فسجد الملائكة كلهم أجمعون طاعة وامتثالا غير إبليس؛ فإنه لم يسجد أنَفَةً وتكبرًا، وكان من الكافرين في علم الله تعالى.
«فسجد الملائكة كلهم أجمعون» فيه تأكيدان.
فسجدوا كلهم أجمعون
هذه القصة ذكرها الله ، تعالى في سورة " البقرة " وفي أول " الأعراف " وفي سورة " الحجر " و [ في ] سبحان " و " الكهف " ، وهاهنا وهي أن الله سبحانه أعلم الملائكة قبل خلق آدم - عليه السلام - بأنه سيخلق بشرا من صلصال من حمأ مسنون وتقدم إليهم بالأمر متى فرغ من خلقه وتسويته فليسجدوا له إكراما وإعظاما واحتراما وامتثالا لأمر الله - عز وجل - . فامتثل الملائكة كلهم ذلك سوى إبليس ولم يكن منهم جنسا كان من الجن فخانه طبعه وجبلته أحوج ما كان إليه فاستنكف عن السجود لآدم وخاصم ربه - عز وجل - فيه وادعى أنه خير من آدم فإنه مخلوق من نار وآدم خلق من طين والنار خير من الطين في زعمه . وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر الله ، وكفر بذلك فأبعده الله وأرغم أنفه وطرده عن باب رحمته ومحل أنسه وحضرة قدسه وسماه " إبليس " إعلاما له بأنه قد أبلس من الرحمة وأنزله من السماء مذموما مدحورا إلى الأرض فسأل الله النظرة إلى يوم البعث فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه . فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة تمرد وطغى وقال : ( لأغوينهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين ) كما قال : ( أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا ) [ الإسراء : 62 ] وهؤلاء هم المستثنون في الآية الأخرى وهي قوله تعالى : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ) [ الإسراء : 65 ]
ثم بين- سبحانه- ما كان بعد ذلك فقال: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ.أى: امتثل الملائكة لأمر الله- تعالى- فسجدوا جميعا لآدم في وقت واحد،
" فسجد الملائكة كلهم أجمعون "
فسجد الملائكة كلهم أجمعون أي امتثلوا الأمر وسجدوا له خضوعا له وتعظيما لله بتعظيمه
وقوله ( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) يقول تعالى ذكره: فلما سوّى الله خلق ذلك البشر, وهو آدم, ونفخ فيه من روحه, سجد له الملائكة كلهم أجمعون, يعني بذلك: الملائكة الذين هم في السموات والأرض.
فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) لأن قوله : { فَسَجَدَ الملائكةُ } يقتضي أنهم قالوا كلاماً دَل على أنهم أطاعوا الله فيما أمرهم به ، بل ورد في سورة البقرة تفصيل ما جرى من قول الملائكة فهو يبيّن ما أجمل هنا وإن كان متأخراً إذ المقصود من سوق القصة هنا الاتّعاظ بكبِرْ إبليس دون ما نشأ عن ذلك . ويَجوز أن يكون { إذْ قالَ ربُّكَ } منصوباً بفعل مقدر ، أي اذكر إذ قال ربك للملائكة ، وهو بناء على أن ضمير { هُو نبؤا عظيمٌ } [ ص : 67 ] ليس ضمير شأن بل هو عائد إلى ما قبله وأن { إذْ يختصمون } [ ص : 69 ] مراد به خصومة أهل النار . وقصة خلق آدم تقدم ذكرها في سور كثيرة أشبهها بما هنا ما في سورة الحجر ، وأبينُها ما في سورة البقرة .