Fala tahinoo watadAAoo ila alssalmi waantumu alaAAlawna waAllahu maAAakum walan yatirakum aAAmalakum
تفسير الآية 35
فلا تضعفوا -أيها المؤمنون بالله ورسوله- عن جهاد المشركين، وتجْبُنوا عن قتالهم، وتدعوهم إلى الصلح والمسالمة، وأنتم القاهرون لهم والعالون عليهم، والله تعالى معكم بنصره وتأييده. وفي ذلك بشارة عظيمة بالنصر والظَّفَر على الأعداء. ولن يُنْقصكم الله ثواب أعمالكم.
«فلا تهنوا» تضعفوا «وتدعوا إلى السَِّلم» بفتح السين وكسرها، أي الصلح مع الكفار إذا لقيتموهم «وأنتم الأعلوْن» حذف منه واو لام الفعل الأغلبون القاهرون «والله معكم» بالعون والنصر «ولن يَتِركُم» ينقصكم «أعمالكم» أي ثوابها.
فَلَا تَهِنُوا أي: لا تضعفوا عن قتال عدوكم، ويستولي عليكم الخوف، بل اصبروا واثبتوا، ووطنوا أنفسكم على القتال والجلاد، طلبا لمرضاة ربكم، ونصحا للإسلام، وإغضابا للشيطان.ولا تدعوا إلى المسالمة والمتاركة بينكم وبين أعدائكم، طلبا للراحة، و الحال أنكم أنتم الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أي: ينقصكم أَعْمَالُكُم فهذه الأمور الثلاثة، كل منها مقتض للصبر وعدم الوهن كونهم الأعلين، أي: قد توفرت لهم أسباب النصر، ووعدوا من الله بالوعد الصادق، فإن الإنسان، لا يهن إلا إذا كان أذل من غيره وأضعف عددا، وعددا، وقوة داخلية وخارجية.الثاني: أن الله معهم، فإنهم مؤمنون، والله مع المؤمنين، بالعون، والنصر، والتأييد، وذلك موجب لقوة قلوبهم، وإقدامهم على عدوهم.الثالث: أن الله لا ينقصهم من أعمالهم شيئا، بل سيوفيهم أجورهم، ويزيدهم من فضله، خصوصا عبادة الجهاد، فإن النفقة تضاعف فيه، إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وقال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فإذا عرف الإنسان أن الله تعالى لا يضيع عمله وجهاده، أوجب له ذلك النشاط، وبذل الجهد فيما يترتب عليه الأجر والثواب، فكيف إذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة فإن ذلك يوجب النشاط التام، فهذا من ترغيب الله لعباده، وتنشيطهم، وتقوية أنفسهم على ما فيه صلاحهم وفلاحهم.
ثم قال لعباده المؤمنين : ( فلا تهنوا ) أي : لا تضعفوا عن الأعداء ، ( وتدعوا إلى السلم ) أي : المهادنة والمسالمة ، ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عددكم وعددكم ; ولهذا قال : ( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون ) أي : في حال علوكم على عدوكم ، فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين ، ورأى الإمام في المعاهدة والمهادنة مصلحة ، فله أن يفعل ذلك ، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين صده كفار قريش عن مكة ، ودعوه إلى الصلح ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين ، فأجابهم إلى ذلك .وقوله : ( والله معكم ) فيه بشارة عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء ، ( ولن يتركم أعمالكم ) أي : ولن يحبطها ويبطلها ويسلبكم إياها ، بل يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئا .
