سورة يونس: الآية 94 - فإن كنت في شك مما...

تفسير الآية 94, سورة يونس

فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

الترجمة الإنجليزية

Fain kunta fee shakkin mimma anzalnna ilayka faisali allatheena yaqraoona alkitaba min qablika laqad jaaka alhaqqu min rabbika fala takoonanna mina almumtareena

تفسير الآية 94

فإن كنت -أيها الرسول- في ريب من حقيقة ما أخبرناك به فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك من أهل التوراة والإنجيل، فإن ذلك ثابت في كتبهم، لقد جاءك الحق اليقين من ربك بأنك رسول الله، وأن هؤلاء اليهود والنصارى يعلمون صحة ذلك، ويجدون صفتك في كتبهم، ولكنهم ينكرون ذلك مع علمهم به، فلا تكوننَّ من الشاكِّين في صحة ذلك وحقيقته.

(فإن كنت) يا محمد (في شك مما أنزلنا إليك) من القصص فرضاً (فاسأل الذين يقرءون الكتاب) التوراة (من قبلك) فإنه ثابت عندهم يخبروك بصدقه قال صلى الله عليه وسلم: "" لا أشك ولا أسأل "" (لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) الشاكين فيه.

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ هل هو صحيح أم غير صحيح؟. فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ أي: اسأل أهل الكتب المنصفين، والعلماء الراسخين، فإنهم سيقرون لك بصدق ما أخبرت به، وموافقته لما معهم، فإن قيل: إن كثيرًا من أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، بل ربما كان أكثرهم ومعظمهم كذبوا رسول الله وعاندوه، وردوا عليه دعوته.والله تعالى أمر رسوله أن يستشهد بهم، وجعل شهادتهم حجة لما جاء به، وبرهانًا على صدقه، فكيف يكون ذلك؟فالجواب عن هذا، من عدة أوجه:منها: أن الشهادة إذا أضيفت إلى طائفة، أو أهل مذهب، أو بلد ونحوهم، فإنها إنما تتناول العدول الصادقين منهم.وأما من عداهم، فلو كانوا أكثر من غيرهم فلا عبرة فيهم، لأن الشهادة مبنية على العدالة والصدق، وقد حصل ذلك بإيمان كثير من أحبارهم الربانيين، ك "عبد الله بن سلام" [وأصحابه وكثير ممن أسلم في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفائه، ومن بعده] و "كعب الأحبار" وغيرهما.ومنها: أن شهادة أهل الكتاب للرسول صلى الله عليه وسلم مبنية على كتابهم التوراة الذي ينتسبون إليه.فإذا كان موجودًا في التوراة، ما يوافق القرآن ويصدقه، ويشهد له بالصحة، فلو اتفقوا من أولهم لآخرهم على إنكار ذلك، لم يقدح بما جاء به الرسول.ومنها: أن الله تعالى أمر رسوله أن يستشهد بأهل الكتاب على صحة ما جاءه، وأظهر ذلك وأعلنه على رءوس الأشهاد.ومن المعلوم أن كثيرًا منهم من أحرص الناس على إبطال دعوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فلو كان عندهم ما يرد ما ذكره الله، لأبدوه وأظهروه وبينوه، فلما لم يكن شيء من ذلك، كان عدم رد المعادي، وإقرار المستجيب من أدل الأدلة على صحة هذا القرآن وصدقه.ومنها: أنه ليس أكثر أهل الكتاب، رد دعوة الرسول، بل أكثرهم استجاب لها، وانقاد طوعًا واختيارًا، فإن الرسول بعث وأكثر أهل الأرض المتدينين أهل كتاب .فلم يمكث دينه مدة غير كثيرة، حتى انقاد للإسلام أكثر أهل الشام، ومصر، والعراق، وما جاورها من البلدان التي هي مقر دين أهل الكتاب، ولم يبق إلا أهل الرياسات الذين آثروا رياساتهم على الحق، ومن تبعهم من العوام الجهلة، ومن تدين بدينهم اسمًا لا معنى، كالإفرنج الذين حقيقة أمرهم أنهم دهرية منحلون عن جميع أديان الرسل، وإنما انتسبوا للدين المسيحي، ترويجًا لملكهم، وتمويهًا لباطلهم، كما يعرف ذلك من عرف أحوالهم البينة الظاهرة.وقوله: لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ أي: الذي لا شك فيه بوجه من الوجوه ولهذا قال: مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ كقوله تعالى: كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ

