سورة ابراهيم: الآية 19 - ألم تر أن الله خلق...

تفسير الآية 19, سورة ابراهيم

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ

الترجمة الإنجليزية

Alam tara anna Allaha khalaqa alssamawati waalarda bialhaqqi in yasha yuthhibkum wayati bikhalqin jadeedin

تفسير الآية 19

ألم تعلم أيها المخاطب -والمراد عموم الناس- أن الله أوجد السموات والأرض على الوجه الصحيح الدال على حكمته، وأنه لم يخلقهما عبثًا، بل للاستدلال بهما على وحدانيته، وكمال قدرته، فيعبدوه وحده، ولا يشركوا به شيئًا؟ إن يشأ يذهبكم ويأت بقوم غيركم يطيعون الله.

«ألم تر» تنظر يا مخاطب استفهام تقرير «أن الله خلق السماوات والأرض بالحق» متعلق بخلق «إن يشأ يذهبكم» أيها الناس «ويأت بخلق جديد» بدلكم.

ينبه تعالى عباده بأنه خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقَّ أي: ليعبده الخلق ويعرفوه، ويأمرهم وينهاهم وليستدلوا بهما وما فيهما على ما له من صفات الكمال، وليعلموا أن الذي خلق السماوات والأرض -على عظمهما وسعتهما- قادر على أن يعيدهم خلقا جديدا، ليجازيهم بإحسانهم وإساءتهم، وأن قدرته ومشيئته لا تقصر عن ذلك ولهذا قال: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ يحتمل أن المعنى: إن يشأ يذهبكم ويأت بقوم غيركم يكونون أطوع لله منكم، ويحتمل أن المراد أنه: إن يشأ يفنيكم ثم يعيدهم بالبعث خلقا جديدا، ويدل على هذا الاحتمال ما ذكره بعده من أحوال القيامة.

يقول تعالى مخبرا عن قدرته على معاد الأبدان يوم القيامة ، بأنه خلق السموات والأرض التي هي أكبر من خلق الناس ، أفليس الذي قدر على خلق هذه السموات ، في ارتفاعها واتساعها وعظمتها وما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات ، والحركات المختلفات ، والآيات الباهرات ، وهذه الأرض بما فيها من مهاد ووهاد وأوتاد ، وبراري وصحاري وقفار ، وبحار وأشجار ، ونبات وحيوان ، على اختلاف أصنافها ومنافعها ، وأشكالها وألوانها; ( أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير ) [ الأحقاف : 33 ] ، وقال تعالى : ( أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ) [ يس : 77 - 83 ] .وقوله : ( إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد)

ثم بين- سبحانه- بعد ذلك، بعض مظاهر قدرته التي لا يعجزها شيء فقال- تعالى-: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ .والخطاب في قوله أَلَمْ تَرَ ... لكل من يصلح له بدون تعيين. والاستفهام للتقرير.والرؤية مستعملة في العلم الناشئ عن النظر والتفكير والتأمل في ملكوت السموات والأرض.قال الآلوسى ما ملخصه: قوله- تعالى- أَلَمْ تَرَ ... هذا التعبير قد يذكر لمن تقدم علمه فيكون للتعجب، وقد يذكر لمن لا يكون كذلك، فيكون لتعريفه وتعجيبه، وقد اشتهر في ذلك حتى أجرى مجرى المثل في هذا الباب، بأن شبه من لم ير الشيء بحال من رآه في أنه لا ينبغي أن يخفى عليه، وأنه ينبغي أن يتعجب منه، ثم أجرى الكلام معه، كما يجرى مع من رأى، قصدا إلى المبالغة في شهرته وعراقته في التعجب ... » .والمعنى ألم تعلم- أيها العاقل- أن الله- تعالى- خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ. أى: خلقهما بالحكمة البالغة المنزهة عن العبث، وبالوجه الصحيح الذي تقتضيه إرادته، وهو- سبحانه- إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أى- يهلككم أيها الناس وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ سواكم، لأن القادر على خلق السموات والأرض وما فيهما من أجرام عظيمة، يكون على خلق غيرهما أقدر، كما قال- تعالى- لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ... .

( ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض ) قرأ حمزة ، والكسائي " خالق السماوات والأرض " وفي سورة النور " خالق كل دابة " مضافا .وقرأ الآخرون " خلق " على الماضي " والأرض " وكل بالنصب .و " بالحق " أي : لم يخلقهما باطلا وإنما خلقهما لأمر عظيم ( إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ) سواكم أطوع لله منكم .

قوله تعالى : ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق الرؤية هنا رؤية القلب ; لأن المعنى : ألم ينته علمك إليه . وقرأ حمزة والكسائي خالق السماوات والأرض . ومعنى " بالحق " ليستدل بها على قدرته .إن يشأ يذهبكم أيها الناس ; أي هو قادر على الإفناء كما قدر على إيجاد الأشياء ; فلا تعصوه فإنكم إن عصيتموه يذهبكم ويأت بخلق جديد أفضل وأطوع منكم ; إذ لو كانوا مثل الأولين فلا فائدة في الإبدال .

قال أبو جعفر : يقول عز ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تر ، يا محمد ، بعين قلبك ، (1) فتعلم أن الله أنشأ السماوات والأرض بالحق منفردًا بإنشائها بغير ظهير ولا مُعين ( إن يشأ يذهبكم ويَأت بخلق جديد ) ، يقول: إن الذي تفرد بخلق ذلك وإنشائه من غير معين ولا شريك ، إن هو شاء أن يُذْهبكم فيفنيكم ، أذهبكم وأفناكم ، (2) ويأتِ بخلق آخر سواكم مكانكم ، فيجدِّد خلقهم .-----------------------الهوامش :(1) انظر تفسير " الرؤية " فيما سلف 5 : 485 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .(2) انظر تفسير " الإذهاب " فيما سلف 14 : 161 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

استئناف بياني ناشىء عن جملة { فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين } فإن هلاك فئة كاملة شديدة القوة والمرة أمر عجيب يثير في النفوس السؤال : كيف تهلك فئة مثل هؤلاء ؟؟ فيجاب بأن الله الذي قدر على خلق السماوات والأرض في عظمتها قادر على إهلاك ما هو دونها ، فمبدأ الاستئناف هو قوله : { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد }.وموقع جملة { ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق } موقع التعليل لجملة الاستئناف ، قدم عليها كما تجعل النتيجة مقدمة في الخطابة والجِدال على دليلها . وقد بيناه في كتاب «أصول الخطابة» .ومناسبة موقع هذا الاستئناف ما سبقه من تفرق الرماد في يوم عاصف .والخطاب في { ألم تر } لكل من يصلح للخطاب غير معيّن ، وكل مَن يظن به التساؤل عن إمكان إهلاك المشركين .والرؤية : مستعملة في العلم الناشىء عن النظر والتأمل ، لأن السماوات والأرض مشاهدة لكل ناظر ، وأما كونها مخلوقة لله فمحتاج إلى أقل تأمل لسهولة الانتقال من المشاهدة إلى العلم ، وأما كون ذلك ملتبساً بالحق فمحتاج إلى تأمل عميق . فلمّا كان أصل ذلك كله رؤية المخلوقات المذكورة علق الاستدلال على الرؤية ، كقوله تعالى : { قل انظروا ماذا في السماوات والأرض } [ سورة إبراهيم : 101 ].والحق هنا : الحكمة ، أي ضد العبث ، بدليل مقابلته به في قوله تعالى : { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون } [ سورة الدخان : 38 ، 39 ].وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلَف خلق السموات والأرض } بصيغة اسم الفاعل مضاف إلى { السموات } وبخفض { والأرض }.والخطاب في { يذهبكم } لجماعة من جملتهم المخاطب ب { ألم تر }. والمقصود : التعريض بالمشركين خاصة ، تأكيداً لوعيدهم الذي اقتضاه قوله : { لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم } ، أي إن شاء أعدم الناس كلهم وخلق ناساً آخرين .وقد جيء في الاستدلال على عظيم القدرة بالحكم الأعم إدماجاً للتعليم بالوعيد وإظهاراً لعظيم القدرة . وفيه إيماء إلى أنه يذهب الجبابرة المعاندين ويأتي في مكانهم في سيادة الأرض بالمؤمنين ليمكنهم من الأرض .
الآية 19 - سورة ابراهيم: (ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق ۚ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد...)