سورة هود: الآية 48 - قيل يا نوح اهبط بسلام...

تفسير الآية 48, سورة هود

قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَٰمٍ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ

الترجمة الإنجليزية

Qeela ya noohu ihbit bisalamin minna wabarakatin AAalayka waAAala omamin mimman maAAaka waomamun sanumattiAAuhum thumma yamassuhum minna AAathabun aleemun

تفسير الآية 48

قال الله: يا نوح اهبط من السفينة إلى الأرض بأمن وسلامة منَّا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك. وهناك أمم وجماعات من أهل الشقاء سنمتعهم في الحياة الدنيا، إلى أن يبلغوا آجالهم، ثم ينالهم منا العذاب الموجع يوم القيامة.

«قيل يا نوح اهبط» انزل من السفينة «بسلام» بسلامة أو بتحية «منا وبركات» خيرات «عليك وعلى أمم ممن معك» في السفينة أي من أولادهم وذريتهم وهم المؤمنون «وأمم» بالرفع ممن معك «سنمتعهم» في الدنيا «ثم يَمَسُّهم منا عذاب أليم» في الآخرة وهم الكفار.

قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ من الآدميين وغيرهم من الأزواج التي حملها معه، فبارك الله في الجميع، حتى ملأوا أقطار الأرض ونواحيها. وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ في الدنيا ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ أي: هذا الإنجاء، ليس بمانع لنا من أن من كفر بعد ذلك، أحللنا به العقاب، وإن متعوا قليلا، فسيؤخذون بعد ذلك.

يخبر تعالى عما قيل لنوح ، عليه السلام ، حين أرست السفينة على الجودي ، من السلام عليه ، وعلى من معه من المؤمنين ، وعلى كل مؤمن من ذريته إلى يوم القيامة ، كما قال محمد بن كعب : دخل في هذا السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة ، وكذلك في العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة .وقال محمد بن إسحاق : ولما أراد أن يكف الطوفان أرسل ريحا على وجه الأرض ، فسكن الماء ، وانسدت ينابيع الأرض الغمر الأكبر وأبواب السماء ،يقول الله تعالى : ( وقيل يا أرض ابلعي ماءك ) [ ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين ] ) فجعل الماء ينقص ويغيض ويدبر ، وكان استواء الفلك على الجودي ، فيما يزعم أهل التوراة ، في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مضت منه ، وفي أول يوم من الشهر العاشر ، رئي رءوس الجبال . فلما مضى بعد ذلك أربعون يوما ، فتح نوح كوة الفلك التي ركب فيها ، ثم أرسل الغراب لينظر له ما صنع الماء ، فلم يرجع إليه . فأرسل الحمامة فرجعت إليه ، لم تجد لرجليها موضعا ، فبسط يده للحمامة فأخذها فأدخلها . ثم مضى سبعة أيام ، ثم أرسلها لتنظر له . فرجعت حين أمست ، وفي فيها ورق زيتون فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الأرض . ثم مكث سبعة أيام ، فلم ترجع ، فعلم نوح أن الأرض قد برزت ، فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوح الحمامة ، ودخل يوم واحد من الشهر الأول من سنة اثنتين ، برز وجه الأرض ، وظهر اليبس وكشف نوح غطاء الفلك ورأى وجه الأرض ، وفي الشهر الثاني من سنة اثنتين ، في سبع وعشرين ليلة منه ( قيل يا نوح اهبط بسلام منا ) [ وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ] ) [ إلى آخر ] الآية .

