Qala basurtu bima lam yabsuroo bihi faqabadtu qabdatan min athari alrrasooli fanabathtuha wakathalika sawwalat lee nafsee
تفسير الآية 96
قال السامري: رأيت ما لم يروه - وهو جبريل عليه السلام - على فرس، وقت خروجهم من البحر وغرق فرعون وجنوده، فأخذتُ بكفي ترابا من أثر حافر فرس جبريل، فألقيته على الحليِّ الذي صنعت منه العجل، فكان عجلا جسدًا له خوار؛ بلاء وفتنة، وكذلك زيَّنت لي نفسي الأمَّارة بالسوء هذا الصنيع.
«قال بصرت بما لم يبصروا به» بالياء والتاء أي علمت ما لم يعلموه «فقبضت قبضة من» تراب «أثر» حافر فرس «الرسول» جبريل «فنبذتها» ألقيتها في صورة العجل المصاغ «وكذلك سولت» زينت «لي نفسي» وألقى فيها أن أخذ قبضة من تراب ما ذكر، وألقيها على ما لا روح، به يصير له روح ورأيت قومك طلبوا منك أن تجعل لهم إلها فحدثتني نفسي أن يكون ذلك العجل إلههم.
بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ وهو جبريل عليه السلام على فرس رآه وقت خروجهم من البحر، وغرق فرعون وجنوده على ما قاله المفسرون، فقبضت قبضة من أثر حافر فرسه، فنبذتها على العجل، وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي أن أقبضها، ثم أنبذها، فكان ما كان
( قال بصرت بما لم يبصروا به ) أي : رأيت جبريل حين جاء لهلاك فرعون ، ( فقبضت قبضة من أثر الرسول ) أي : من أثر فرسه . وهذا هو المشهور عند كثير من المفسرين أو أكثرهم .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار بن الحارث ، أخبرنا عبيد الله بن موسى ، أخبرنا إسرائيل ، عن السدي ، عن أبي بن عمارة ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : إن جبريل ، عليه السلام ، لما نزل فصعد بموسى إلى السماء ، بصر به السامري من بين الناس ، فقبض قبضة من أثر الفرس قال : وحمل جبريل موسى خلفه ، حتى إذا دنا من باب السماء ، صعد وكتب الله الألواح وهو يسمع صرير الأقلام في الألواح . فلما أخبره أن قومه قد فتنوا من بعده قال : نزل موسى ، فأخذ العجل فأحرقه . غريب . وقال مجاهد : ( فقبضت قبضة من أثر الرسول ) قال : من تحت حافر فرس جبريل ، قال : والقبضة ملء الكف ، والقبضة بأطراف الأصابع .قال مجاهد : نبذ السامري ، أي : ألقى ما كان في يده على حلية بني إسرائيل ، فانسبك عجلا جسدا له خوار حفيف الريح فيه ، فهو خواره .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن يحيى ، أخبرنا علي ابن المديني ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا عمارة ، حدثنا عكرمة; أن السامري رأى الرسول ، فألقي في روعه أنك إن أخذت من أثر هذا الفرس قبضة فألقيتها في شيء ، فقلت له : " كن فكان " فقبض قبضة من أثر الرسول ، فيبست أصابعه على القبضة ، فلما ذهب موسى للميقات وكان بنو إسرائيل استعاروا حلي آل فرعون ، فقال لهم السامري : إنما أصابكم من أجل هذا الحلي ، فاجمعوه . فجمعوه ، فأوقدوا عليه ، فذاب ، فرآه السامري فألقي في روعه أنك لو قذفت هذه القبضة في هذه فقلت : " كن " كان . فقذف القبضة وقال : " كن " ، فكان عجلا له خوار ، فقال : ( هذا إلهكم وإله موسى ) .ولهذا قال : ( فنبذتها ) أي : ألقيتها مع من ألقى ، ( وكذلك سولت لي نفسي ) أي : حسنته وأعجبها إذ ذاك .