والفاء في قوله: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ فصيحة، والخطاب للمؤمنين على سبيل التبشير والتثبيت والحض على مجاهدة المشركين.أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن الله- تعالى- لن يغفر للكافرين..فَلا تَهِنُوا أى: فلا تضعفوا- أيها المؤمنون- أمامهم. ولا تخافوا من قتالهم.. من الوهن بمعنى الضعف، وفعله وهن بمعنى ضعف، ومنه قوله- تعالى-: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.وقوله: وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ معطوف على تَهِنُوا داخل في حيز النهى.أى: فلا تضعفوا عن قتال الكافرين، ولا تدعوهم إلى الصلح والمسالمة على سبيل الخوف منهم، وإظهار العجز أمامهم، فإن ذلك نوع من إعطاء الدنية التي تأباها تعاليم دينكم.وقوله: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ، وَاللَّهُ مَعَكُمْ، وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ جمل حالية.أى: لا تضعفوا ولا تستكينوا لأعدائكم والحال أنكم أنتم الأعلون، أى: الأكثر قهرا وغلبة لأعدائكم، والله- تعالى- معكم بعونه ونصره وتأييده.وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ أى: ولن ينقصكم شيئا من أجور أعمالكم، يقال: وترت فلانا حقه- من باب وعد- إذ انقصته حقه ولم تعطه له كاملا، وترت الرجل، إذا قتلت له قتيلا، أو سلبت منه ماله.قالوا: ومحل النهى عن الدعوة إلى صلح الكفار ومسالمتهم، إذا كان هذا الصلح أو تلك المسالمة تؤدى إلى إذلال المسلمين أو إظهارهم بمظهر الضعيف القابل لشروط أعدائه.. أما إذا كانت الدعوة إلى السلم لا تضر بمصلحة المسلمين فلا بأس من قبولها، عملا بقوله- تعالى-: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ.
( فلا تهنوا ) لا تضعفوا ( وتدعوا إلى السلم ) أي لا تدعوا إلى الصلح ابتداء ، منع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح ، وأمرهم بحربهم حتى يسلموا ( وأنتم الأعلون ) الغالبون ، قال الكلبي : آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات ( والله معكم ) بالعون والنصرة ( ولن يتركم أعمالكم ) لن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم ، يقال : وتره يتره وترا وترة : إذا نقص حقه ، قال ابن عباس ، وقتادة ، ومقاتل ، والضحاك : لن يظلمكم أعمالكم الصالحة بل يؤتيكم أجورها . ثم حض على طلب الآخرة فقال :
قوله تعالى : فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم .فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : فلا تهنوا أي تضعفوا عن القتال . والوهن : الضعف وقد وهن الإنسان ووهنه غيره ، يتعدى ولا يتعدى . قال :إنني لست بموهون فقرووهن أيضا ( بالكسر ) وهنا أي : ضعف ، وقرئ ( فما وهنوا ) بضم الهاء وكسرها . وقد مضى في ( آل عمران ) .الثانية : قوله تعالى : وتدعوا إلى السلم أي الصلح . وأنتم الأعلون أي وأنتم أعلم بالله منهم . وقيل : وأنتم الأعلون في الحجة . وقيل : المعنى وأنتم الغالبون لأنكم مؤمنون وإن غلبوكم في الظاهر في بعض الأحوال . وقال قتادة : لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها .الثالثة : واختلف العلماء في حكمها ، فقيل : إنها ناسخة لقوله تعالى : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها لأن الله تعالى منع من الميل إلى الصلح إذا لم يكن بالمسلمين حاجة إلى الصلح . وقيل : منسوخة بقوله تعالى : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وقيل : هي محكمة . والآيتان نزلتا في وقتين مختلفي الحال . وقيل : إن قوله : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها مخصوص في قوم بأعيانهم ، والأخرى عامة . فلا يجوز مهادنة الكفار إلا عند الضرورة ، وذلك إذا عجزنا عن مقاومتهم لضعف المسلمين . وقد مضى هذا المعنى مستوفى .والله معكم أي بالنصر والمعونة ، مثل : وإن الله لمع المحسنين ولن يتركم أعمالكم أي لن ينقصكم ، عن ابن عباس وغيره . ومنه الموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه ، تقول منه : وتره يتره وترا وترة . ومنه قوله - عليه السلام - : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله أي : ذهب بهما . وكذلك وتره حقه أي : نقصه . وقوله تعالى : ولن يتركم أعمالكم أي : لن ينتقصكم في أعمالكم ، كما تقول : دخلت البيت ، وأنت تريد في البيت ، قاله الجوهري . الفراء : ولن يتركم هو مشتق من الوتر وهو الفرد ، فكان المعنى : ولن يفردكم بغير ثواب .