ثم بشر- سبحانه- نبيه نوحا- عليه السلام- بقبول توبته فقال: قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا، وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ...والسلام: التحية المقرونة بالأمان والاطمئنان، وأصله السلامة، والباء فيه للمصاحبة والبركات. جمع بركة وهي ثبوت الخير ونماؤه وزيادته، واشتقاقها من البرك، وهو صدر البعير. يقال: برك البعير إذا ألقى بركه أى صدره على الأرض وثبت. ومنه البركة لثبوت الماء فيها.والأمم: جمع أمة، وهي الجماعة الكثيرة من الناس، يجمعها نسب واحد أو لغة واحدة، أو موطن واحد.أى: قال الله- تعالى- مبشرا نوحا- عليه السلام- بقبول توبته: يا نوح اهبط من السفينة مصحوبا منا بالأمان مما تكره، وبالخيرات النامية والنعم الثابتة عليك، وعلى أمم متشعبة ومتفرعة وناشئة من الأمم المؤمنة التي ستهبط معك، بعد أن أنجاكم الله- تعالى-بفضله ورحمته من العذاب، الذي حل بالكافرين من قومك.وكان مقتضى الظاهر أن يقال: قال يا نوح اهبط بسلام.. ولكن جاء التعبير بقيل، مسايرة للتعبيرات السابقة في أجزاء القصة، مثل قوله- سبحانه- وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ.. وقوله: وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.وقوله اهْبِطْ بِسَلامٍ.. فيه إشارة إلى أنه كان قبل الهبوط في ضيافة الله ورعايته، وأنه لولا عناية الله به وبمن معه من المؤمنين، لما نجت السفينة من ذلك الطوفان العظيم.والتعبير بقوله مِنَّا لزيادة التكريم، وتأكيد السلام. أى: انزل بسلام ناشئ من عندنا، وليس من عند غيرنا لأن كل سلام من غيرنا لا قيمة له بجانب سلامنا.وقوله عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ متعلق بسلام وبركات.وفي هذا إشارة إلى أنه- سبحانه- سيجعل من ذرية نوح ومن ذرية من معه من المؤمنين، أمما كثيرة تكون محل كرامة الله وأمانه وبركاته.وقوله- سبحانه- وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ كلام مستأنف مسوق للاحتراز والتحذير من سوء عاقبة المخالفة لأمر الله.أى: أن الأمم التي تكون من نسلك ومن نسل أتباعك يا نوح على قسمين: قسم منهم له منا السلام، وعليه البركات بسبب إيمانه وعمله الصالح.وقسم آخر سنمتعه في الدنيا وبالكثير من زينتها وخيراتها، ثم يصيبه يوم القيامة عذاب أليم بسبب جحوده لنعمنا، وعصيانه لرسلنا.فعلى كل عاقل أن يجتهد في أن يكون من القسم الأول، وأن يتجنب القسم الثاني.

( قيل يا نوح اهبط ) انزل من السفينة ، ( بسلام منا ) أي بأمن وسلامة منا ، ( وبركات عليك ) البركة هي : ثبوت الخير ، ومنه : بروك البعير . وقيل : البركة هاهنا هي : أن الله تعالى جعل ذريته هم الباقين إلى يوم القيامة ، ( وعلى أمم ممن معك ) أي : على ذرية أمم ممن كان معك في السفينة ، يعني على قرون تجيء من بعدك ، من ذرية من معك ، من ولدك وهم المؤمنون ، قال محمد بن كعب القرظي : دخل فيه كل مؤمن إلى قيام الساعة ( وأمم سنمتعهم ) هذا ابتداء ، أي : أمم سنمتعهم في الدنيا ، ( ثم يمسهم منا عذاب أليم ) وهم الكافرون وأهل الشقاوة .

قوله تعالى : قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليمقوله تعالى : قيل يا نوح اهبط بسلام منا أي قالت له الملائكة ، أو قال الله تعالى له : اهبط من السفينة إلى الأرض ، أو من الجبل إلى الأرض ; فقد ابتلعت الماء وجفت . بسلام منا أي بسلامة وأمن . وقيل : بتحية .وبركات عليك أي نعم ثابتة ; مشتق من بروك الجمل وهو ثبوته وإقامته . ومنه البركة لثبوت الماء فيها . وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : ( نوح آدم الأصغر ) ، فجميع الخلائق الآن من نسله ، ولم يكن معه في السفينة من الرجال والنساء إلا من كان من ذريته ; على قول قتادة وغيره ، حسب ما تقدم ; وفي التنزيل وجعلنا ذريته هم الباقين .وعلى أمم ممن معك قيل : دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم القيامة . ودخل في قوله وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم كل كافر إلى يوم القيامة ; روي ذلك عن محمد بن كعب . والتقدير على هذا : وعلى ذرية أمم ممن معك ، وذرية أمم سنمتعهم . وقيل : " من " للتبعيض ، وتكون لبيان الجنس . " وأمم سنمتعهم " ارتفع و " أمم " على معنى وتكون أمم . قال الأخفش سعيد كما تقول : كلمت زيدا وعمرو جالس . وأجاز الفراء في غير القراءة وأمما ، وتقديره : ونمتع أمما . وأعيدت " على " مع " أمم " لأنه معطوف على الكاف من " عليك " وهي ضمير المجرور ، ولا يعطف على ضمير المجرور إلا بإعادة الجار على قول سيبويه وغيره . وقد تقدم في " النساء " بيان هذا مستوفى في قوله تعالى : واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام بالخفض . والباء في قوله : " بسلام " متعلقة بمحذوف ; لأنها في موضع الحال ; أي اهبط مسلما عليك . و " منا " في موضع جر متعلق بمحذوف ; لأنه نعت للبركات . وعلى أمم متعلق بما تعلق به " عليك " ; لأنه أعيد من أجل المعطوف على الكاف . و " من " في قوله : ممن معك متعلق بمحذوف ; لأنه في موضع جر نعت للأمم . و " معك " متعلق بفعل محذوف ; لأنه صلة ل " من " أي ممن استقر معك ، أو آمن معك ، أو ركب معك .

