سورة يونس: الآية 105 - وأن أقم وجهك للدين حنيفا...

تفسير الآية 105, سورة يونس

وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

الترجمة الإنجليزية

Waan aqim wajhaka lilddeeni haneefan wala takoonanna mina almushrikeena

تفسير الآية 105

وأن أقم -أيها الرسول- نفسك على دين الإسلام مستقيمًا عليه غير مائل عنه إلى يهودية ولا نصرانية ولا عبادة غيره، ولا تكونن ممن يشرك في عبادة ربه الآلهة والأنداد، فتكون من الهالكين. وهذا وإن كان خطابًا للرسول صلى الله عليه وسلَّم فإنه موجَّه لعموم الأمة.

«و» قيل لي «أن أقمِ وجهك للدين حنيفا» مائلا إليه «ولا تكونن من المشركين».

وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ْ أي: أخلص أعمالك الظاهرة والباطنة لله، وأقم جميع شرائع الدين حنيفًا، أي: مقبلاً على الله، معرضًا عما سواه، وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ْ لا في حالهم، ولا تكن معهم.

وقوله : ( وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين ) أي : أخلص العبادة لله وحده حنيفا ، أي : منحرفا عن الشرك ؛ ولهذا قال : ( ولا تكونن من المشركين ) وهو معطوف على قوله : ( وأمرت أن أكون من المؤمنين )

وقوله: وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ... معطوف على قوله: أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.وحَنِيفاً حال من الدين أو من الوجه، والحنيف: هو المائل عن كل دين من الأديان إلى دين الإسلام.وخص الوجه بالذكر، لأنه أشرف الأعضاء.والمعنى: أن الله- سبحانه- أمره بالاستقامة في الدين. والثبات عليه، وعدم التزلزل عنه بحال من الأحوال.قال الآلوسى: «إقامة الوجه للدين، كناية عن توجيه النفس بالكلية إلى عبادته- تعالى-، والإعراض عما سواه، فإن من أراد أن ينظر إلى شيء نظر استقصاء، يقيم وجهه في مقابلته، بحيث لا يلتفت يمينا ولا شمالا، إذ لو التفت بطلت المقابلة، فلذا كنى به عن صرف العمل بالكلية إلى الدين، فالمراد بالوجه الذات.أى: اصرف ذاتك وكليتك للدين..» .وقوله- تعالى-: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تأكيد للأمر بإخلاص العبادة لله- تعالى- وحده. وهو معطوف على أَقِمْ.أى: استقم على ما أنت عليه من إخلاص العبادة لله- تعالى- وحده واثبت على ذلك، ولا تكونن من الذين أشركوا مع الله آلهة أخرى.

قوله : ( وأن أقم وجهك للدين حنيفا ) قال ابن عباس : عملك . وقيل : استقم على الدين حنيفا . ( ولا تكونن من المشركين )

قوله تعالى وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركينقوله تعالى وأن أقم وجهك للدين أن عطف على أن أكون أي قيل لي كن من المؤمنين وأقم وجهك . قال ابن عباس : عملك ، وقيل : نفسك ; أي استقم بإقبالك على ما أمرت به من الدين .حنيفا أي قويما به مائلا عن كل دين . قال حمزة بن عبد المطلب ، رضي الله عنه :حمدت الله حين هدى فؤادي من الإشراك للدين الحنيفوقد مضى في " الأنعام " اشتقاقه والحمد للهولا تكونن من المشركين أي وقيل لي ولا تشرك ; والخطاب له والمراد غيره

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، و " أن أقم " و " أن " الثانية عطفٌ على " أن " الأولى.ويعني بقوله: (أقم وجهك للدين ) ، أقم نفسك على دين الإسلام ، (24) (حنيفًا) مستقيمًا عليه، غير معوَجّ عنه إلى يهوديةٍ ولا نصرانيةٍ، ولا عبادة وثن (25) ، (ولا تكونن من المشركين) ، يقول: ولا تكونن ممن يشرك في عبادة ربه الآلهةَ والأندادَ ، فتكون من الهالكين.--------------------الهوامش :(24) انظر تفسير " الوجه " فيما سلف 2 : 510 - 512 ، 526 - 546 / 10 : 23 ، وما بعدها .(25) انظر تفسير " الحنيف " فيما سلف 12: 283 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