القول في تأويل قوله تعالى : فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35)يقول تعالى ذكره: فلا تضعفوا أيها المؤمنون بالله عن جهاد المشركين وتجبُنوا عن قتالهم. كما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( فَلا تَهِنُوا ) قال: لا تضعفوا.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( فَلا تَهِنُوا ) لا تضعف أنت.وقوله ( وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) يقول: لا تضعفوا عنهم وتدعوهم إلى الصلح والمسالمة, وأنتم القاهرون لهم والعالون عليهم ( وَاللَّهُ مَعَكُمْ ) يقول: والله معكم بالنصر لكم عليهم.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل, غير أنهم اختلفوا في معنى قوله ( وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) فقال بعضهم: معناه: وأنتم أولى بالله منهم. وقال بعضهم: مثل الذي قلنا فيه.ذكر من قال ذلك, وقال معنى قوله ( وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) أنتم أولى بالله منهم.حدثني أحمد بن المقدام, قال: ثنا المعتمر, قال: سمعت أبي يحدّث, عن قتادة, في قوله ( فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ ) قال: أي لا تكونوا أولى الطائفتين تصرع.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ ) قال: لا تكونوا أولى الطائفتين صرعت لصاحبتها, ودعتها إلى الموادعة, وأنتم أولى بالله منهم والله معكم.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ ) قال: لا تكونوا أولى الطائفتين صرعت إلى صاحبتها( وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) قال: يقول: وأنتم أولى بالله منهم ذكر من قال معنى قوله ( وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) : أنتم الغالبون الأعزّ منهم.حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نحيح, عن مجاهد, قوله ( وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) قال: الغالبون مثل يوم أُحد, تكون عليهم الدائرة.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فى قوله ( فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) قال: هذا منسوخ, قال: نسخه القتال والجهاد, يقول: لا تضعف أنت وتدعوهم أنت إلى السلم وأنت الأعلى, قال: وهذا حين كانت العهود والهدنة فيما بينه وبين المشركين قبل أن يكون القتال, يقول: لا تهن فتضعف, فيرى أنك تدعو. إلى السلم وأنت فوقه, وأعزّ منه ( وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) أنتم أعزّ منهم, ثم جاء القتال بعد فنسخ هذا أجمع, فأمره بجهادهم والغلظة عليهم. وقد قيل: عنى بقوله ( وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) وأنتم الغالبون آخر الأمر, وإن غلبوكم في بعض الأوقات, وقهروكم في بعض الحروب.وقوله ( فَلا تَهِنُوا ) جزم بالنهي, وفي قوله ( وَتَدْعُوا ) وجهان: أحدهما الجزم على العطف على تهنوا, فيكون معنى الكلام: فلا تهنوا ولا تدعوا إلى السلم, والآخر النصب على الصرف.وقوله ( وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) يقول: ولن يظلمكم أجور أعمالكم فينقصكم ثوابها, من قولهم: وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا فأخذت له مالا غصبا.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله يقول ( وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) يقول: لن يظلمكم أجور أعمالكم.حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) قال: لن ينقصكم.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) : أي لن يظلمكم أعمالكم.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, مثله.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله ( وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) قال: لن يظلمكم, أعمالكم ذلك يتركم.حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) قال: لن يظلمكم أعمالكم.
فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35(الفاء للتفريع على ما تقرر في نفوس المؤمنين من خذل الله تعالى المشركين بما أخبر به من أنه أضل أعمالهم وقدّر لهم التعس ، وبما ضرب لهم من مصائر أمثالهم من الذين من قبلهم دمرهم الله وأهلكهم ولم يجدوا ناصراً ، وما وعد به المؤمنين من النصر عليهم وما أمرهم به من قتالهم وبتكلفه للمؤمنين بالولاية وما وعدهم من الجزاء في دارالخلد وبما أتبع ذلك من وصف كَيْد فريق المنافقين للمؤمنين وتعهدهم بإعانة المشركين ، وذلك مما يوجس منه المؤمنون خيفة إذ يعلمون أن أعداء لهم منبثون بين ظهرانيهم .فعلى ذلك كله فرع نهيهم عن الوهن وعن الميل إلى الدعة ووعدهم بأنهم المنتصرون وأن الله مؤيدهم . ويجوز أن يجعل التفريع على أقرب الأخبار المتقدمة وهو قوله : { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } [ محمد : 31 ] .وهذا النهي عن الوهن وعن الدعاء إلى السَّلْم تحذير من أمر توفرت أسباب حصوله متهيئة للإقدام على الحرب عند الأمر بها وليس نهياً عن وهن حصل لهم ولا عن دعائهم إلى السلم لأن هذه السورة نزلت بعد غزوة بدر وقبل غزوة أُحُد في مدة لم يكن فيها قتال بين المسلمين والمشركين ولكن التحذير من أن يستوهنهم المنافقون عند توجه أمر القتال فيقولوا : لو سالمنا القوم مدة حتى نستعيد عُدتنا ونسترجع قوتنا بعد يوم بدر ، وقد كان أبو سفيان ومن معه من المشركين لما رجعوا إلى مكة مفلولين بعد وقعة بدر ، يتربصُون بالمسلمين فرصة يقاتلونهم فيها لِما ضايقهم من تعرض المسلمين لهم في طريق تجارتهم إلى الشام مثل ما وقع في غزوة السويق ، وغزوة ذي قَرَد ، فلما كان في المدينة منافقون وكان عند أهل مكة رجال من أهل يثرب خرجوا منها مع أبي عامر الضبغي الملقب في الجاهلية بالراهب والذي غيّر النبي صلى الله عليه وسلم لقبَه فلقبه الفاسق .كان من المتوقع أن يكيد للمسلمين أعداؤهم من أهل يثرب فيظاهِروا عليهم المشركين متسترين بعلة طلب السلم فحذرهم الله من أن يقعوا في هذه الحبالة .والوهن : الضعف والعَجز ، وهو هنا مجاز في طلب الدعة . ومعناه : النهي عن إسلام أنفسهم لخواطر الضعف ، والعمل بهذا النهي يكون باستحضار مساوي تلك الخواطر فإن الخواطر الشريرة إذا لم تقاومها همة الإنسان دبّت في نفسه رُويداً رُويداً حتى تتمكن منها فتصبح ملكةً وسجيّة . فالمعنى : ادفعوا عن أنفسكم خواطر الوهن واجتنبوا مظاهره ، وأوَّلُها الدعاءُ إلى السلم وهو المقصود بالنهي . والنهي عن الوهن يقتضي أنهم لم يكونوا يومئذٍ في حال وهَن .وعُطف { وتَدعوا } على { تهنوا } فهو معمول لِحرف النهي ، والمعنى : ولا تدعوا إلى السلم وهو عطف خاص على عام من وجهٍ لأن الدعاء إلى السلم مع المقدرة من طلب الدعة لغير مصلحة .وإنما خص بالذكر لئلا يظن أن فيه مصلحة استبقاء النفوس والعُدة بالاستراحة من عُدوان العدوّ على المسلمين ، فإن المشركين يومئذٍ كانوا متكالبين على المسلمين ، فربما ظن المسلمون أنهم إن تداعوا معهم للسلم أمِنوا منهم ، وجعلوا ذلك فرصة لينشُوا الدعوة فعرفّهم الله أن ذلك يعود عليهم بالمضرة لأنه يحط من شوكتهم في نظر المشركين فيحسبونهم طلبوا السلم عن ضعف فيزيدهم ذلك ضراوة عليهم وتستخف بهم قبائل العرب بعد أن أخذوا من قلوبهم مكان الحرمة وتوقِع البأس .