قال قتادة بن دعامة : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا أشك ولا أسأل "وكذا قال ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والحسن البصري ، وهذا فيه تثبيت للأمة ، وإعلام لهم أن صفة نبيهم صلى الله عليه وسلم موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب ، كما قال تعالى : ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) الآية [ الأعراف : 157 ] . ثم مع هذا العلم يعرفونه من كتبهم كما يعرفون أبناءهم ، يلبسون ذلك ويحرفونه ويبدلونه ، ولا يؤمنون به مع قيام الحجة عليهم ؛

والمراد مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ هنا: ما أوحاه الله- تعالى- إلى نبيه صلى الله عليه وسلم من قصص حكيم يتعلق بأنبياء الله- تعالى- ورسله.قال الآلوسى: «وخصت القصص بالذكر، لأن الأحكام المنزلة عليه صلى الله عليه وسلم ناسخة لأحكامهم، ومخالفة لها فلا يتصور سؤالهم عنها» .والمراد بالكتاب: جنسه فيشمل التوراة والإنجيل.والمعنى: فإن كنت أيها الرسول الكريم- على سبيل الفرض والتقدير- في شك مما أنزلنا إليك من قصص حكيم كقصة موسى ونوح وغيرهما فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ وهم علماء أهل الكتاب، فإن ما قصصناه عليك ثابت في كتبهم.فليس المراد من هذه الآية ثبوت الشك للرسول صلى الله عليه وسلم وإنما المراد على سبيل الفرض والتقدير، لا على سبيل الثبوت.قال ابن كثير: «قال قتادة بن دعامة: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا أشك ولا أسأل» .وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن البصري، وهذا فيه تثبيت للأمة، وإعلام لهم بأن صفة نبيهم صلى الله عليه وسلم موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدى أهل الكتاب، كما قال- تعالى- الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ.. .وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- في شأن عيسى- عليه السلام-: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ. إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ...فعيسى- عليه السلام- يعلم علم اليقين أنه لم يقل ذلك، وإنما يفرض قوله فرضا.ليستدل عليه بأنه لو قاله لعلمه الله- تعالى- منه.أى: إن كنت قلته- على سبيل الفرض والتقدير- فقولي هذا لا يخفى عليك.قال صاحب الكشاف ما ملخصه: فإن قلت: كيف قال الله- تعالى- لرسوله صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ..؟قلت: هو على سبيل الفرض والتمثيل. كأنه قيل: فإن وقع لك شك- مثلا- وخيل لك الشيطان خيالا منه تقديرا فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ.والمعنى: أن الله- عز وجل- قدم ذكر بنى إسرائيل، وهم قراء الكتاب ووصفهم بأن العلم قد جاءهم، لأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فأراد أن يؤكد علمهم بصحة القرآن، وصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ويبالغ في ذلك فقال: فإن وقع لك شك فرضا وتقديرا. فسل علماء أهل الكتاب يعنى أنهم من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك، بحيث يصلحون لمراجعة مثلك، فضلا عن غيرك.فالغرض وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا وصفه بالشك فيه.ويجوز أن يكون على طريق التهييج والإلهاب كقوله فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ..ولذلك قال صلى الله عليه وسلم عند نزوله: «لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق» .وقيل: خوطب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد خطاب أمته.ومعناه: «فإن كنتم في شك مما أنزلنا إليكم..»وقوله لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ كلام مستأنف مؤكد لاجتثاث إرادة الشك.والتقدير: أقسم لقد جاءك الحق الذي لا لبس فيه من ربك لا من غيره، فلا تكونن من الشاكين المترددين في صحة ذلك.