موقع هذه الجملة مُعضل لأن الواو عاطفة على محالة ، ووقعت بعدها ( أنْ ). فالأظهر أن تكون ( أنْ ) مصدرية ، فوقوع فعل الطلب بعدها غير مألوف لأن حق صلة ( أنْ ) أن تكون جملة خبرية . قال في «الكشاف» : قد سوغ سيبويه أن توصف ( أن ) بالأمر والنهي ، لأن الغرض وصل ( أن ) بما تكون معه في معنى المصدر ، وفعلا الأمر والنهي دالان على المصدر لأنه غيرهما من الأفعال اه . يشير إلى ما في «كتاب سيبويه» «بابٌ تكون ( أنْ ) فيه بمنزلة ( أيْ ) » . فالمعنى : وأمرت بإقامة وجهي للدين حنيفاً ، ويكون العطف عطف مفرد على مفرد .وقيل الواو عطفتْ فعلاً مقدّراً يدل عليه فعل ( أمرت ). والتقدير : وأوحي إلي ، وتكون ( أنْ ) مفسرة للفعل المقدر ، لأنه فيه معنى القول دون حروفه .وعندي : أن أسلوب نظم الآية على هذا الوجه لم يقع إلا لمقتضًى بلاغي ، فلا بد من أن يكون لصيغة { أقم وجهك } خصوصية في هذا المقام ، فلنُعرض عمّا وقع في «الكشاف» وعن جعل الآية مثالاً لما سوغه سيبويه ولنجعل الواو متوسعاً في استعمالها بأن استعملت نائبة مَناب الفعل الذي عَطفت عليه ، أي فعلَ { أمرت } [ يونس : 104 ] دون قصد تشريكها لمعطوفها مع المعطوف عليه بل استعملت لمجرد تكريره . والتقديرُ : أمرت أنْ أقم وجهك فتكون ( أن ) تفسيراً لما في الواو من تقدير لفظ فعل ( أمرْت ) لقصد حكاية اللفظ الذي أمره الله به بلفظه ، وليتأتّى عطف { ولا تكونن من المشركين } عليه . وهذا من عطف الجمل لا من عطف المفردات ، وقد سبق مثل هذا عند قوله تعالى : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } في سورة [ العقود : 49 ] ، وهو هنا أوْعب .والإقامة : جعل الشيء قائماً . وهي هنا مستعارة لإفراد الوجه بالتوجه إلى شيء معين لا يترك وجهه ينثني إلى شيء آخر . واللام للعلة ، أي لأجل الدين ، فيصير المعنى : محّض وجهك للدين لا تجعل لغير الدين شريكاً في توجهك . وهذه التمثيلية كناية عن توجيه نفسه بأسرها لأجل ما أمره الله به من التبليغ وإرشاد الأمة وإصلاحها . وقريب منه قوله : { أسلمت وجهي لله } في سورة [ آل عمران : 20 ].و { حنيفاً } حال من { الدين } وهو دين التوحيد ، لأنه حنف أي مال عن الآلهة وتمحض لله . وقد تقدم عند قوله تعالى : { قل بل ملة إبراهيم حنيفاً } في سورة [ البقرة : 135 ].نهي مؤكد لمعنى الأمر الذي قبله تصريحاً بمعنى { حنيفاً }. وتأكيد الفعل المنهي عنه بنون التوكيد للمبالغة في النهي عنه اعتناء بالتبرّؤ من الشرك .وقد تقدم غير مرة أن قوله : { من المشركين } ونحوَه أبلغ في الاتصاف من نحو : لا تكن مشركاً ، لما فيه من التبرؤ من الطائفة ذات نحلة الإشراك .
الآية 105 - سورة يونس: (وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين...)