القول في تأويل قوله تعالى : قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: يا نوح، اهبط من الفلك إلى الأرض (15)(بسلام منا) ، يقول: بأمن منا أنت ومن معك من إهلاكنا (16) ، (وبركات عليك) ، يقول: وببركات عليك (17) ، (وعلى أمم ممن معك) ، يقول: وعلى قرون تجيء من ذرية من معك من ولدك. فهؤلاء المؤمنون من ذرية نوح الذين سبقت لهم من الله السعادة ، وبارك عليهم قبل أن يخلقهم في بطون أمهاتهم وأصلاب آبائهم. ثم أخبر تعالى ذكره نوحًا عما هو فاعل بأهل الشقاء من ذريته، فقال له: (وأمم) ، يقول: وقرون وجماعة (18) ، (سنمتعهم) في الحياة في الدنيا ، يقول: نرزقهم فيها ما يتمتعون به إلى أن يبلغوا آجالهم (19) ، (ثم يمسهم منا عذاب أليم) ، يقول: ثم نذيقهم إذا وردوا علينا عذابًا مؤلمًا موجعًا. (20)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:18250- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي: (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك) ، إلى آخر الآية، قال: دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة ، ودخل في ذلك العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة.18251- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي: (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك)، قال: دخل في الإسلام كل مؤمن ومؤمنة، وفي الشرك كل كافر وكافرة. (21)18252- حدثني المثني قال ، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك ، قراءةً عن ابن جريج: (وعلى أمم ممن معك) ، يعني : ممن لم يولد. قد قضى البركات لمن سبق له في علم الله وقضائه السعادة ، (وأمم سنمتعهم) ، من سبق له في علم الله وقضائه الشِّقوة. (22)18253- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج بنحوه ، إلا أنه قال: (وأمم سنمتعهم) ، متاع الحياة الدنيا، ممن قد سبق له في علم الله وقضائه الشقوة. قال: ولم يهلك الوَلَد يوم غرق قوم نُوح بذنب آبائهم ، كالطير والسباع، ولكن جاء أجلهم مع الغرق.18254- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم) ، قال: هبطوا والله عنهم راض، هبطوا بسلام من الله. كانوا أهل رحمة من أهل ذلك الدهر، ثم أخرج منهم نسلا بعد ذلك أممًا، منهم من رحم، ومنهم من عذب. وقرأ: (وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم) ، وذلك إنما افترقت الأمم من تلك العصابة التي خرجت من ذلك الماء وسلمت.18255- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك) ، الآية، يقول: بركات عليك وعلى أمم ممن معك لم يولدوا، أوجب الله لهم البركات لما سبق لهم في علم الله من السعادة ، (وأمم سنمتعهم) ، يعني: متاع الحياة الدنيا ، (ثم يمسهم منا عذاب أليم) ، لما سبق لهم في علم الله من الشقاوة.18256- حدثني المثني قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا حماد، عن حميد، عن الحسن: أنه كان إذا قرأ " سورة هود "، فأتى على: (يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك) ، حتى ختم الآية، قال الحسن: فأنجى الله نوحًا والذين آمنوا، وهلك المتمتعون ! حتى ذكر الأنبياء كل ذلك يقول: أنجاه الله وهلك المتمتعون.18257- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) ، قال: بعد الرحمة.18258- حدثنا العباس بن الوليد قال، أخبرني أبي قال، اخبرنا عبد الله بن شوذب قال، سمعت داود بن أبي هند يحدث ، عن الحسن : أنه أتى على هذه الآية: (اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) ، قال: فكان ذلك حين بعث الله عادًا، فأرسل إليهم هودًا، فصدقه مصدقون ، وكذبه مكذبون ، حتى جاء أمر الله . فلما جاء أمر الله نجّى الله هودًا والذين آمنوا معه، وأهلك الله المتمتعين، ثم بعث الله ثمود، فبعث إليهم صالحًا، فصدقه مصدقون وكذبه مكذبون، حتى جاء أمر الله . فلما جاء أمر الله نجى الله صالحًا والذين آمنوا معه وأهلك الله المتمتعين. ثم استقرأ الأنبياء نبيًّا نبيًّا ، على نحو من هذا.-------------------------الهوامش :(15) انظر تفسير " الهبوط " فيما سلف 12 : 329 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .(16) انظر تفسير " السلام " فيما سلف من فهارس اللغة ( سلم ) .(17) في المطبوعة والمخطوطة : " وبركات عليه " ، مرة أخرى ، ولم يفسرها أيضًا ، فإن لم يكن سقط من التفسير شيء ، فالصواب ما أثبت بزيادة الباء ، دلالة على العطف على ما قبله .(18) انظر تفسير " الأمة " فيما سلف ص : 252 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .(19) انظر تفسير " المتاع " فيما سلف من فهارس اللغة ( متع ) .(20) انظر تفسير " المس " فيما سلف ص : 256 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .(21) في المطبوعة : " دخل في السلام " ، غير ما في المخطوطة ، وأساء .(22) في المطبوعة " الشقاوة " ، وأثبت ما في المخطوطة ، هنا وفي سائر المواضع الآتية .

