فلنذيقن الذين قالوا هذا القول عذابًا شديدًا في الدنيا والآخرة، ولنجزينهم أسوأ ما كانوا يعملون من السيئات.
قال الله تعالى فيهم: «فلنذيقنَّ الذين كفروا عذاباً شديداً ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون» أي أقبح جزاء عملهم.
ولما كان هذا ظلمًا منهم وعنادًا، لم يبق فيهم مطمع للهداية، فلم يبق إلا عذابهم ونكالهم، ولهذا قال: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ وهو الكفر والمعاصي، فإنها أسوأ ما كانوا يعملون، لكونهم يعملون المعاصي وغيرها، فالجزاء بالعقوبة، إنما هو على عمل الشرك وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا
ثم قال تعالى : منتصرا للقرآن ، ومنتقما ممن عاداه من أهل الكفران : ( فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ) أي : في مقابلة ما اعتمدوه في القرآن وعند سماعه ، ( ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون ) أي : بشر أعمالهم وسيئ أفعالهم
وقد رد- سبحانه- على فعلهم هذا بما يناسبه من تهديد فقال: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ.أى: فو الله لنجعلن الذين كفروا بهذا القرآن والذين شوشوا على قارئيه بالصياح والاستهزاء، لنجعلنهم يذوقون العذاب الذي يهينهم، ويحسون به إحساسا أليما. ولنجزينهم في الآخرة الجزاء المناسب لقبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا.قال الآلوسى: قوله- تعالى-: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ أى: جزاء سيئات أعمالهم التي هي في أنفسها أسوأ، فأفعل للزيادة المطلقة وقيل: إنه- سبحانه- لا يجازيهم بمحاسن أعمالهم كإغاثة الملهوف، وصلة الأرحام. وإكرام الضيف ... لأن هذه الأعمال قد حبطت بسبب كفرهم.. .وقال الجمل في حاشيته: وفي هذا تعريض بمن لا يكون عند سماعه لكلام الله خاضعا خاشعا متفكرا متدبرا. وتهديد ووعيد شديد لمن يصدر عنه عند سماعه ما يشوش على القارئ ويخلط عليه القراءة، فانظر إلى عظمة القرآن المجيد، وتأمل في هذا التغليظ والتشديد، واشهد لمن عظمه وأجل قدره، وألقى إليه السمع وهو شهيد، بالفوز العظيم.. .
( فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي ) يعني بأسوأ الذي ، أي : بأقبح الذي ، ( كانوا يعملون ) في الدنيا وهو الشرك بالله .
قوله تعالى : فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا قد تقدم أن الذوق يكون محسوسا ، ومعنى العذاب الشديد : ما يتوالى فلا ينقطع . وقيل : هو العذاب في جميع أجزائهم . ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون أي ولنجزينهم في الآخرة جزاء قبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا . وأسوأ الأعمال الشرك .
قال الله جل ثناؤه: ( فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بالله من مشركي قريش الذين قالوا هذا القول عذابا شديدا في الآخرة ( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ) يقول: ولنثيبنهم على فعلهم ذلك وغيره من أفعالهم بأقبح جزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا.
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) دلت الفاء على أن ما بعدها مفرع عما قبلها : فإمّا أن يكون تفريعاً على آخِر ما تقدم وهو قوله : { وقَالَ الذينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لهذا القُرآن } [ فصلت : 26 ] الآية ، وإمّا أن يكون مفرعاً على جميع ما تقدم ابتداء من قوله : { وقالوا قلوبنا في أكِنَّة مما تَدْعُونا إليه } [ فصلت : 5 ] الآية وقوله : { فَإِنْ أَعْرضُوا } [ فصلت : 13 ] الآية وقوله : { ويَوْمَ نَحْشر أعداء الله إلى النَّار } [ فصلت : 19 ] الآية وقوله : { وَقَيَّضْنَا لهم قُرَنَاءَ } [ فصلت : 25 ] الآية وقوله : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا } [ فصلت : 26 ] الخ . وعلى كلا الوجهين يتعين أن يكون المراد ب { الَّذِينَ كَفَرُوا } هنا : المشركين الذين الكلام عنهم .ف { الَّذِينَ كَفَرُوا } إظهار في مقام الإِضمار لقصد ما في الموصول من الإِيماء إلى علة إذاقة العذاب ، أي لكفرهم المحكي بعضه فيما تقدم . وإذاقة العذاب : تعذيبُهم ، استعير له الإِذاقة على طريق المكنية والتخييلة . والعذاب الشديد عن ابن عباس : أنه عذاب يوم بدر فهو عذاب الدنيا .وعطف { ولنَجْزِيَنَّهُم أسوَأَ الذي كانُوا يعمَلُونَ } عن ابن عباس : لنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون في الآخرة . و { أسوَأَ الذي كانُوا يعمَلُونَ } منصوب على نزع الخافض . والتقدير : على أسوأ ما كانوا يعملون ، ولك أن تجعله منصوباً على النيابة عن المفعول المطلق تقديره : جزاء مماثلاً أسوأَ الذي كانوا يعملون .وأسوأ : اسم تفضيل مسلوب المفاضلة ، وإنما أريد به السّيىء ، فصيغ بصيغة التفضيل للمبالغة في سوئه . وإضافتُه إلى { الذي كانُوا يعمَلُونَ } من إضافة البعض إلى الكل وليس من إضافة اسم التفضيل إلى المفضل عليه .