إنما يتمتعون في الدنيا بكفرهم وكذبهم متاعًا قصيرًا، ثم إذا انقضى أجلهم فإلينا مصيرهم، ثم نذيقهم عذاب جهنم بسبب كفرهم بالله وتكذيبهم رسل الله، وجحدهم آياته.
لهم «متاع» قليل «في الدنيا» يتمتعون به مدة حياتهم «ثم إلينا مرجعهم» بالموت «ثم نذيقهم العذاب الشديد» بعد الموت «بما كانوا يكفرون».
تفسير الآيتين 69 و 70 :قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ أي: لا ينالون مطلوبهم، ولا يحصل لهم مقصودهم، وإنما يتمتعون في كفرهم وكذبهم، في الدنيا، قليلاً، ثم ينتقلون إلى الله، ويرجعون إليه، فيذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون. وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
كما قال هاهنا : ( متاع في الدنيا ) أي : مدة قريبة ، ( ثم إلينا مرجعهم ) أي : يوم القيامة ، ( ثم نذيقهم العذاب الشديد ) أي : الموجع المؤلم ( بما كانوا يكفرون ) أي : بسبب كفرهم وافترائهم وكذبهم على الله ، فيما ادعوه من الإفك والزور .
وقوله- سبحانه- مَتاعٌ فِي الدُّنْيا بيان لتفاهة ما يحرصون عليه من شهوات الحياة الدنيا. وهو خبر لمبتدأ محذوف.أى: أن ما يتمتعون به في الدنيا من شهوات وملذات، هو متاع قليل مهما كثر، لأنه إلى فناء واندثار.ثم بين- سبحانه- سوء مصيرهم بعد أن غرتهم الدنيا بشهواتها فقال: ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ، ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ.أى: ثم إلينا لا إلى غيرنا مرجعهم يوم القيامة، ثم نحاسبهم حسابا عسيرا على أقوالهم الذميمة، وأفعالهم القبيحة، ثم نذيقهم العذاب الشديد بسبب كفرهم بآياتنا، وتكذيبهم لنبينا صلى الله عليه وسلم.وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد مدحت أولياء الله الصالحين، وبشرتهم بالسعادة الدنيوية والأخروية، وأقامت الأدلة على قدرة الله النافذة ورحمته الواسعة، وردت على افتراءات المشركين بما يبطل أقوالهم، ويفضح مزاعمهم.وبعد أن ساقت السورة الكريمة ما ساقت من الأدلة على وحدانية الله وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة المكذبين.. بعد كل ذلك تحدثت عن بعض قصص الأنبياء مع أقوامهم، فبدأت بجانب من قصة نوح- عليه السلام- مع قومه، وكيف أن الله- تعالى- أغرقهم بعد أن تمادوا في ضلالهم، فقال- سبحانه-:
( متاع ) قليل يتمتعون به وبلاغ ينتفعون به إلى انقضاء آجالهم : و " متاع " رفع بإضمار ، أي : هو متاع ، ( في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون ) .
متاع في الدنيا أي ذلك متاع ، أو هو متاع في الدنيا ; قاله الكسائي . وقال الأخفش : لهم متاع في الدنيا . قال أبو إسحاق : ويجوز النصب في غير القرآن على معنى يتمتعون متاعا .ثم إلينا مرجعهم أي رجوعهم .ثم نذيقهم العذاب الشديد أي الغليظ بما كانوا يكفرون أي بكفرهم .
ولكن لهم متاع في الدنيا يمتعون به، وبلاغ يتبلغون به إلى الأجل الذي كُتِب فناؤهم فيه (63) ، (ثم إلينا مرجعهم) ، يقول: ثم إذا انقضى أجلهم الذي كتب لهم ، إلينا مصيرهم ومنقلبهم (64)، (ثم نذيقهم العذاب الشديد) ، وذلك إصلاؤهم جهنم (65) ، (بما كانوا يكفرون) بالله في الدنيا، فيكذبون رسله ، ويجحدون آياته.* * *ورفع قوله: (متاع) بمضمر قبله إما " ذلك " ، و إما " هذا ". (66)------------------------الهوامش:(63) انظر تفسير " المتاع " فيما سلف ص : 53 ، ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .(64) انظر تفسير " المرجع " فيما سلف ص : 98، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .(65) انظر تفسير " الذوق " فيما سلف ص : 102، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .(66) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 472 ، وفيه " : إما ( هو ) ، وإما ( ذاك ) " .
وجملة : { متاعٌ في الدنيا } استئناف بياني ، لأن القضاء عليه بعدم الفلاح يتوجه عليه أن يسأل سائل كيف نراهم في عزة وقدرة على أذى المسلمين وصد الناس عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيجاب السائل بأن ذلك تمتيع في الدنيا لا يَعبأ به ، وإنما عدم الفلاح مظهره الآخرة ، ف { متاع } خبر مبتدأ محذوف يعلم من الجملة السابقة ، أي أمرهم متاع .والمتاع : المنفعة القليلة في الدنيا إذ يقيمون بكذبهم سيادتهم وعزتهم بين قومهم ثم يزول ذلك .ومادة ( متاع ) مؤذنة بأنه غير دائم كما تقدم في قوله تعالى : { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } في أوائل سورة الأعراف ( 24 . (وتنكيره مؤذن بتقليله ، وتقييده بأنه في الدنيا مؤكد للزوال وللتقليل ، و ( ثم ) من قوله : ثم إلينا مرجعهم } للتراخي الرتبي لأن مضمونه هو محقة أنهم لا يفلحون فهو أهم مرتبة من مضمون لا يفلحون .والمرجع : مصدر ميمي بمعنى الرجوع . ومعنى الرجوع إلى الله الرجوع إلى وقت نفاذ حكمه المباشر فيهم .وتقديم { إلينا } على متعلَّقه وهو المرجع للاهتمام بالتذكير به واستحضاره كقوله : { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة إلى قوله ووجد الله عنده فوفَّاه حسابه } [ النور : 39 ] ويجوز أن يكون المرجع كناية عن الموت .وجملة : { ثم نذيقهم العذاب الشديد } بيان لجملة : { ثم إلينا مرجعهم }. وحرف ( ثم ) هذا مؤكد لنظيره الذي في الجملة المبينة على أن المراد بالمرجع الحصول في نفاذ حكم الله .والجمل الأربع هي من المقول المأمور به النبي صلى الله عليه وسلم تبليغاً عن الله تعالى .وإذاقة العذاب إيصاله إلى الإحساس ، أطلق عليه الإذاقة لتشبيهه بإحساس الذوق في التمكن من أقوى أعضاء الجسم حاسية لمس وهو اللسان .والباء في { بما كانوا يكفرون } للتعليل .وقوله : { كانوا يكفرون } يؤذن بتكرر ذلك منهم وتجدده بأنواع الكفر .