قوله تعالى : ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ) يعني : القرآن ( فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ) فيخبرونك أنه مكتوب عندهم في التوراة .قيل : هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره على عادة العرب ، فإنهم يخاطبون الرجل ويريدون به غيره ، كقوله تعالى : " يا أيها النبي اتق الله " ( الأحزاب - 1 ) ، خاطب النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به المؤمنون ، بدليل أنه قال : " إن الله كان بما تعملون خبيرا " ولم يقل : " بما تعمل " وقال : " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء " ( الطلاق - 1 ) .وقيل : كان الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بين مصدق ومكذب وشاك ، فهذا الخطاب مع أهل الشك ، معناه : إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان رسولنا محمد ، فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك .قال ابن عباس ومجاهد والضحاك : يعني من آمن من أهل الكتاب ؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه ، فيشهدون على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ويخبرونك بنبوته .قال الفراء : علم الله سبحانه وتعالى أن رسوله غير شاك ، لكنه ذكره على عادة العرب ، يقول الواحد منهم لعبده : إن كنت عبدي فأطعني ، ويقول لولده : افعل كذا وكذا إن كنت ابني ، ولا يكون بذلك على وجه الشك .( لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ) من الشاكين .

قوله تعالى فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرينقوله تعالى فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره ، أي لست في شك ولكن غيرك شك . قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد : سمعت الإمامين ثعلبا والمبرد يقولان : معنى فإن كنت في شك أي قل يا محمد للكافر فإن كنت في شك مما أنزلنا إليكفاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك أي يا عابد الوثن إن كنت في شك من القرآن فاسأل من أسلم من اليهود ، يعني عبد الله بن سلام وأمثاله ; لأن عبدة الأوثان كانوا يقرون لليهود أنهم أعلم منهم من أجل أنهم أصحاب كتاب ; فدعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن يسألوا من يقرون بأنهم أعلم منهم ، هل يبعث الله برسول من بعد موسى . وقال القتبي : هذا خطاب لمن كان لا يقطع بتكذيب محمد ولا بتصديقه صلى الله عليه وسلم ، بل كان في شك . وقيل : المراد بالخطاب النبي صلى الله عليه وسلم لا غيره ، والمعنى : لو كنت يلحقك الشك فيه فيما أخبرناك به فسألت أهل الكتاب لأزالوا عنك الشك . وقيل : الشك ضيق الصدر ; أي إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر ، واسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك يخبروك صبر الأنبياء من قبلك على أذى قومهم وكيف عاقبة أمرهم . والشك في اللغة أصله الضيق ; يقال : شك الثوب أي ضمه بخلال حتى يصير كالوعاء . وكذلك السفرة تمد علائقها حتى تنقبض ; فالشك يقبض الصدر ويضمه حتى يضيق . وقال الحسين بن الفضل : الفاء مع حروف الشرط لا توجب الفعل ولا تثبته ، والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما نزلت هذه الآية : والله لا أشكثم استأنف الكلام فقال لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين أي الشاكين المرتابين .

