ولو شاء ربك لجعل الناس كلهم جماعة واحدة على دين واحد وهو دين الإسلام، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك، فلا يزال الناس مختلفين في أديانهم؛ وذلك مقتضى حكمته.
«ولو شاء ربك لجعل الناس أمَّة واحدة» أهل دين واحد «ولا يزالون مختلفين» في الدين.
يخبر تعالى أنه لو شاء لجعل الناس كلهم أمة واحدة على الدين الإسلامي، فإن مشيئته غير قاصرة، ولا يمتنع عليه شيء، ولكنه اقتضت حكمته، أن لا يزالوا مختلفين، مخالفين للصراط المستقيم, متبعين للسبل الموصلة إلى النار، كل يرى الحق، فيما قاله، والضلال في قول غيره.
يخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة ، من إيمان أو كفران كما قال تعالى : ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ) [ يونس : 99 ] .وقوله : ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ) أي : ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم .قال عكرمة : ( مختلفين ) في الهدى . وقال الحسن البصري : ( مختلفين ) في الرزق ، يسخر بعضهم بعضا ، والمشهور الصحيح الأول .
ثم أخبر- سبحانه- بأن قدرته لا يعجزها شيء فقال: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً.والأمة: القوم المجتمعون على أمر واحد يقتدى فيه بعضهم ببعض، وهذا اللفظ مأخوذ من «أم» بمعنى قصد، لأن كل واحد من أفراد القوم يؤم المجموع ويقصده في مختلف شئونه.ولو شرطية امتناعية، ومفعول فعل المشيئة محذوف والتقدير:ولو شاء ربك- أيها الرسول الكريم الحريص على إيمان قومه- أن يجعل الناس جميعا أمة واحدة مجتمعة على الدين الحق لجعلهم، ولكنه- سبحانه- لم يشأ ذلك، ليتميز الخبيث من الطيب، وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً....وقوله- سبحانه- وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى....
قوله عز وجل : ( ولو شاء ربك لجعل الناس ) كلهم ( أمة واحدة ) على دين واحد . ( ولا يزالون مختلفين ) على أديان شتى من بين يهودي ونصراني ، ومجوسي ، ومشرك .
قوله تعالى : ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة قال سعيد بن جبير : على ملة الإسلام وحدها . وقال الضحاك : أهل دين واحد ، أهل ضلالة أو أهل هدى .ولا يزالون مختلفين أي على أديان شتى ; قاله مجاهد وقتادة .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ولو شاء ربك ، يا محمد ، لجعل الناس كلها جماعة واحدة على ملة واحدة ، ودين واحد، (1) كما:-18699- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) ، يقول: لجعلهم مسلمين كلهم.* * *وقوله: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) ، يقول تعالى ذكره: ولا يزال النَّاس مختلفين ، (إلا من رحم ربك).* * *ثم اختلف أهل التأويل في " الاختلاف " الذي وصف الله الناس أنهم لا يزالون به.فقال بعضهم: هو الاختلاف في الأديان ، فتأويل ذلك على مذهب هؤلاء : ولا يزال الناس مختلفين على أديان شتى ، من بين يهوديّ ونصرانيّ، ومجوسي، ونحو ذلك.وقال قائلو هذه المقالة: استثنى الله من ذلك من رحمهم، وهم أهل الإيمان.*ذكر من قال ذلك :18700- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) ، قال: اليهود والنصارى والمجوس، والحنيفيَّة همُ الذين رحم ربُّك18701- حدثني المثني قال ، حدثنا قبيصة قال ، حدثنا سفيان، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) ، قال: اليهود والنصارى والمجوس .