وقد رد السامري على موسى بقوله: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ أى: علمت ما لم يعلمه القوم، وفطنت لما لم يفطنوا له، ورأيت ما لم يروه.قال الزجاج: يقال: بصر بالشيء يبصر- ككرم وفرح- إذا علمه، وأبصره إذا نظر إليه.وقيل: هما بمعنى واحد.فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها روى أن السامري رأى جبريل- عليه السلام- حين جاء إلى موسى ليذهب به إلى الميقات لأخذ التوراة عن الله- عز وجل- ولم ير جبريل أحد غير السامري من قوم موسى، ورأى الفرس كلما وضعت حافرها على شيء اخضرت، فعلم أن للتراب الذي تضع عليه الفرس حافرها شأنا، فأخذ منه حفنة وألقاها في الحلي المذاب فصار عجلا جسدا له خوار.والمعنى قال السامري لموسى: علمت ما لم يعلمه غيرى فأخذت حفنة من تراب أثر حافر فرس الرسول وهو جبريل- عليه السلام- فألقيت هذه الحفنة في الحلي المذاب، فصار عجلا جسدا له خوار.وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي أى: ومثل هذا الفعل سولته لي نفسي، أى زينته وحسنته لي نفسي، لأجعل بنى إسرائيل يتركون عبادة إلهك يا موسى، ويعبدون العجل الذي صنعته لهم.وعلى هذا التفسير الذي سار عليه كثير من المفسرين، يكون المراد بالرسول: جبريل- عليه السلام- ويكون المراد بأثره: التراب الذي أخذه من موضع حافر فرسه.هذا، وقد نقل الفخر الرازي عن أبى مسلم الأصفهاني رأيا آخر في تفسير الآية فقال ما ملخصه: ليس في القرآن ما يدل على ما ذكره المفسرون، فهنا وجه آخر، وهو أن يكون المراد بالرسول: موسى- عليه السلام- وبأثره: سنته ورسمه الذي أمر به، فقد يقول الرجل: فلان يقص أثر فلان ويقتص أثره إذا كان يمتثل رسمه، والتقدير: أن موسى لما أقبل على السامري بالتوبيخ وبسؤاله عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم بعبادة العجل، رد عليه بقوله: بصرت بما لم يبصروا به، أى: عرفت أن الذي أنتم عليه ليس بحق، وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول، أى: أخذت شيئا من علمك ودينك فنبذته، أى:طرحته.. .وعلى هذا التفسير الذي ذهب إليه أبو مسلم يكون المراد بالرسول: موسى- عليه السلام- ويكون المراد بأثره: دينه وسنته وعلمه.ويكون المعنى الإجمالى للآية: أن السامري قال لموسى- عليه السلام- كنت قد أخذت جانبا من دينك وعلمك، ثم تبين لي أنك على ضلال فنبذت ما أخذته عنك وسولت لي نفسي أن أصنع للناس عجلا لكي يعبدوه لأن عبادته أراها هي الحق.وقد رجح الإمام الرازي في تفسيره ما ذهب إليه أبو مسلم فقال: واعلم أن هذا القول الذي قاله أبو مسلم ليس فيه إلا مخالفة للمفسرين، ولكنه أقرب إلى التحقيق لوجوه.1- أن جبريل ليس مشهورا باسم الرسول، ولم يجر له فيما تقدم ذكر حتى تجعل لام التعريف إشارة إليه.2- أنه لا بد فيه من الإضمار، وهو قبضته من أثر حافر فرس الرسول، والإضمار خلاف الأصل.3- أنه لا بد من التعسف في بيان أن السامري كيف اختص من بين جميع الناس برؤية جبريل ومعرفته؟ ثم كيف عرف أن لتراب حافر فرسه هذا الأثر؟ والذي ذكروه أن جبريل هو الذي رباه بعيد...وقد رد الإمام الآلوسى على الإمام الفخر الرازي- رحمهما الله- فقال ما ملخصه:1- عهد في القرآن الكريم إطلاق الرسول على جبريل، كما في قوله- تعالى-:إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. وعدم جريان ذكره فيما تقدم لا يمنع أن يكون معهودا، ويجوز أن يكون إطلاق الرسول عليه كان شائعا في بنى إسرائيل.2- تقدير المضاف في الكلام أكثر من أن يحصى، وقد عهد ذلك في كتاب الله غير مرة.3- رؤية السامري دون غيره لجبريل، كان ابتلاء من الله- تعالى- ليقضى الله أمرا كان مفعولا، ومعرفته تأثير ذلك الأثر دون غيره كانت بسبب ما ألقى في روعه من أنه لا يلقيه على شيء فيقول له كن كذا إلا كان- كما في خبر ابن عباس- أو كانت لما شاهد من خروج النبات بالوطء- كما في بعض الآثار-...ويبدو لنا أن ما ذهب إليه أبو مسلم، أقرب إلى ما يفيده ظاهر القرآن الكريم، إذا ما استبعدنا تلك الروايات التي ذكرها المفسرون في شأن السامري وفي شأن رؤيته لجبريل.ولا نرى حرجا في استبعادها، لأنها عارية عن السند الصحيح إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم أو إلى أصحابه، ويغلب على ظننا أنها من الإسرائيليات التي نرد العلم فيها إلى الله- تعالى-.
