سورة مريم: الآية 67 - أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه...

تفسير الآية 67, سورة مريم

أَوَلَا يَذْكُرُ ٱلْإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَٰهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْـًٔا

الترجمة الإنجليزية

Awala yathkuru alinsanu anna khalaqnahu min qablu walam yaku shayan

تفسير الآية 67

كيف نسي هذا الإنسان الكافر نفسه؟ أولا يَذْكُر أنا خلقناه أول مرة، ولم يكُ شيئًا موجودًا؟

«أولا يَذكرُ الإنسان» أصله يتذكر أبدلت التاء ذالا وأدغمت في الذال وفي قراءة تركها وسكون الذال وضم الكاف «أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا» فيستدل بالابتداء على الإعادة.

ذكر تعالى برهانا قاطعا، ودليلا واضحا، يعرفه كل أحد على إمكان البعث فقال: أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا أي: أو لا يلفت نظره، ويستذكر حالته الأولى، وأن الله خلقه أول مرة، ولم يك شيئا، فمن قدر على خلقه من العدم، ولم يكن شيئا، مذكورا، أليس بقادر على إنشائه بعد ما تمزق، وجمعه بعد ما تفرق؟ وهذا كقوله: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وفي قوله: أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ دعوة للنظر، بالدليل العقلي، بألطف خطاب، وأن إنكار من أنكر ذلك، مبني على غفلة منه عن حاله الأولى، وإلا فلو تذكرها وأحضرها في ذهنه، لم ينكر ذلك.

يستدل ، تعالى ، بالبداءة على الإعادة ، يعني أنه تعالى قد خلق الإنسان ولم يك شيئا ، أفلا يعيده وقد صار شيئا ، كما قال تعالى : ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) [ الروم : 27 ] ، وفي الصحيح : " يقول الله تعالى : كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني ، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني ، أما تكذيبه إياي فقوله : لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول الخلق بأهون علي من آخره ، وأما أذاه إياي فقوله : إن لي ولدا ، وأنا الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " .

وقد رد الله- تعالى- عليهم بما يبطل قولهم، ويخرس ألسنتهم فقال: أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً.والاستفهام للتوبيخ والتقريع، والواو للعطف على مقدر.والمعنى: أيقول هذا الإنسان ذلك القول الباطل، ولا يتذكر أننا أوجدناه بقدرتنا من العدم ولم يكن شيئا مذكورا، ومن المعروف عند العقلاء، أن إعادة الإنسان إلى الحياة بعد وجوده، أيسر من إيجاده من العدم.فالآية الكريمة ترد على كل جاحد للبعث بدليل منطقي برهاني، يهدى القلوب إلى الحق، ويقنع العقول بأن البعث حق وصدق.وفي معنى هذه الآية الكريمة جاءت آيات أخرى كثيرة منها قوله- تعالى- وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ، قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ.. .وقوله- سبحانه-: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ .قال الإمام ابن كثير: «وفي الحديث الصحيح- الذي يرويه النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ربه:«يقول الله- تعالى- كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني. أما تكذيبه لي فقوله: لن يعيدني كما بدأنى، وليس أول الخلق أهون على من آخره.وأما أذاه إياى فقوله: «إن لي ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» .

قال الله عز وجل ( أولا يذكر ) أي يتذكر ويتفكر وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب " يذكر " خفيفا ( الإنسان ) يعني : أبي بن خلف ( أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ) أي : لا يتفكر هذا الجاحد في بدء خلقه فيستدل به على الإعادة ثم أقسم بنفسه فقال :

قوله تعالى : أولا يذكر الإنسان أي أولا يذكر هذا القائل أنا خلقناه من قبل أي من قبل سؤاله وقوله هذا القول ولم يك شيئا فالإعادة مثل الابتداء فلم يناقض وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما وأهل مكة وأبو عمر وأبو جعفر ( أولا يذكر ) وقرأ شيبة ونافع وعاصم ( أولا يذكر ) بالتخفيف . والاختيار التشديد وأصله يتذكر لقوله تعالى : إنما يتذكر أولو الألباب وأخواتها . وفي حرف أبي ( أولا يتذكر ) وهذه القراءة على التفسير لأنها مخالفة لخط المصحف : ومعنى ( يتذكر ) يتفكر ومعنى يذكر يتنبه ويعلم قاله النحاس .

يقول الله تعالى ذكره: ( أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ ) المتعجب من ذلك المنكر قدرة الله على إحيائه بعد فنائه، وإيجاده بعد عدمه في خلق نفسه، أن الله خلقه من قبل مماته، فأنشأه بشرًّا سويا من غير شيء ( وَلَمْ يَكُ ) من قبل إنشائه إياه (شَيْئًا) فيعتبر بذلك ويعلم أن من أنشأه من غير شيء لا يعجز عن إحيائه بعد مماته، وإيجاده بعد فنائه.وقد اختلفت القراء في قراءة قوله: ( أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ ) فقرأه بعض قرّاء المدينة والكوفة ( أَوَلا يَذْكُرُ ) بتخفيف الذال، وقد قرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة والحجاز ( أولا يَذَّكَّرُ) بتشديد الذال والكاف، بمعنى: أولا يتذكر، والتشديد أعجب إليّ، وإن كانت الأخرى جائزة ، لأن معنى ذلك: أولا يتفكر فيعتبر.

أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67)وجملة { أو لا يذكر الإنسان } معطوفة على جملة { يقول الإنسان } ، أي يقول ذلك ومن النكير عليه أنّه لا يتذكّر أنا خلقناه من قبل وجوده .والاستفهام إنكار وتعجيب من ذهول الإنسان المنكر البعث عن خلقه الأول .وقرأ الجمهور { أو لا يذْكُر بسكون الذال وضمّ الكاف من الذُكر بضم الذال . وقرأه أبو جعفر بفتح الذال وتشديد الكاف على أن أصله يتَذكر فقلبت التاء الثانية ذالاً لقرب مخرجيهما .والشيء : هو الموجود ، أي إنا خلقناه ولم يك موجوداً .و ( قَبْلُ ) من الأسماء الملازمة للإضافة . ولما حذف المضاف إليه واعتبر مضافاً إليه مجملاً ولم يراع له لفظ مخصوص تقدّم ذكره بنيت ( قبلُ ) على الضمّ ، كقوله تعالى : { لله الأمر من قبل ومن بعد } [ الروم : 40 ].والتقدير : إنا خلقناه من قبل كلّ حالة هو عليها ، والتقدير في آية سورة الروم : لله الأمر من قبللِ كل حَدث ومِن بعده .والمعنى : الإنكار على الكافرين أن يقولوا ذلك ولا يتذكروا حال النشأة الأولى فإنها أعجب عند الذين يَجرون في مداركهم على أحكام العادة ، فإن الإيجاد عن عدم من غير سبق مثال أعجبُ وأدعى إلى الاستبعاد من إعادة موجودات كانت لها أمثلة . ولكنها فسدت هياكلها وتغيرت تراكيبها . وهذا قياس على الشاهد وإن كان القادر سواءً عليه الأمران .
الآية 67 - سورة مريم: (أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا...)