سورة يس: الآية 43 - وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ...

تفسير الآية 43, سورة يس

وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ

الترجمة الإنجليزية

Wain nasha nughriqhum fala sareekha lahum wala hum yunqathoona

تفسير الآية 43

وإن نشأ نغرقهم، فلا يجدون مغيثًا لهم مِن غرقهم، ولا هم يخلصون من الغرق.

«وإن نشأ نغرقهم» مع إيجاد السفن «فلا صريخ» مغيث «لهم ولا هم ينقذون» ينجون.

فلما خاطبهم اللّه تعالى بالقرآن، وذكر حالة الفلك، وعلم تعالى أنه سيكون أعظم آيات الفلك في غير وقتهم، وفي غير زمانهم، حين يعلمهم [صنعة] الفلك [البحرية] الشراعية منها والنارية، والجوية السابحة في الجو، كالطيور ونحوها، [والمراكب البرية] مما كانت الآية العظمى فيه لم توجد إلا في الذرية، نبَّه في الكتاب على أعلى نوع من أنواع آياتها فقال: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ أي: المملوء ركبانا وأمتعة. فحملهم اللّه تعالى، ونجاهم بالأسباب التي علمهم اللّه بها، من الغرق، و[لهذا] نبههم على نعمته عليهم حيث أنجاهم مع قدرته على ذلك، فقال: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ أي: لا أحد يصرخ لهم فيعاونهم على الشدة، ولا يزيل عنهم المشقة، وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ مما هم فيه

وقوله : ( وإن نشأ نغرقهم ) يعني : الذين في السفن ، ( فلا صريخ لهم ) أي : فلا مغيث لهم مما هم فيه ، ( ولا هم ينقذون ) أي : مما أصابهم .

ثم بين- سبحانه- مظهرا آخر من مظاهر فضله على الناس فقال: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ. إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ.الصريخ: المغيث. أى: فلا مغيث لهم. أو فلا إغاثة لهم، على أنه مصدر كالصراخ، لأن المستغيث الخائف ينادى من ينقذه، فيصرخ المغيث له قائلا: جاءك الغوث والعون.والاستثناء هنا مفرغ من أعم العلل.أى: وإن نشأ أن نغرق هؤلاء المحمولين في السفن أغرقناهم، دون أن يجدوا من يغيثهم منا، أو من ينقذهم من الغرق، سوى رحمتنا بهم، وفضلنا عليهم، وتمتيعنا إياهم بالحياة إلى وقت معين تنقضي عنده حياتهم.فالآيتان الكريمتان تصوران مظاهر قدرة الله ورحمته بعباده أكمل تصوير وذلك لأن السفن التي تجرى في البحر- مهما عظمت- تصير عند ما تشتد أمواجه في حالة شديدة من الاضطراب، ويغشى الراكبين فيها من الهول والفزع ما يغشاهم، وفي تلك الظروف العصيبة لا نجاة لهم مما هم فيه إلا عن طريق رعاية الله- تعالى- ورحمته بهم.

( وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ ) أي : لا مغيث ( لهم ولا هم ينقذون ) ينجون من الغرق . وقال ابن عباس : ولا أحد ينقذهم من عذابي .

قوله تعالى : وإن نشأ نغرقهم أي في البحر ، فترجع الكناية إلى أصحاب الذرية ، أو إلى الجميع ، وهذا يدل على صحة قول ابن عباس ومن قال : إن المراد " من مثله " السفن لا الإبل . " فلا صريخ لهم " أي لا مغيث لهم . رواه سعيد عن قتادة . وروى شيبان عنه : فلا منعة لهم . ومعناهما متقاربان . و " صريخ " بمعنى مصرخ ، فعيل بمعنى فاعل . ويجوز " فلا صريخ لهم " ; لأن بعده ما لا يجوز فيه إلا الرفع ; لأنه معرفة ، وهو " ولا هم ينقذون " والنحويون يختارون " لا رجل في الدار ، ولا زيد " . " ولا هم ينقذون " ومعنى : ينقذون : يخلصون من الغرق . وقيل : من العذاب .

وقوله ( وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ) يقول تعالى ذكره: وإن نشأ نغرق هؤلاء المشركين إذا ركبوا الفُلك في البحر ( فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ) يقول: فلا مُغِيث لهم إذا نحن غرّقناهم يُغِيثهم، فينجيهم من الغرق.كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ) أي: لا مُغِيثوقوله ( وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ ) يقول: ولا هو ينقذهم من الغرق شيء إن نحن أغرقناهم في البحر، إلا أن ننقذهم نحن رحمة منا لهم، فننجيهم منه.

وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) وجملة { وإن نَشَأْ نُغْرِقهُم } عطف على جملة { أنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّاتَهُم } باعتبار دلالتها الكنائية على استمرار هذه الآية وهذه المنة تذكيراً بأن الله تعالى الذي امتنّ عليهم إذا شاء جعل فيما هو نعمة على الناس نقمة لهم لحكمة يعلمها . وهذا جرى على عادة القرآن في تعقيب الترغيب بالترهيب وعكسِه لئلا يبطر الناس بالنعمة ولا ييأسوا من الرحمة . وقرينة ذلك أنه جيء في هذه الجملة بالمضارع المتمحّض في سياق الشرط لكونه مستقبلاً ، وهذا كقوله تعالى : { أفأمِنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً ثم لا تجدوا لكم وكيلاً أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفاً من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً } [ الإسراء : 6869 ] .والصريخ : الصارخ وهو المستغيث المستنجد تقول العرب : جاءهم الصريخ ، أي المنكوب المستنجد لينقذوه ، وهو فعيل بمعنى فاعل . ويطلق الصريخ على المغيث فعيل بمعنى مفعول ، وذلك أن المنجد إذا صرخ به المستنجد صرخ هو مجيباً بما يطمئن له من النصر . وقد جمع المعنيين قول سلامة بن جندل أنشده المبرد في «الكامل» : ... إنا إذا أتانا صارخ فزعكان الصُراخ له قَرع الظَنابيب ...والظنابيب : جمع ظُنبوب وهو مسمار يكون في جُبة السنان . وقرع الظنابيب تفقد الأسنة استعداداً للخروج .والمعنى : لا يجدون من يستصرخون به وهم في لُجج البحر ولا ينقذهم أحد من الغرق .والإنقاذ : الانتشال من الماء .وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله : { ولا هم يُنقَذُونَ } لإِفادة تقوّي الحكم وهو نفي إنقاذ أحدٍ إياهم
الآية 43 - سورة يس: (وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون...)