( قال بصرت بما لم يبصروا به ) رأيت ما لم يروا وعرفت ما لم يعرفوا .قرأ حمزة والكسائي : " ما لم تبصروا " بالتاء على الخطاب ، وقرأ الآخرون بالياء على الخبر .( فقبضت قبضة من أثر الرسول ) أي : من تراب أثر فرس جبريل ، ( فنبذتها ) أي ألقيتها في فم العجل .وقال بعضهم : إنما خار لهذا لأن التراب كان مأخوذا من تحت حافر فرس جبريل .فإن قيل : كيف عرفه ورأى جبريل من بين سائر الناس؟ .قيل : لأن أمه لما ولدته في السنة التي يقتل فيها البنون وضعته في الكهف حذرا عليه ، فبعث الله جبريل ليربيه لما قضى على يديه من الفتنة .( وكذلك سولت ) أي زينت ( لي نفسي )
ف ( قال ) السامري مجيبا لموسى : بصرت بما لم يبصروا به يعني : رأيت ما لم يروا ؛ رأيت جبريل - عليه السلام - على فرس الحياة ، فألقي في نفسي أن أقبض من أثره قبضة ، فما ألقيته على شيء إلا صار له روح ولحم ودم ؛ فلما سألوك أن تجعل لهم إلها زينت لي نفسي ذلك . وقال علي - رضي الله عنه - : لما نزل جبريل ليصعد بموسى - عليه السلام - ، إلى السماء ، وأبصره السامري من بين الناس فقبض قبضة من أثر الفرس . وقيل قال السامري : رأيت جبريل على الفرس وهي تلقي خطوها مد البصر فألقي في نفسي أن أقبض من أثرها فما ألقيته على شيء إلا صار له روح ودم . وقيل : رأى جبريل يوم نزل على رمكة وديق ، فتقدم خيل فرعون في ورود البحر . ويقال : إن أم السامري جعلته حين وضعته في غار خوفا من أن يقتله فرعون ؛ فجاءه جبريل - عليه السلام - ، فجعل كف السامري في فم السامري ، فرضع العسل واللبن فاختلف إليه فعرفه من حينئذ . وقد تقدم هذا المعنى في ( الأعراف ) .ويقال : إن السامري سمع كلام موسى - عليه السلام - ، حيث عمل تمثالين من شمع أحدهما ثور والآخر فرس فألقاهما في النيل طلب قبر يوسف - عليه السلام - وكان في تابوت من حجر في النيل فأتى به الثور على قرنه ، فتكلم السامري بذلك الكلام الذي سمعه من موسى ، وألقى القبضة في جوف العجل فخار . وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وخلف ( بما لم تبصروا ) بالتاء على الخطاب . الباقون بالياء على الخبر .وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود والحسن وقتادة ( فقبصت قبصة ) بصاد غير معجمة . وروي عن الحسن ضم القاف من ( قبصة ) والصاد غير معجمة . الباقون : فقبضت قبضة بالضاد المعجمة . والفرق بينهما أن القبض بجميع الكف ، والقبص بأطراف الأصابع ، ونحوهما الخضم والقضم ، والقبضة بضم القاف القدر المقبوض ؛ ذكره المهدوي . ولم يذكر الجوهري ( قبصة ) بضم القاف ، والصاد غير معجمة ، وإنما ذكر ( القبضة ) بضم القاف والضاد المعجمة وهو ما قبضت عليه من شيء ؛ يقال : أعطاه قبضة من سويق أو تمر أي كفا منه ، وربما جاء بالفتح . قال : والقبص بكسر القاف والصاد غير المعجمة العدد الكثير من الناس ؛ قال الكميت :لكم مسجدا الله المزوران والحصى لكم قبصه من بين أثرى وأقترىفنبذتها أي طرحتها في العجل .وكذلك سولت لي نفسي أي زينته ؛ قاله الأخفش . وقال ابن زيد : حدثتني نفسي . والمعنى متقارب .