ولهذا المقصد الدقيق جمع بين النهي عن الوهن والدعاء إلى السلم وأُتبع بقوله : { وأنتم الأعلون } .فتحصل مما تقرر أن الدعاء إلى السلم المنهي عنه هو طلب المسالمة من العدّو في حال قدرة المسلمين وخوف العدوّ منهم ، فهو سلم مقيد بكون المسلمين داعين له وبكونه عن وهن في حال قوة . قال قتادة : أي لا تكونوا أول الطائفتين ضَرعت إلى صاحبتها . فهذا لا ينافي السلم المأذون فيه بقوله : { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } في سورة الأنفال ( 61 ( ، فإنه سلم طلبه العدو ، فليست هذه الآية ناسخة لآية الأنفال ولا العكس ولكل حالة خاصة ، ومقيّد بكون المسلمين في حالة قوة ومنعة وعِدّة وعُدّة بحيث يدعون إلى السلم رغبة في الدعَة . فإذا كان للمسلمين مصلحة في السلم أو كان أخفّ ضرًّا عليهم فلهم أن يبتدئوا إذا احتاجوا إليه وأن يجيبوا إليه إذا دعُوا إليه .وقد صالح النبي المشركين يوم الحديبية لمصلحة ظهرت فيما بعد ، وصالح المسلمون في غزوهم أفريقية أهلها وانكفأوا راجعين إلى مصر . وقال عمر بن الخطاب في كلام له مع بعض أمراء الجيش فقد آثرتُ سلامة المسلمين . وأما الصلح على بعض الأرض مع فتحها فذلك لا ينافي قوة الفاتحين كما صالح أمراء أبي بكر نصف أهل دمشق وكما صالح أمراء عمر أهل سود العراق وكانوا أعلم بما فيه صلاحهم .وقرأ الجمهور إلى السَّلم } بفتح السين . وقرأه أبو بكر عن عاصم وحمزة بكسر السين وهما لغتان . وجملة { وأنتم الأعلون } عطف على النهي عطف الخبر على الإنشاء ، والخبر مستعمل في الوعد .والأعلون : مبالغة في العلوّ . وهو هنا بمعنى الغلبة والنصر كقوله تعالى لموسى : { إنك أنت الأعلى } [ طه : 68 ] ، أي والله جاعلكم غالبين .و { الله معكم } عطف على الوعد . والمعية معية الرعاية والكلاءة ، أي والله حافظكم وراعيكم فلا يجعل الكافرين عليكم سبيلاً . والمعنى : وأنتم الغالبون بعناية الله ونصره .وصيغ كل من جملتي { أنتم الأعلون والله معكم } جملة اسمية للدلالة على ثبات الغلب لهم وثبات عناية الله بهم .وقوله : { ولن يتركم أعمالكم } وعد بتسديد الأعمال ونجاحها عكس قوله في أول السورة { الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله أضلّ أعمالهم } [ محمد : 1 ] فكني عن توفيق الأعمال ونجاحها بعدم وترها ، أي نقصها للعلم بأنه إذا كان لا ينقصها فبالحري أن لا يبطلها ، أي أن لا يخيبها ، وهو ما تقدم من قوله : { والذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضلّ أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم } [ محمد : 4 ، 5 ] .يقال : وتره يتره وَتْراً وتِرَة كوعد ، إذا نقصه ، وفي حديث «الموطأ» " من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِر أهلَه ومالَه " ويجوز أيضاً أن يراد منه صريحه ، أي ينقصكم ثوابكم على أعمالكم ، أي الجهاد المستفاد من قوله { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم } فيفيد التحريض على الجهاد بالوعد بأجره كاملاً .