا النفر ممن يَشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم ، وذلك قاض بأن هؤلاء النفر كانوا مشركين يومئذٍ ، والآية تحق على من مات منهم كافراً مثل ربيعة بن أمية بن خلف .وعلى بعض احتمالات هذا التفسير يكون فعل { تَستَتِرُونَ } مستعملاً في حقيقته أي تستترون بأعمالكم عن سمعكم وأبصاركم وجلودكم ، وذلك توبيخ كناية عن أنهم ما كانوا يرون ما هم عليه قبيحاً حتى يستتروا منه وعلى بعض الاحتمالات فيما ذكر يكون فعل { تستترون } مستعملاً في حقيقته ومجازه ، ولا يُعوزك توزيع أصناف هذه الاحتمالات بعضها مع بعض في كل تقدير تَفرِضُه . وحاصل معنى الآية على جميع الاحتمالات : أن الله عليم بأعمالكم ونياتكم لا يخفى عليه شيء منها إن جهرتم أو سترتم وليس الله بحاجة إلى شهادة جوارحكم عليكم وما أوقعكم في هذا الضر إلا سوء ظنكم بجلال الله .