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فإن كنت يا محمد في شك من حقيقة ما اخترناك فأنزلنا إليك ، (34) من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في نبوّتك قبل أن تبعث رسولا إلى خلقه، لأنهم يجدونك عندهم مكتوبًا ، ويعرفونك بالصفة التي أنت بها موصوف في كتابهم في التوراة والإنجيل (فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ) ، من أهل التوراة والإنجيل ، كعبد الله بن سلام ونحوه ، من أهل الصدق والإيمان بك منهم ، دون أهل الكذب والكفر بك منهم.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:17886- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس في قوله: (فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك) ، قال: التوراة والإنجيل، الذين أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب فآمنوا به، يقول: فاسألهم إن كنت في شك بأنك مكتوب عندهم.17887- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك) ، قال: هو عبد الله بن سلام، كان من أهل الكتاب ، فآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم.17888- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: (فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك) قال: هم أهل الكتاب.17889- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول: (فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك) ، يعني أهل التقوى وأهلَ الإيمان من أهل الكتاب، ممن أدرك نبيّ الله صلى الله عليه وسلم.* * *فإن قال قائل: أوكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في شكٍّ من خبَرِ الله أنه حقٌّ يقين ، حتى قيل له: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك) ؟قيل: لا وكذلك قال جماعة من أهل العلم.17890- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك) ، فقال: لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسأل.17891- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا سويد بن عمرو، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك) ، قال: ما شك وما سأل.17892- حدثني الحارث قال ، حدثنا القاسم بن سلام قال ، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير ، ومنصور، عن الحسن في هذه الآية، قال: لم يشك صلى الله عليه وسلم ولم يسأل.17893- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك) ، ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا أشك ولا أسأل.17894- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك) ، قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا أشك ولا أسأل.* * *فإن قال: فما وجه مخرج هذا الكلام ، إذنْ ، إن كان الأمر على ما وصفت؟ قيل: قد بيّنا في غير موضع من كتابنا هذا ، استجازة العرب قول القائل منهم لمملوكه: " إن كنت مملوكي فانته إلى أمري" والعبد المأمور بذلك لا يشكُّ سيدُه القائل له ذلك أنه عبده. كذلك قول الرجل منهم لابنه: " إن كنت ابني فبرَّني" ، وهو لا يشك في ابنه أنه ابنه، وأنّ ذلك من كلامهم صحيح مستفيض فيهم، وذكرنا ذلك بشواهده، وأنّ منه قول الله: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، [سورة المائدة: 116] ، وقد علم جل ثناؤه أن عيسى لم يقل ذلك. (35) وهذا من ذلك، لم يكن صلى الله عليه وسلم شاكًّا في حقيقة خبر الله وصحته، والله تعالى ذكره بذلك من أمره كان عالمًا، ولكنه جل ثناؤه خاطبه خطاب قومه بعضهم بعضًا، إذْ كان القرآن بلسانهم نزل.* * *وأما قوله: (لقد جاءك الحق من ربك) الآية، فهو خبرٌ من الله مبتدأ.يقول تعالى ذكره: أقسم لقد جاءك الحق اليقين من الخبر بأنك لله رسولٌ، وأن هؤلاء اليهود والنصارى يعلمون صحّة ذلك، ويجدون نعتك عندهم في كتبهم ، (فلا تكونن من الممترين) ، يقول: فلا تكونن من الشاكين في صحة ذلك وحقيقته. (36)* * *ولو قال قائل: إن هذه الآية خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد بها بعضُ من لم يكن صحَّت ، بصيرته بنبوته صلى الله عليه وسلم ، ممن كان قد أظهر الإيمان بلسانه، تنبيها له على موضع تعرف حقيقة أمره الذي يزيل اللبس عن قلبه، كما قال جل ثناؤه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ، [سورة الأحزاب: 1] ، كان قولا غيرَ مدفوعةٍ صحته.-----------------------الهوامش :(34) في المطبوعة : " ما أخبرناك وأنزل إليك " ، وأثبت الصواب من المخطوطة .(35) انظر ما سلف 11 : 236 ، 237 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 479 .(36) انظر تفسير " الامتراء " فيما سلف 12 : 61 ، تعليق : 2، والمراجع هناك .