وقوله ( بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ) يقول: قال السامريّ: علمت ما لم يعلموه، وهو فعلت من البصيرة: أي صرت بما عملت بصيرا عالما.* ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: لما قتل فرعون الولدان قالت أمّ السامريّ: لو نحيته عني حتى لا أراه، ولا أدري قتله، فجعلته في غار، فأتى جبرائيل، فجعل كفّ نفسه في فيه، فجعل يُرضعه العسل واللبن، فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قال: ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ).وقال آخرون: هي بمعنى: أبصرت ما لم يبصروه، وقالوا: يقال: بصرت بالشيء وأبصرته، كما يقال: أسرعت وسرعت ما شئت.* ذكر من قال: هو بمعنى أبصرت: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ) يعني فرس جبرائيل عليه السلام.وقوله ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ) يقول: قبضت قبضة من أثر حافر فرس جبرائيل.وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما قذفت بنو إسرائيل ما كان معهم من زينة آل فرعون في النار، وتكسرت، ورأى السامري أثر فرس جبرائيل عليه السلام، فأخذ ترابا من أثر حافره، ثم أقبل إلى النار فقذفه فيها، وقال: كن عجلا جسدا له خوار، فكان للبلاء والفتنة.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قبض قبضة من أثر جبرائيل، فألقى القبضة على حليهم فصار عجلا جسدا له خوار، فقال: هذا إلهكم وإله موسى.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا ) قال: من تحت حافر فرس جبرائيل، نبذه السامريّ على حلية بني إسرائيل، فانسبك عجلا جسدا له خوار، حفيف الريح فيه فهو خواره، والعجل: ولد البقرة.واختلف القرّاء في قراءة هذين الحرفين، فقرأته عامَّة قرّاء المدينة والبصرة ( بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ) بالياء، بمعنى: قال السامريّ بصرت بما لم يبصر به بنو إسرائيل. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ( بَصُرْتُ بِمَا لَمْ تَبْصُرُوا بِهِ) بالتاء على وجه المخاطبة لموسى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بمعنى: قال السامريّ لموسى: بصرت بما لم تبصر به أنت وأصحابك.والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء مع صحة معنى كل واحدة منهما، وذلك أنه جائز أن يكون السامريّ رأى جبرائيل، فكان عنده ما كان بأن حدثته نفسه بذلك أو بغير ذلك من الأسباب، أن تراب حافر فرسه الذي كان عليه يصلح لما حدث عنه حين نبذه في جوف العجل، ولم يكن علم ذلك عند موسى، ولا عند أصحابه من بني إسرائيل، فلذلك قال لموسى ( بَصُرْتُ بِمَا لَمْ تَبْصُرُوا بِهِ) أي علمت بما لم تعلموا به. وأما إذا قرئ(بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ) بالياء، فلا مؤنة فيه، لأنه معلوم أن بني إسرائيل لم يعلموا ما الذي يصلح له ذلك التراب.وأما قوله ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ) فإن قرّاء الأمصار على قراءته بالضاد، بمعنى: فأخذت بكفي ترابا من تراب أثر فرس الرسول.ورُوي عن الحسن البصري وقَتادة ما حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن عباد بن عوف، عن الحسن أنه قرأها( فَقَبَصْتُ قَبْصَةً ) بالصاد.وحدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن عباد، عن قَتادة مثل ذلك بالصاد بمعنى: أخذت بأصابعي من تراب أثر فرس الرسول، والقبضة عند العرب: الأخذ بالكفّ كلها، والقبصة: الأخذ بأطراف الأصابع.وقوله (فَنَبَذْتُها) يقول: فألقيتها( وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ) يقول: وكما فعلت من إلقائي القبضة التي قبضت من أثر الفرس على الحلية التي أوقد عليها حتى انسبكت فصارت عجلا جسدا له خوار ، ( سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ) يقول: زينت لي نفسي أن يكون ذلك كذلك.كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ( وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ) قال: كذلك حدثتني نفسي.