فصلت الجملة ولم تعطف لوقوعها في سياق المحاورة بين نوح عليه السّلام وربّه ، فإنّ نوحاً عليه السّلام لما أجاب بقوله : { ربّ إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم } [ هود : 47 ] إلى آخره خاطبه ربه إتماماً للمحاورة بما يسكّن جأشهُ .وكان مقتضى الظاهر أن يقول : قال يا نوح اهبط ، ولكنه عدل عنه إلى بناء الفعل للنائب ليجيء على وتيرة حكاية أجزاء القصة المتقدمة من قوله : { وقيل يا أرض ابلعي . . . وقيل بعداً للقوم الظالمين } [ هود : 44 ] فحصل بذلك البناء قضاء حق الإشارة إلى جزء القصة ، كما حصل بالفصل قضاء حق الإشارة إلى أن ذلك القول جزء المحاورة .ونداء نوح عليه السّلام للتنويه به بين الملأ .والهبوط : النزول . وتقدم في قوله : { اهبطوا مصراً } في سورة [ البقرة : 61 ]. والمراد : النزول من السفينة لأنّها كانت أعلى من الأرض .والسّلام : التحيّة ، وهو مما يخاطب بها عند الوداع أيضاً ، يقولون : اذهب بسلام ، ومنه قول لبيد: ... إلى الحول ثم اسْم السلام عليكماوخطابه بالسلام حينئذٍ إيماء إلى أنه كان في ضيافة الله تعالى لأنه كان كافلاً له النجاة ، كما قال تعالى : { وحملناه على ذَات ألواححٍ ودُسرٍ تجري بأعيننا } [ القمر : 13 ، 14 ].وأصْل السّلام : السّلامة ، فاستعمل عند اللقاء إيذاناً بتأمين المرء ملاقيه وأنّه لا يضمر له سوءاً ، ثم شاع فصار قولاً عند اللقاء للإكرام . وبذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم الذين قالوا : السّلام على الله ، فقوله هنا : { اهبط بسلام } نظير قوله : { ادخلوها بسلام آمنين } [ الحجر : 46 ] فإن السلام ظاهر في التحية لتقييده ب ( آمنين ). ولو كان السّلام مراداً به السلامة لكان التقييد ب ( آمنين ) توكيداً وهو خلاف الأصل .و { منا } تأكيد لتوجيه السّلام إليه لأنّ ( من ) ابتدائية ، فالمعنى : بسلام ناشىء من عندنا ، كقوله : { سلامٌ قولاً من رببٍ رحيمٍ } [ يس : 58 ]. وذلك كثير في كلامهم . وهذا التأكيد يراد به زيادة الصلة والإكرام فهو أشدُّ مبالغة من الذي لا تذكر معه ( من ).والباء للمصاحبة ، أي اهبط مصحوباً بسلام منّا . ومصاحبة السّلام الذي هو التّحية مصاحبة مجازية .والبركات : الخيرات النامية ، واحدتها بركة ، وهي من كلمات التحية مستعملة في الدعاء .ولما كان الداعون بلفظ التحيّة إنما يسألون الله بدعاء بعضهم لبعض فصدور هذا الدعاء من لدنه قائم مقام إجابة الدعاء فهو إفاضة بركات على نوح عليه السّلام ومن معه ، فحصل بذلك تكريمهم وتأمينهم والإنعام عليهم .و ( عليك ) يتعلق ( بسلام ) و ( بركات ) وكذلك { وعلى أُمم ممن معك }.والأمم : جمع أمة . والأمة : الجماعة الكثيرة من الناس التي يَجمعها نسب إلى جدّ واحد . يقال : أمّة العرب ، أو لغةٌ مثل أمة الترك ، أو موطن مثل أمة أمريكا ، أو دين مثل الأمة الإسلامية ، ف { أمم } دال على عدد كثير من الأمم يكون بعد نوح عليه السّلام .