وسخَّرنا له الشياطين يستعملهم في أعماله: فمنهم البناؤون والغوَّاصون في البحار، وآخرون، وهم مردة الشياطين، موثوقون في الأغلال. هذا المُلْك العظيم والتسخير الخاص عطاؤنا لك يا سليمان، فأعط مَن شئت وامنع مَن شئت، لا حساب عليك.
«والشياطين كل بناءٍ» يبني الأبنية العجيبة «وغوَّاص» في البحر يستخرج اللؤلؤ.
ف قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ فاستجاب اللّه له وغفر له، ورد عليه ملكه، وزاده ملكا لم يحصل لأحد من بعده، وهو تسخير الشياطين له، يبنون ما يريد، ويغوصون له في البحر، يستخرجون الدر والحلي، ومن عصاه منهم قرنه في الأصفاد وأوثقه.
وقوله : ( والشياطين كل بناء وغواص ) أي : منهم من هو مستعمل في الأبنية الهائلة من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات إلى غير ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر وطائفة غواصون في البحار يستخرجون مما فيها من اللآلئ والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها
وقوله: وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ معطوف على الريح أي: سخرنا له الريح تجرى بأمره.. وسخرنا له الشياطين. بأن جعلناهم منقادين لطاعته، فمنهم من يقوم ببناء المبانى العظيمة التي يطلبها سليمان منهم. ومنهم الغواصون الذين يغوصون في البحار ليستخرجوا له منها اللؤلؤ والمرجان، وغير ذلك من الكنوز التي اشتملت عليها البحار.
) ( والشياطين ) أي : وسخرنا له الشياطين ، ( كل بناء ) يبنون له ما يشاء من محاريب وتماثيل ، ) ( وغواص ) يستخرجون له اللآلئ من البحر ، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر .
" والشياطين " أي وسخرنا له الشياطين ، وما سخرت لأحد قبله . " كل بناء " بدل من الشياطين ، أي : كل بناء منهم ، فهم يبنون له ما يشاء . قال [ النابغة الذبياني ] :إلا سليمان إذ قال الإله له قم في البرية فاحددها عن الفندوخيس الجن إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد" وغواص " يعني في البحر يستخرجون له الدر . فسليمان أول من استخرج له اللؤلؤ من البحر .
وقوله ( وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ) يقول تعالى ذكره: وسخرنا له الشياطين سلطناه عليها مكان ما ابتُليناه بالذي ألقينا على كرسيّه منها يستعملها فيما يشاء من أعماله من بنَّاء وغوَّاص; فالبُناة منها يصنعون محاريب وتماثيل, والغاصة يستخرجون له الحُلِيّ من البحار, وآخرون ينحتون له جِفانا وقدورا, والمَردَة في الأغلال مُقَرَّنون.كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ) قال: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل, وغوّاص يستخرجون الحليّ من البحر .
وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) و { الشياطين } جمع شيطان ، وحقيقته الجنّي ، ويستعمل مجازاً للبالغ غاية المقدرة والحذق في العمل الذي يعمله . ومنه قوله تعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبيء عدواً شياطين الإنس والجن } [ الأنعام : 112 ] ، فسخر الله النوع الأول لسليمان تسخيراً خارقاً للعادة على وجه المعجزة فهو مسخر له في الأمور الروحانية والتصرفات الخفية وليس من شأن جنسهم إيجاد الصناعات المتقنة كالبناء ، وسخر النوع الثاني له تسخير إذلال ومغلوبية لعظم سلطانه وإلقاء مهابته في قلوب الأمم فكانوا يأتون طوعاً للانضواء تحت سلطانه كما فعلت بلقيس وقد تقدم في سورة سبأ .فيجوز أن يكون { الشياطين } مستعملاً في حقيقته ومجازه .و { كُلَّ بناءٍ } بدل من { الشَيَاطِينَ } بدل بعض من كل ، أي كل بنّاء وغوّاص منهم ، أي من الشياطين . و { كُلَّ } هنا مستعملة في معنى الكثير ، وهو استعمال وارد في القرآن والكلام الفصيح ، قال تعالى : { ولو جاءتهم كل آية } [ يونس : 97 ] وقال : { ثم كلي من كل الثمرات } [ النحل : 69 ] . وقال النابغة: ... بها كلُّ ذَيَّال وخنساءَ ترعويوتقدم عند قوله تعالى : { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } في سورة [ الأنعام : 25 ] .والبنَّاء : الذي يَبني وهو اسم فاعل مصوغ على زنة المبالغة للدلالة على معنى الصناعة مثل نَجَّار وقصَّار وحدَّاد .والغواص : الذي يغوص في البحر لاستخراج محار اللؤلؤ ، وهو أيضاً مما صِيغ على وزن المبالغة للدلالة على الصناعة ، قال النابغة: ... أو درّة صدفية غوَّاصهابَهج مَتَى يَرها يَهِلَّ ويَسْجُدِ ... قال تعالى : { ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملاً دون ذلك } [ الأنبياء : 82 ] .وقد بلغت الصناعة في مُلك سليمان مبلغاً من الإِتقان والجودة والجلال ، وناهيك ببناء هيكل أورشليم وهو الذي سُمي في الإِسلام المسجد الأقصى وما جلب إليه من مواد إقامته من الممالك المجاورة له ، وكذلك الصرح الذي أقامه وأدخلت عليه فيه مملكة سبَأ .