لمّا كان النعي على الأمم الذين لم يقع فيهم من ينهون عن الفساد فاتّبعوا الإجرام ، وكان الإخبار عن إهلاكهم بأنّه ليس ظلماً من الله وأنهم لو كانوا مصلحين لَمَا أهلكوا ، لمّا كان ذلك كله قد يثير توهّم أن تعاصي الأمم عمّا أراد الله منهم خروج عن قبضة القُدرة الإلهية أعقب ذلك بما يرفع هذا التوهّم بأنّ الله قادر أن يجعلهم أمّة واحدة متفقة على الحق مستمرّة عليه كما أمرهم أن يكونوا .ولكن الحكمة التي أقيم عليها نظامُ هذا العالم اقتضت أن يكون نظام عقول البشر قابلاً للتطوّح بهم في مسلك الضّلالة أو في مسلك الهدى على مبلغ استقامة التفكير والنظر ، والسلامة من حجب الضلالة ، وأن الله تعالى لمّا خلق العقول صالحة لذلك جعل منها قبول الحق بحسب الفطرة التي هي سلامة العقول من عوارض الجهالة والضلال وهي الفطرة الكاملة المشار إليها بقوله تعالى : { كان الناس أمّةً واحدة } ، وتقدّم الكلام عليها في سورة [ البقرة : 213 ]. لم يدّخرهم إرشاداً أو نصحاً بواسطة الرُّسُل ودعاة الخير ومُلقّنيه من أتباع الرسل ، وهم أولو البقية الذين ينهون عن الفساد في الأرض ، فمن الناس مهتد وكثير منهم فَاسِقُونَ ولو شاء لَخلق العقولَ البشرية على إلهام متّحد لا تَعْدوه كما خلق إدراك الحيوانات العُجم على نظام لا تتخطّاه من أوّل النشأة إلى انقضاء العالم ، فنجد حال البعير والشّاة في زمن آدم عليه السّلام كحالهما في زماننا هذا ، وكذلك يكون إلى انقراض العالم ، فلا شكّ أن حكمة الله اقتضت هذا النظام في العقل الإنساني لأنّ ذلك أوفى بإقامة مراد الله تعالى من مساعي البشر في هذه الحياة الدنيا الزائلة المخلوطة ، لينتقلوا منها إلى عالم الحياة الأبديّة الخالصة إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، فلو خلق الإنسان كذلك لما كان العمل الصالح مقتضياً ثواب النعيم ولا كان الفساد مقتضياً عقاب الجحيم ، فلا جرم أنّ الله خلق البشر على نظام من شأنه طريان الاختلاف بينهم في الأخور ، ومنها أمر الصلاح والفساد في الأرض وهو أهمّها وأعظمها ليتفاوت الناس في مدارج الارتقاء ويَسْموا إلى مراتب الزلفى فتتميز أفراد هذا النوع في كل أنحاء الحياة حتى يعد الواحد بألف { ليميز اللّهُ الخبيث من الطيب } [ الأنفال : 37 ].وهذا وجه مناسبة عطف جملة { وتمّت كلمة ربك لأملأنّ جهنم من الجِنة والناس أجمعين } على جملتي { ولا يزالون مختلفين } { ولذلك خلقهم }.ومفعول فعل المشيئة محذوف لأنّ المراد منه ما يُساوي مضمون جواب الشرط فحُذف إيجازاً . والتقدير : ولو شاء ربك أن يجعل الناس أمّة واحدة لجعلهم كذلك .والأمّة : الطائفة من الناس الذين اتّحدوا في أمر من عظائم أمور الحياة كالموطن واللّغة والنّسب والدّين .وقد تقدمت عند قوله تعالي : { كان الناس أمّةً واحدةً } في سورة [ البقرة : 213 ]. فتفسر الأمّة في كل مقام بما تدل عليه إضافتها إلى شيء من أسباب تكوينها كما يقال : الأمّة العربيّة والأمّة الإسلاميّة .ومعنى كونها واحدة أن يكون البشر كلّهم متّفقين على اتّباع دين الحق كما يدل عليه السياق ، فآل المعنى إلى : لو شاء ربك لجعل الناس أهل ملّة واحدة فكانوا أمّة واحدة من حيث الدّين الخالص .وفهم من شرط ( لو ) أنّ جعلهم أمّة واحدة في الدّين منتفية ، أي منتف دوامها على الوحدة في الدّين وإنْ كانوا قد وُجدوا في أوّل النشأة متّفقين فلم يلبثوا حتّى طرأ الاختلاف بينَ ابنيْ آدم عليه السّلام لقوله تعالى : { كان النّاس أمّة واحدة } [ البقرة : 213 ] وقوله : { وما كان النّاس إلاّ أمّةً واحدةً فاختلفوا } في سورة [ يونس : 19 ] ؛ فعلم أنّ الناس قد اختلفوا فيما مضى فلم يكونوا أمّة واحدة ، ثم لا يدري هل يؤول أمرهم إلى الاتّفاق في الدّين فأعقب ذلك بأنّ الاختلاف دائم بينهم لأنّه من مقتضى ما جُبِلت عليه العقول .