وليس الذين ركبوا في السفينة أمماً لقلة عددهم لقوله : { وما آمن معه إلاّ قليل } [ هود : 40 ]. وتنكير { أمم } لأنّه لم يقصد به التعميم تمهيداً لقوله : { وأمم سنمتعهم }.و ( مِن ) في { ممّن معك } ابتدائية ، و ( مَن ) الموصولة صادقة على الذين ركبوا مع نوح عليه السّلام في السفينة . ومنهم ابناؤه الثلاثة . فالكلام بشارة لنوح عليه السّلام ومن معه بأن الله يجعل منهم أمماً كثيرة يكونون محلّ كرامته وبركاته . وفيه إيذان بأن يجعل منهم أمماً بخلاف ذلك ، ولذلك عطف على هذه الجملة قوله : { وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم }.وهذا النظم يقتضي أن الله بدأ نوحاً بالسلام والبركات وشرّك معه فيهما أمماً ناشئين ممن هم معه ، وفيهم الناشئون من نوح عليه السلام لأن في جملة من معه أبناءه الثلاثة الذين انحصر فيهم نسله من بعده . فتعين أن الذين معه يشملهم السلام والبركات بادىء بدء قبل نسلهم إذ عُنون عنهم بوصف معية نوح عليه السّلام تنبيهاً على سبب كرامتهم . وإذ كان التنويه بالناشئين عنهم إيماء إلى أن اختصاصهم بالكرامة لأجل كونهم ناشئين عن فئة مكرمة بمصاحبة نوح عليه السّلام ، فحصل تنويه نوح عليه السّلام وصحبته ونسلهم بطريق إيجاز بديع .وجملة { وأمم سنمتعهم } إلخ ، عطف على جملة { اهبط بسلام منا } إلى آخرها ، وهي استئناف بياني لأنّها تبيين لما أفاده التنكير في قوله : { وعلى أمم ممن معك } من الاحتراز عن أمم آخرين . وهذه الواو تسمى استينافية وأصلها الواو العاطفة وبعضهم يرجعها إلى الواو الزائدة ، ويجوز أن تكون الواو للتقسيم ، والمقصود : تحذير قوم نوح من اتباع سبيل الذين أغرقوا ، والمقصود من حكاية ذلك في القرآن التعريض بالمشركين من العرب فإنهم من ذريّة نوح ولم يتبعوا سبيل جدّهم ، فأشعروا بأنّهم من الأمم التي أنبأ الله نوحاً بأنه سيمتعهم ثم يمسهم عذاب أليم . ونظير هذا قوله تعالى : { ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً } [ الإسراء : 3 ] أي وكان المتحدث عنهم غير شاكرين للنعمة .وإطلاق المس على الإصابة القوية تقدّم عند قوله تعالى : { وإن يمسسك الله بضرّ فلا كاشف له إلاّ هو } في [ الأنعام : 17 ].وذكر { منا } مع { يمسهم } لمقابلة قوله في ضدّه { بسلام منا } ليعلموا أنّ ما يصيب الأمة من الأحوال الزائدة على المعتاد في الخير والشر هو إعلام من الله بالرضى أو الغضب لئلا يحسبوا ذلك من سنة ترتب المسببّات العادية على أسبابها ، إذ من حق الناس أن يتبصروا في الحوادث ويتوسّموا في جريان أحوالهم على مراد الله تعالى منهم ويعلموا أن الله يخاطبهم بدلالة الكائنات عند انقطاع خطابه إياهم على ألْسنة الرسل ، فإنّ الرسل يبينون لهم طرق الدلالة ويكلون إليهم النظر في وضع المدلولات عند دلالاتها . ومثاله ما هنا فقد بيّن لهم على لسان نوح عليه السّلام أنّه يمتع أمماً ثم يمسهم عذاب أليم بما يصنعون .
الآية 48 - سورة هود: (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ۚ وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم...)