سورة محمد: الآية 27 - فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون...

تفسير الآية 27, سورة محمد

فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَٰرَهُمْ

الترجمة الإنجليزية

Fakayfa itha tawaffathumu almalaikatu yadriboona wujoohahum waadbarahum

تفسير الآية 27

فكيف حالهم إذا قبضت الملائكة أرواحهم وهم يضربون وجوههم وأدبارهم؟

«فكيف» حالهم «إذا توفتهم الملائكة يضربون» حال من الملائكة «وجوههم وأدبارهم» ظهورهم بمقامع من حديد.

فَكَيْفَ ترى حالهم الشنيعة، ورؤيتهم الفظيعة إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَة الموكلون بقبض أرواحهم، يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ بالمقامع الشديدة؟!.

ثم قال : ( فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ) أي : كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم وتعصت الأرواح في أجسادهم ، واستخرجتها الملائكة بالعنف والقهر والضرب ، كما قال : ( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ) الآية [ الأنفال : 50 ] ، وقال : ( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم ) أي : بالضرب ( أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ) [ الأنعام : 93 ] ; ولهذا قال هاهنا : ( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم )

ثم بين- سبحانه- حالهم- عند ما تقبض الملائكة أرواحهم فقال: فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ.والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والاستفهام للاستعظام والتهويل، و «كيف» منصوب بفعل محذوف هو العامل في الظرف «إذا» .والمراد بوجوههم: كل ما أقبل منهم، وبأدبارهم: كل ما أدبر من أجسامهم.أى: هؤلاء الذين ارتدوا على أدبارهم، وقالوا ما قالوا من كفر وضلال، كيف يكون حالهم إذا توفتهم الملائكة وقبضت أرواحهم؟ لا شك أن حالهم سيكون أسوأ حال وأقبحه، لأن ملائكة الموت يضربون عند قبض أرواحهم وجوه هؤلاء المنافقين وأدبارهم، ضربا أليما موجعا.وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ، وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ.

" فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم "

قوله تعالى : ( فكيف ) أي فكيف تكون حالهم . ( إذا توفتهم الملائكة يضربون ) أي ضاربين ، فهو في موضع الحال . ومعنى الكلام التخويف والتهديد ، أي : إن تأخر عنهم العذاب فإلى انقضاء العمر . وقد مضى في ( الأنفال ) و ( النحل ) وقال ابن عباس : لا يتوفى أحد على معصية إلا بضرب شديد لوجهه وقفاه . وقيل : ذلك عند القتال نصرة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بضرب الملائكة وجوههم عند الطلب وأدبارهم عند الهرب . وقيل : ذلك في القيامة عند سوقهم إلى النار .

القول في تأويل قوله تعالى : فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27)يقول تعالى ذكره: والله يعلم إسرار هؤلاء المنافقين, فكيف لا يعلم حالهم إذا توفتهم الملائكة, وهم يضربون وجوههم وأدبارهم, يقول: فحالهم أيضا لا يخفى عليه في ذلك الوقت ويعني بالأدبار: الأعجاز, وقد ذكرنا الرواية في ذلك فيما مضى قبل.

فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27(الفاء يجوز أن تكون للتفريع على جملة { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } [ محمد : 25 ] الآية وما بينهما متصل بقوله : { الشيطانُ سوّل لهم } [ محمد : 25 ] بناء على المحمل الأول للارتداد فيكون التفريع لبيان ما سيلحقهم من العذاب عند الموت وهو استهلال لما يتواصل من عذابهم عن مبدإ الموت إلى استقرارهم في العذاب الخالد . ويجوز على المحمل الثاني وهو أن المراد الارتداد عن القتال وتكون الفاء فصيحة فيفيد : إذا كانوا فروا من القتال هلعاً وخوفاً فكيف إذا توفتهم الملائكة ، أي كيف هلعهم ووجلهم الذي ارتدوا بهما عن القتال . وهذا يقتضي شيئين : أولهما أنهم ميّتون لا محالة ، وثانيهما أن موتتهم يصحبها تعذيب .فالأول مأخوذ بدلالة الالتزام وهو في معنى قوله تعالى : { الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعُونا ما قتلوا قل فادْرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين } [ آل عمران : 168 ] وقولِه : { وقالوا لا تنفروا في الحرّ قل نار جهنم أشدّ حرّاً لو كانوا يفقهون } [ التوبة : 81 ] .والثاني هو صريح الكلام وهو وعيد لتعذيب في الدنيا عند الموت .والمقصود : وعيدهم بأنهم سيعجل لهم العذاب من أول منازل الآخرة وهو حالة الموت . ولما جعل هذا العذاب محققاً وقوعُه رتب عليه الاستفهام عن حالهم استفهاماً مستعملاً في معنى تعجيب المخاطب من حالهم عند الوفاة ، وهذا التعجيب مؤذن بأنها حالة فظيعة غير معتادة إذ لا يتعجب إلاّ من أمْر غير معهود ، والسياق يدل على الفظاعة .و { إذا } متعلق بمحذوف دل عليه اسم الاستفهام ، تقديره : كيف حالهم أو عملهم حين تتوفاهم الملائكة .وكثر حذف متعلّق { كيف } في أمثال هذا مقدَّراً مؤخراً عن { كيف } وعن { إذا } كقوله تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } [ النساء : 41 ] . والتقدير : كيف يصنعون ويحتالون .وجعل سيبويه { كيف } في مثله ظرفاً وتبعه ابن الحاجب في الكافية . ولعله أراد الفرار من الحذف .وجملة { يضربون وجوههم وأدبارهم } حال من { الملائكة } . والمقصود من هذه الحال : وعيدهم بهذه المِيتة الفظيعة التي قدرها الله لهم وجعل الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم ، أي يضربون وجوههم التي وَقَوْهَا من ضرب السيف حين فرُّوا من الجهاد فإن الوجوه مما يقصد بالضرب بالسيوف عند القتال قال الحريش القريعي ، أو العباس بن مدراس :نعرّض للسيوف إذا التقينا ... وجوهاً لا تُعرض للنظامويضربون أدبارهم التي كانت محل الضرب لو قاتلوا ، وهذا تعريض بأنهم لو قاتلوا لفرُّوا فلا يقع الضرب إلا في أدبارهم .
الآية 27 - سورة محمد: (فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم...)