تفريع على سياق القصص التي جعلها الله مثلاً لأهل مكة وعظة بما حل بأمثالهم . انتقل بهذا التفريع من أسلوب إلى أسلوب كلاهما تعريض بالمكذبين ، فالأسلوب السابق تعريض بالتحذير من أن يحل ما حل بالأمم المماثلة لهم ، وهذا الأسلوب الموالي تعريض لهم بشهادة أهل الكتاب على تلك الحوادث ، وما في الكتب السابقة من الأنباء برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فالمراد من { ما أنزلنا إليك } هو المنزل الذي تفرع عليه هذا الكلام وهو ما أنزل في هذه السورة من القصص .ثم أن الآية تحتمل معنيين لا يستقيم ما سواهما؛ أولهما : أن تبقى الظرفية التي دلت عليها ( في ) على حقيقتها ، ويكون الشك قد أطلق وأريد به أصحابه ، أي فإن كنت في قوم أهل شك مما أنزلنا إليك ، أي يشكون في وقوع هذه القصص ، كما يقال : دخل في الفتنة ، أي في أهلها . ويكون معنى { فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك } فاسأل أهل الكتاب سؤال تقرير وإشهاد عن صفة تلك الأخبار يخبروا بمثل ما أخبرتهم به ، فيزول الشك من نفوس أهل الشك إذ لا يحتمل تواطؤك مع أهل الكتاب على صفة واحدة لتلك الأخبار . فالمقصود من الآية إقامة الحجة على المشركين بشهادة أهل الكتاب من اليهود والنصارى قطعاً لمعذرتهم .وثانيهما : أن تكون ( في ) للظرفية المجازية كالتي في قوله تعالى : { فلا تكُ في مرية مما يعبد هؤلاء } [ هود : 109 ] ويكون سوق هذه المحاورة إلى النبي صلى الله عليه وسلم على طريقة التعريض لقصد أن يسمع ذلك المشركون فيكون استقرار حاصل المحاورة في نفوسهم أمكن مما لو ألقي إليهم مواجهة . وهذه طريقة في الإلقاء التعريضي يسلكها الحكماء وأصحاب الأخلاق متى كان توجيه الكلام إلى الذي يقصد به مظنة نفور كما في قوله تعالى : { لئن أشركت ليحبطنّ عملك ولتكُونَنّ من الخاسرين } [ الزمر : 65 ] أو كان في ذلك الإلقاء رفق بالذي يقصد سوق الكلام إليه كما في قصة الخصم من اللذين اختصما إلى داود المذكورة في سورة ص .وكلا الاحتمالين يلاقي قوله : { فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك } فإنه يقتضي أن المسؤول عنه مما لا يكتمه أهل الكتاب ، وأنهم يشهدون به ، وإنما يستقيم ذلك في القصص الموافقة لما في كتبهم فإنهم لا يتحرجون من إعلانها والشهادة بها . وغير هذين الاحتمالين يعكر عليه بعض ما في الآية ، ويقتضي أن المخاطب النبي صلى الله عليه وسلم لمكان قوله : { من قبلك }.وليس المراد بضمائر الخطاب كل من يصح أن يخاطب ، لأن قوله : { مما أنزلنا إليك } يناكد ذلك إلا بتعسف .وإنما تكون جملة : { فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك } جواباً للشرط باعتبار ما تفيده مادة السؤال من كونهم يجيبون بما يزيل الشك ، فبذلك يلتئم التلازم بين الشرط والجواب ، كما دلت عليه جملة : { لقد جاءك الحق من ربك }.وقرأ الجمهور { فاسأل } بهمزة وصل وسكون السين وهمزة بعد السين . وقرأه ابن كثير والكسائي { فسَل } بفتح السين دون همزة الوصل وبحذف الهمزة التي بعد السين مخفف سَأل .فجملة : { لقد جاءك الحق من ربك } مستأنفة استئنافاً بيانياً لجواب سؤال ناشىء عن الشرط وجوابه ، كأنّ السامع يقول : فإذا سألتهم ماذا يكون ، فقيل : لقد جاءك الحق من ربك .ولما كان المقصود من ذلك علم السامعين بطريق التعريض لا علم الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه ليس بمحل الحاجة لإعلامه بأنه على الحق قرنت الجملة بحرفي التأكيد ، وهما : لام القسم وقد ، لدفع إنكار المعرّض بهم .وبذلك كان تفريع { فلا تكونن من الممترين } تعريضاً أيضاً بالمشركين بأنهم بحيث يُحذر الكون منهم .والامتراء : الشك فيما لا شبهة للشك فيه . فهو أخص من الشك .
الآية 94 - سورة يونس: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ۚ لقد جاءك الحق من ربك فلا...)