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96)وقوله { بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِه } إلى قوله { فَنَبَذْتُهَا } إن حُملت كلمات ( بَصُرت بما لم يبصروا به . وقبضت قبضة ، وأثر ، ونبذتها ) على حقائق مدلولاتها كما ذهب إليه جمهور المفسرين كان المعنى أبصرت ما لم يُبصروه ، أي نظرت ما لم ينظروه ، بناء على أن بَصُرت ، وأبصرت كلاهما من أفعال النظر بالعين ، إلا أن بصُر بالشيء حقيقته صار بصيراً به أو بصيراً بسببه ، أي شديد الإبصار ، فهو أقوى من أبصرت ، لأنّه صيغ من فَعُل بضم العين الذي تشتق منه الصفات المشبهة الدالة على كون الوصف سجية ، قال تعالى : { فبصرت به عن جنب } في سورة القصص ( 11 ).ولما كان المعنى هنا جليّاً عن أمر مرئيّ تعيّن حمل اللفظ على المجاز باستعارة بصُر الدال على قوّة الإبصار إلى معنى العِلم القويّ بعلاقة الإطلاق عن التقييد ، كما في قوله تعالى : { فبصرك اليوم حديد } [ ق : 22 ] ، وكما سميت المعرفة الراسخة بَصيرة في قوله { أدعوا إلى الله على بصيرة } [ يوسف : 108 ]. وحكى في «لسان العرب» عن اللحياني : إنه لبصير بالأشياء ، أي عالم بها ، وبصرت بالشيء : علمته . وجعل منه قوله تعالى : { بصرت بما لم يبصروا به ، وكذلك فسرها الأخفش في نقل لسان العرب } وأثبته الزجاج . فالمعنى : علمتُ ما لم يعلموه وفطنت لما لم يفطنوا له ، كما جعله في «الكشاف» أول وجهين في معنى الآية . ولذلك طريقتان : إما جعل بصُرت مجازاً ، وإما جعله حقيقة .وقرأ الجمهور { يبصروا بتحتية على أنه رافع لضمير الغائب . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف بفوقية على أنه خطاب لموسى ومن معه .والقَبضة : بفتح القاف الواحدة : من القَبض ، وهو غلق الراحة على شيء ، فالقبضة مصدر بمعنى المفعول ، وضد القبض : البسط .والنبذ : إلقاء ما في اليد .والأثر : حقيقته : ما يتركه الماشي من صورة قَدَمِه في الرمل أو التراب . وتقدم آنفاً عند قوله تعالى : { قال هم أولاء على أثري } [ طه : 84 ].وعلى حمل هذه الكلمات على حقائقها يتعين صرف الرسول عن المعنى المشهور ، فيتعين حمله على جبريل فإنه رسول من الله إلى الأنبياء . فقال جمهور المفسرين : المراد بالرسول جبريل ، ورووا قصة قالوا : إن السامري فتنهُ الله ، فأراه الله جبريل راكباً فرساً فوطىءَ حافر الفرس مكاناً فإذا هو مخضَرّ بالنبات . فعلم السامري أن أثر جبريل إذا ألقي في جماد صار حياً ، فأخذ قَبضة من ذلك التراب وصنَع عجلاً وألقى القبضة عليه فصار جسداً ، أي حياً ، له خوار كخوار العجل ، فعبر عن ذلك الإلقاء بالنبذ . وهذا الذي ذكروه لا يوجد في كتب الإسرائيليين ولا ورد به أثر من السنّة وإنما هي أقوال لبعض السلف ولعلها تسربت للناس من روايات القصاصين .فإذا صُرفت هذه الكلمات الستُّ إلى معان مجازية كان { بصُرت بمعنى علمتُ واهتديت ، أي اهتديت إلى علم ما لم يعلموه ، وهو علم صناعة التماثيل والصور الذي به صنع العجل ، وعلم الحِيل الذي أوجد به خُوار العجل ، وكانت القبضة بمعنى النصيب القليل ، وكان الأثر بمعنى التعليم ، أي الشريعة ، وكان نبذت } بمعنى أهملت ونقضت ، أي كنت ذا معرفة إجمالية من هدي الشريعة فانخلعت عنها بالكفر . وبذلك يصح أن يحمل لفظ الرسول على المعنى الشائع المتعارف وهو مَن أوحي إليه بشرع من الله وأُمر بتبليغه .وكان المعنى : إني بعملي العجل للعبادة نقضت اتباع شريعة موسى . والمعنى : أنه اعترف أمام موسى بصنعِهِ العجل واعترف بأنه جَهِل فَضَلّ ، واعتذر بأن ذلك سوّلته له نفسه .وعلى هذا المعنى فسر أبو مسلم الأصفهاني ورجحه الزمخشري بتقديمه في الذكر على تفسير الجمهور واختاره الفخر .والتسويل : تزيين ما ليس بزين .والتشبيه في قوله { وكذلك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي } تشبيه الشيء بنفسه ، كقوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً } [ البقرة : 143 ] ، أي كذلك التسويل سولت لي نفسي ، أي تسويلاً لا يقبل التعريفَ بأكثر من ذلك .