سورة سبإ: الآية 25 - قل لا تسألون عما أجرمنا...

تفسير الآية 25, سورة سبإ

قُل لَّا تُسْـَٔلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْـَٔلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ

الترجمة الإنجليزية

Qul la tusaloona AAamma ajramna wala nusalu AAamma taAAmaloona

تفسير الآية 25

قل: لا تُسألون عن ذنوبنا، ولا نُسأل عن أعمالكم؛ لأننا بريئون منكم ومِن كفركم.

«قل لا تسألون عما أجرمنا» أذنبنا «ولا نسأل عما تعملون» لأنا بريئون منكم.

قُلْ لهم [ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ أي: كل منا ومنكم, له عمله أنتم] لا تسألون عن إجرامنا وذنوبنا لو أذنبنا, ونحن لا نسأل عن أعمالكم، فليكن المقصود منا ومنكم طلب الحقائق وسلوك طريق الإنصاف، ودعوا ما كنا نعمل, ولا يكن مانعا لكم من اتباع الحق، فإن أحكام الدنيا تجري على الظواهر, ويتبع فيها الحق, ويجتنب الباطل، وأما الأعمال فلها دار أخرى, يحكم فيها أحكم الحاكمين, ويفصل بين المختصمين, أعدل العادلين.

وقوله : ( قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون ) : معناه التبري منهم ، أي : لستم منا ولا نحن منكم ، بل ندعوكم إلى الله وإلى توحيده وإفراد العبادة له ، فإن أجبتم فأنتم منا ونحن منكم ، وإن كذبتم فنحن برآء منكم وأنتم برآء منا ، كما قال تعالى : ( وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون ) [ يونس : 41 ] ، وقال : ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين ) [ سورة الكافرون ] .

ثم أتبع- سبحانه- هذا الكرم الحكيم في الدعوة إلى الحق، بكلام لا يقل عنه حكمة وبلاغة فقال: قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ أى: وقل لهم للمرة الثالثة- أيها الرسول الكريم- أنتم- أيها المشركون- لا تسألون يوم القيامة عن إجرامنا في حق أنفسنا- إن كنا قد أجرمنا وأخطأنا في حقها-، ونحن- أيضا- لا يسألنا الله- تعالى-عن سبب بقائكم في الكفر وفي الأعمال السيئة، لأننا قد بلغناكم رسالة ربكم- عز وجل-، ونصحناكم بالإقلاع عن الشرك والمعاصي.وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-، وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ .

" قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون ".

قوله تعالى : قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون .قوله تعالى : قل لا تسألون عما أجرمنا أي اكتسبنا ، ولا نسأل نحن أيضا عما تعملون أي إنما أقصد بما أدعوكم إليه الخير لكم ، لا أنه ينالني ضرر كفركم ، وهذا كما قال : لكم دينكم ولي دين والله مجازي الجميع . فهذه آية مهادنة ومتاركة ، وهي منسوخة بالسيف . وقيل : نزل هذا قبل آية السيف .

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25)يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل لهؤلاء المشركين: أحد فريقينا على هدى والآخر على ضلال، لا تسألون أنتم عمَّا أجرمنا نحن من جرم، ولا نسأل نحن عما تعملون أنتم من عمل، قل لهم: يجمع بيننا ربنا يوم القيامة عنده ثم يفتح بيننا بالحق. يقول: ثم يقضي بيننا بالعدل، فيتبين عند ذلك المهتدي منَّا من الضال (وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ) يقول: والله القاضي العليم بالقضاء بين خلقه، لأنه لا تخفى عنه خافيه، ولا يحتاج إلى شهود تعرفه المحق من المبطل.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل* ذكر من قال ذلك:

قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25)أعيد الأمر بأن يقول لهم مقالاً آخر إعادة لزيادة الاهتمام كما تقدم آنفاً واستدعاء لأسماء المخاطبين بالإِصغاء إليه .ولما كان هذا القول يتضمن بياناً للقول الذي قبله فُصِلتْ جملة الأمر بالقول عن أختها إذ لا يعطف البيان على المبين بحرف النسق ، فإنه لما ردَّد أمر الفريقين بين أن يكون أحدهما على هدى والآخر في ضلال وكان الضلال يأتي بالإِجرام اتّسِعَ في المحاجة فقيل لهم : إذا نحن أجرمنا فأنتم غير مُؤَاخَذِين بجُرمنا وإذا عمِلْتُم عملاً فنحن غير مؤاخذين به ، أي أن كل فريق مؤاخذ وحده بعمله فالأجدى بكلا الفريقين أن ينظر كل في أعماله وأعمال ضده ليعلم أيّ الفريقين أحق بالفوز والنجاة عند الله .وأيضاً فُصِلت لتكون هذه الجملة مستقلة بنفسها ليخصها السامع بالتأمل في مدلولها فيجوز أن تعتبر استئنافاً ابتدائياً ، وهي مع ذلك اعتراض بيّن أثناء الاحتجاج .فمعنى : { لا تسألون } { ولا نسأل } ، أن كل فريق له خويّصته .والسؤال : كناية عن أثره وهو الثواب على العمل الصالح والجزاء على الإِجرام بمثله ، كما هو في قول كعب بن زهير: ... وقيل إنك منسُوب ومسؤولأراد ومؤاخَذ بما سبَق منك لقوله قبلَه: ... لَذَاك أَهيبُ عندي إذْ أُكلمهوإسناد الإِجرام إلى جانب المتكلم ومن معه مبنيّ على زعم المخاطبين ، قال تعالى : { وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون } [ المطففين : 32 ] كان المشركون يؤنِّبون المؤمنين بأنهم خاطئون في تجنب عبادة أصنام قومهم .وهذه نكتة صوغه في صيغة الماضي لأنه متحقق على زعم المشركين . وصيغ ما يعمل المشركون في صيغة المضارع لأنهم ينتظرون منهم عملاً تعريضاً بأنهم يأتون عملاً غير ما عملوه ، أي يؤمنون بالله بعد كفرهم .وهذا ضرب من المشاركة والموادعة ليخلوا بأنفسهم فينظروا في أمرهم ولا يلهيهم جدال المؤمنين عن استعراض ومحاسبة أنفسهم . وفيه زيادة إنصاف إذ فرض المؤمنون الإِجرام في جانب أنفسهم وأسندوا العمل على إطلاقه في جانب المخاطبين لأن النظر والتدبر بعد ذلك يكشف عن كنه كلا العملين .وليس لهذه الآية تعلق بمشاركة القتال فلا تجعل منسوخة بآيات القتال .
الآية 25 - سورة سبإ: (قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون...)